Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تراجع النفوذ الأميركي في العالم؟

تواجه واشنطن تحديات غير مسبوقة من بكين ونتيجة الهجوم الروسي على أوكرانيا

يرغب الرئيس الأميركي جو بايدن في ألا يفقد العالم تركيزه على الصين (أ ب)

إذا كان هناك أمر أثبتته المتغيرات على المسرح العالمي خلال العامين الماضيين، فهو أن كل شيء محتمل الحدوث، بما في ذلك تراجع النفوذ الأميركي عالمياً، وهي الفكرة التي باتت تُسيطر على كثير من الأحاديث داخل الولايات المتحدة وخارجها بالنظر إلى شواهد عدة تتعلق بالركائز الأربع للنفوذ الأميركي حول العالم، حيث القوة العسكرية والاقتصادية والهيمنة على قطاع تكنولوجيا المعلومات، جنباً إلى جنب مع المساعدات المالية الدولية، سواء للدول أو عبر المنظمات الدولية.

بدأ الحديث عن أفول نجم الولايات المتحدة كقوة عظمى مؤثرة عالمياً، يتخذ زخماً مع انتشار جائحة كورونا (كوفيد-19)، إذ تعاملت واشنطن وغيرها من القوى الدولية بنهج أحادي منعزل، من خلال الابتعاد عن بعضها بعضاً بدلاً من اتخاذ خطوات لمعالجة الأزمة معاً. وتجلى ذلك في عملية توزيع اللقاحات المضادة لفيروس كورونا، إذ انتقدت منظمة الصحة العالمية مراراً عدم المساواة "المعيب" في توزيع اللقاحات عالمياً. وجاء المشهد الدرامي للانسحاب الأميركي من أفغانستان، صيف العام الماضي، ليفتح الباب واسعاً أمام ضجيج من الأحاديث التي تنبئ بتراجع القيادة الأميركية على الساحة العالمية، في وقت يتحدث فيه العالم حول فراغ القيادة الدولية، وأفول العالم أحادي القطب الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الثانية في أربعينيات القرن الماضي.

فآلاف الصور التي ملأت وسائل الإعلام الدولية لأفغان يهرعون للفرار من عناصر حركة "طالبان"، التي عادت للاستيلاء على بلادهم، وهرولتهم للتعلق بطائرات الإجلاء الأميركية وسقوط البعض منها مثل الورق المنثور في الهواء، ما بعث تأكيداً لا شعورياً بأن الولايات المتحدة لم تعد تلك القوة التي لطالما عرفها العالم كقوة مدافعة عن الضعفاء، بل إن قوتها العسكرية التي تبلغ قيمتها تريليونات الدولارات، لم تتمكن من الفوز في حرب ضد مجموعة من الميليشيات في أفغانستان بعد صراع استمر عقدين من الزمان.

الدولار سلاح أميركا الأقوى

وبعد بضعة أشهر من ذلك المشهد المأساوي في أفغانستان، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام تحدٍّ هو الأصعب منذ عقود. فالحرب الروسية في أوكرانيا أظهرت مزيجاً من التحديات لمناطق النفوذ الأميركي، ناهيك عما تحمله من تهديد بحرب عالمية ثالثة. ففي حين تمتلك الولايات المتحدة أقوى جيش في العالم، يظل الدولار هو أعظم أسلحتها، لكن الأشهر القليلة الماضية حملت توقعات ليست سارة بالنسبة إلى السلاح الأميركي الأقوى. فبعد قرابة 80 عاماً من هيمنة الدولار، قد تكون الولايات المتحدة في خطر فقدان مكانة عملتها الاحتياطية العالمية.

وبحسب شبكة "سي أن أن "، الأميركية، فإن نحو 60 في المئة من احتياطيات العملات العالمية البالغة 12.8 تريليون دولار محتفظ بها حالياً بالدولار، مما يمنح الولايات المتحدة امتيازاً كبيراً على البلدان الأخرى، ليس على مستوى المنافسة الاقتصادية فحسب، بل استخدام الدولار كسلاح عقوبات أيضاً، إذ يمكن لواشنطن حرمان البنوك المركزية في دول أخرى من الوصول إلى الدولار، مما يؤدي إلى عزل واستنزاف اقتصادات تلك الدول، وهو ما فعلته لعقاب روسيا على حرب أوكرانيا. وهي القوة التي يصفها راغورام راجان، المحافظ السابق للبنك الاحتياطي الهندي، بـ"السلاح الاقتصادي للدمار الشامل".

وجمدت واشنطن ما قيمته 630 مليار دولار من احتياطيات النقد الأجنبي لموسكو وقوضت بشدة قيمة الروبل، مما منح االولايات المتحدة القدرة على معاقبة روسيا من دون إشراك القوات الأميركية في الحرب، لكن الأمر ليس من دون عواقب، إذ إن استخدام واشنطن هذا السلاح بقوة ضد موسكو، أثار القلق لدى دول أخرى ذهبت لتأمين وضعها من مصير روسيا من خلال تنويع سلة عملاتها بعيداً من الدولار. وقال مايكل هارتنيت من "بنك أوف أميركا"، إن تسليح الدولار قد يؤدي إلى إضعافه، مضيفاً أن "بلقنة (تجزّؤ) الأنظمة المالية العالمية" يقوض دور أميركا في مجال العملات الاحتياطية.

وفي مطلع أبريل (نيسان) الماضي، كشفت ورقة بحثية أعدها صندوق النقد الدولي أن حصة الدولار من الاحتياطيات الدولية مرت بتراجع على مدار العقدين الماضيين، في الوقت نفسه تقريباً الذي بدأت فيه الولايات المتحدة حربها على الإرهاب وعقوباتها على دول وكيانات عدة بشأن الإرهاب. ومنذ ذلك الحين، تحولت كتلة من الاحتياطيات من الدولار إلى اليوان الصيني وعملات البلدان الأصغر. وحذر مؤلفو الدراسة من أن هذه "الملاحظات تقدم تلميحات حول كيفية تطور النظام الدولي في المستقبل".

مع ذلك، يستبعد مراقبون أن يخسر الدولار نفوذه العالمي، ذلك لأن البدائل ليست جيدة بالقدر الكافي، بينما لا تزال الولايات المتحدة جذابة لبقية العالم. ففي حين سعت الصين منذ سنوات لتقديم اليوان كبديل، فإنه يستحوذ على 3 في المئة فقط من المعاملات العالمية مقارنة بـ40 في المئة للدولار. فسوق الأسهم الأميركية هي السوق الأكبر للأوراق المