Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مثل أوروبا وروسيا... هل تستطيع أميركا فطم نفسها عن الصين؟

نفوذ بكين يمتد من شركات التكنولوجيا إلى "هوليوود" ودوري المحترفين للسلة

تعتمد الولايات المتحدة على سلاسل التوريد الصينية مثلما اعتمدت أوروبا على الطاقة الروسية (رويترز)

منذ بدء الهجوم الروسي على أوكرانيا، تكافح أوروبا لفطم نفسها عن الطاقة الروسية بعد سنوات طويلة من الاعتماد عليها بشكل رئيس. والولايات المتحدة التي تعتمد بشكل هائل على سلاسل التوريد الصينية، تجد نفسها في وضع مماثل، مع سؤال كيف يمكن أن تفطم نفسها عن الصين في حال ساءت العلاقة، إذا ما شنت بكين هجوماً على تايوان، أو إذا ما تطورت النزاعات إلى حد خطير في بحر الصين الجنوبي أو الشرقي. فهل يمكن لأميركا أن تتخذ قرار الانفصال حينئذ عن التجارة مع الصين، أم أن تجربة أوروبا مع روسيا تختلف تماماً؟

درس أوروبا مع روسيا

تعلمت أوروبا من درس الاعتماد بشكل أساس على النفط والغاز الروسيين، بعدما وجدت نفسها في مأزق كبير مع الشرارة الأولى في حرب أوكرانيا. ما حتم عليها اتخاذ مسلك معاكس لعقود طويلة من السياسة التجارية الأوروبية، لكن اتخاذ قرار التخلي عن تجارة الطاقة الروسية الذي سيكلف دول الاتحاد الأوروبي نحو 300 مليار دولار، لم يكن بالأمر السهل كما تخيل البعض، لأنه يحتاج إلى بنية تحتية وتغيير كبير يتطلب فترة من الوقت.

غير أن الثمن الذي تدفعه أوروبا الآن يتردد صداه في الولايات المتحدة، التي تترقب سيناريوهات مستقبلية مماثلة مع الصين، وتخشى أن تتهم بالتقاعس عن العمل واتخاذ القرار المناسب في مواجهة إشارات التحذير المتتالية من بكين ذات الطموح العالمي.

خطر الفوضى

ولأنه لا يمكن فصل الاقتصاد الكلي عن الجغرافيا السياسية إلى أجل غير مسمى، تتعالى الصيحات في واشنطن بضرورة الاستفادة من دروس أوروبا مع روسيا، من أجل تحديد علاقات أميركا الاقتصادية بشكل استباقي مع قوة ضخمة صاعدة هي الصين التي تتبادل معها الولايات المتحدة تجارة سنوية وصلت إلى 521 مليار دولار عام 2021، وقد يثير هجوم صيني محتمل خلال سنوات، لإعادة تايوان بشكل قسري إلى الوطن الأم، الأسئلة نفسها عن اعتماد الولايات المتحدة على سلاسل التوريد الصينية مثلما اعتمدت أوروبا على الطاقة الروسية.

وما يثير القلق أن الفوضى الاقتصادية التي يمكن أن تنتج عن قرارات أميركية مفاجئة بالانفصال عن الصين ستكون هائلة، نظراً إلى أن إيجاد الحلول سيكون صعباً للغاية في إطار زمني مضغوط تخلقه الأزمة، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها معزولة عن الوصول إلى كثير من المنتجات التكنولوجية والصناعية الحيوية، وعدد لا يحصى من السلع الأخرى التي تلعب دوراً مهماً في حياة الأميركيين اليومية حسبما يقول جاكوب هيلبيرغ، مستشار برنامج جامعة ستانفورد للجغرافيا السياسية والتكنولوجيا في مقال نشره موقع "فورين بوليسي".

أمثلة مخيفة

هناك أمثلة مخيفة تُظهر حجم التأثير الذي قد يحدث نتيجة فصل أميركا عن الصين. على سبيل المثال، إذا فقدت شركة واحدة فقط هي "أبل"، بشكل غير متوقع، خطوط إنتاج أجهزة "آي فون" الخاصة بها في الصين، فإن العواقب ستكون وخيمة من دون شك على الولايات المتحدة، إذ تبلغ القيمة السوقية لشركة "أبل" حوالى 2.25 تريليون دولار، وفقاً لموقع "انفستوبيديا". وتستثمر أكبر أربعة صناديق استثمار مشتركة في الولايات المتحدة، أكثر من 100 مليار دولار في تلك الشركة التي توظف بشكل مباشر أو غير مباشر، أكثر من مليوني مواطن أميركي في الولايات الخمسين. وإذا كان التأثير بهذا الحجم في شركة عملاقة مثل "أبل"، فيمكن تخيل تأثير هائل إذا ما طبق هذا النموذج مع عديد من الشركات الأميركية الكبيرة التي توجد لها استثمارات كبيرة في الصين.

ولا يتعلق الأمر بواردات التكنولوجيا الأميركية منخفضة التكلفة من الصين، والتي تعد نقطة ضعف كبيرة للأمن القومي الأميركي فحسب، بل إن الخطر، كما يراه مراقبون، يتعلق بالنفوذ الذي تمارسه الصين منذ سنوات على عديد من الشركات والمؤسسات الثقافية والفنية والرياضية من خلال استغلال سوقها الضخمة. ما يجبر الشركات الأميركية على تلبية مطالبها والاستجابة لرغباتها. ففي مجال التكنولوجيا، عقدت شركة "أبل" اتفاقية سرية مع الحكومة الصينية لاستثمار 275 مليار دولار في قطاعات استراتيجية تعود بالفائدة على جيش التحرير الشعبي الصيني، وفقاً لموقع "ذي انفورميشن" الأميركي.

نفوذ السوق

وفي صناعة الرياضة والترفيه، يتزايد تأثير الصين على المؤسسات الثقافية الأميركية الشهيرة بمرور الوقت، بحسب موقع "ذي فيدراليست"، إذ تعتمد استوديوهات الأفلام الأميركية على مبيعات التذاكر الضخمة في الصين،  التي تتجاوز الآن حجم التذاكر المباعة في أميركا الشمالية. ما يخلق نوعاً من الرقابة الذاتية لدى منتجي الأفلام. والسيطرة الصينية غير مباشرة على ما يقال وما لا يقال في الأفلام التي يشاهدها الأميركيون أنفسهم، إذ لم يكن هناك فيلم أميركي مميز أو ضخم الإنتاج، ينتقد الصين منذ فيلم "سبع سنوات في التيبت" الذي صدر قبل نحو ربع قرن. ويتهم الممثل الأميركي الحائز  جائزة الأوسكار ريتشارد غير، الصين بأنها دمرت حياته المهنية بسبب مواقفه السياسية من قضية التيبت ودعمه الدالاي لاما، رجل الدين البوذي، من خلال رفض عرض أفلامه في السوق الصينية.

ويبدو أن السوق الهائلة في الصين كانت سبباً في تعديل الجزء الثاني من الفيلم الأميركي "الفجر الأحمر" الذي صدر عام 2012، وكان يصنف ضمن الأفلام الدعائية السيئة بحسب صحيفة "ذي أتلانتيك"، إذ اضطرت شركة الإنتاج إلى تغيير جنسية المعادين لأميركا في الفيلم، ليصبحوا مجموعة من الكوريين الشماليين وليس الصينيين، كما كان وارداً في النص الأصلي للسيناريو، خشية خسارة السوق الصينية المزدهرة.

ويستمر هذا النهج، إذ قالت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية إن شركة "تينسينت" الصينية التكنولوجية العملاقة سحبت فجأة تمويل فيلم شركة "بارامونت" المعروض حالياً في قاعات العرض السينمائي، وهو فيلم "توب غن مافريك" بطولة توم كروز، ​​لأن الفيلم يمجد الطيارين الأميركيين، وإن الشركة الصينية اعتبرت أنه قد يغضب القادة الصينيين. وحتى الآن، لم يحدد موعد لإطلاق الفيلم في الصين على الرغم من تسويقه في أرجاء العالم وتسجيله أرباحاً قياسية.

من "هوليوود" إلى دوري كرة السلة

ومن الواضح أن "هوليوود" ليست المؤسسة الأميركية الشهيرة الوحيدة التي تضع في حسبانها النفوذ الصيني المتمثل في سوقها الواسعة، فقد أشارت شبكة "سي أن بي سي" الأميركية في تقرير لها العام الماضي أن الدوري الأميركي للمحترفين في كرة السلة "أن بي أيه" يحقق عائدات تزيد قيمتها على 5 مليارات دولار في الصين، ويملك 40 من ملاك حقوق بث الدوري ما يقدر بنحو 10 مليارات دولار من الأصول والاستثمارات في الصين بحسب شبكة "إي أس بي أن" الرياضية الشهيرة، التي قالت إن الخلافات السياسية بين الولايات المتحدة والصين تسببت في عرقلة بث مباريات الدوري في القنوات التلفزيونية المملوكة للدولة لمدة 3 سنوات، لكن الملاك ظلوا صامتين وعبروا عن رغبتهم في أن يلعبوا دوراً بناء في العلاقات بين البلدين.

وبالمثل، فإن "تيك توك"، التي يستخدمها عشرات الملايين من الأميركيين وتملكها شركة صينية، متهمة باستخدام خوارزميات تروج للروايات التي تفضلها الحكومة الصينية. ما يجعل التجارة مع الصين تعمل على تغيير الولايات المتحدة أكثر مما تغير الصين. وهو بالضبط عكس ما وعد به السياسيون الأميركيون حينما دعموا قبول بكين في منظمة التجارة العالمية قبل عقدين من الزمن.

الحروب الرمادية

ولأن الولايات المتحدة لا تريد أن تجد نفسها فجأة ترتكب خطأ العاصمة الألمانية برلين التي اضطربت كثيراً حينما بدأ الهجوم الروسي على أوكرانيا، ولا تزال تبحث عن بدائل الطاقة الروسية، فإن واشنطن لا تدري كيف يمكن للأدوات المتوفرة لديها أن تتعامل مع شريك تجاري رئيس مثل الصين، هو في الوقت نفسه الخصم الجيوسياسي الرئيس لها. ففي عام 1917، أقر الكونغرس الأميركي ما يسمى "قانون التجارة مع العدو"، الذي أعطى الرئيس سلطات واسعة لتقييد التجارة مع خصوم الولايات المتحدة في أوقات الحرب فحسب، مع ذلك، فإن هذا التشريع (الذي تم تعديله في عام 1933 ومرة ​​أخرى في 1977) غير مناسب لحروب المنطقة الرمادية الحديثة، حيث يتخذ العداء أشكالاً أكثر غموضاً.

وبحسب جاكوب هيلبيرغ، وهو باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، فإن الولايات المتحدة والصين ليستا في حالة حرب، لكنهما ليستا في حالة سلام، إذ تتحدى الصين الولايات المتحدة من خلال "الحرب الرمادية" التي تدعمها التكنولوجيا. ولهذا، يرى هيلبيرغ أن مواجهة هذا التحدي يمكن أن تكون عبر سن الكونغرس تشريعاً جديداً يعكس التهديد الفريد الذي تشكله الصين، بحيث يفرض قيوداً أكثر صرامة على تجارة التكنولوجيا، وفرض حظر على "تيك توك" وتطبيقات البرامج الصينية الأخرى من السوق الأميركية، وفقاً لما اقترحه أيضاً جيم بانكس عضو مجلس النواب الأميركي، مع فرض قيود أكثر صرامة على الاستثمار الأميركي في شركات التكنولوجيا الصينية، وفقاً لدعوة السيناتور بوب كيسي جونيور وجون كورنين.

الانفصال غير واقعي

غير أن دينغ غانغ، الباحث في "معهد تشونغ يانغ" للدراسات المالية بجامعة رينمين الصينية، اعتبر في مقال نشرته صحيفة "غلوبال تايمز" الصينية، أنه إذا ما انفصلت الولايات المتحدة عن الصين فسيشكل ذلك سيناريو غير مسبوق في التاريخ بالنظر إلى العولمة العميقة، وسلاسل التصنيع والتوريد الضخمة التي لن يكون معها الفصل بين الولايات المتحدة والصين، إنما سيكون فصلاً بين الولايات المتحدة والعالم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من اعتراف الباحث الصيني بأن الولايات المتحدة قوة عظمى في العالم، ليس بصفتها القوة الاقتصادية الأكبر فحسب، بل تتمتع بأقوى نقاط القوة المالية والتكنولوجية والعسكرية في العالم أيضاً، لا سيما مكانتها الأولى في الخدمات والتجارة وسلاسل التصنيع العالمية، إلا أن أميركا ليست التاجر الأكبر في العالم، وهي ليست الشركة المصنعة رقم واحد في العالم، بعدما تقلصت التجارة الخارجية للسلع الأميركية بنسبة 8.8 في المئة عام 2020 وبلغت 3.84 تريليون دولار. في حين ارتفع حجم التجارة الخارجية للصين إلى 4.65 تريليون دولار، في العام نفسه، ما مكنها من أن تصبح الدولة الأولى في حجم تجارتها مع العالم.

وفقاً للبيانات الصادرة عن الأمم المتحدة، شكلت الصين 28 في المئة من ناتج التصنيع العالمي عام 2018، متقدمة بأكثر من 10 نقاط مئوية على الولايات المتحدة. وقد تجاوزت الصين الولايات المتحدة عام 2010 لتصبح الدولة المصنعة الأكبر في العالم.

وعلى الرغم من أن مكانة الصين في سلاسل التصنيع التكنولوجية المتقدمة ليست في القمة، إلا أنها تلبي احتياجات سلاسل التصنيع المتوسطة والمنخفضة، وتؤدي دوراً أكثر دعماً في التنمية والاستهلاك العالميين. ولهذا، تلعب الصين دوراً لا غنى عنه في السلسلة الصناعية العالمية.

مستقبل غامض

ويظل السؤال هو هل ستضعف الصين بسبب جهود الولايات المتحدة لفك الارتباط معها؟

قبل أشهر، قررت إدارة الرئيس جو بايدن الاستثمار بمئات المليارات من الدولات في قطاع التكنولوجيا الفائقة على نطاق واسع. ومن شأن ذلك أن يساعد في تعزيز هيمنة الولايات المتحدة في قطاع التكنولوجيا. مع ذلك، فإن المعدات والمرافق الأساسية التي تستخدم في توفير احتياجات المستهلكين اليومية تنتج في الصين بأسعار منخفضة ويصعب التخلص منها، ما لم تكن واشنطن مصممة على إعادة بناء قاعدتها الصناعية، وهو ما لا توجد بوادر له حتى الآن.

علاوة على ذلك، تتمتع الصناعة التحويلية العالمية، وخصوصاً في شرق آسيا، بعلاقة وثيقة مع التصنيع في الصين. فهاتف "آي فون" على سبيل المثال، يجري تطويره وتصميمه في الولايات المتحدة، لكن توفير مكوناته يتم من قبل أكثر من 100 مورد حول العالم، ويتم تجميعها في الصين، ولا توجد طريقة ممكنة في المستقبل القريب لفصل هذه الدول عن الصين بناءً على طلب الولايات المتحدة.

ويرى الصينيون أنه ينبغي عدم تجاهل معايير أخرى مهمة، منها أن الصين ستتفوق على الولايات المتحدة كأكبر مستهلك في العالم خلال السنوات الخمس المقبلة. وتعد سوق الأسهم الصينية الآن في المرتبة الثانية في العالم بعد الولايات المتحدة، بأعلى قيمة سوقية للأسهم، مع إمكانات نمو هائلة. لهذا، فإن من شأن انفصال الولايات المتحدة عن الصين أن يقسم العالم، وربما يؤدي إلى مستقبل غامض إن لم يكن مضطرباً.

المزيد من تقارير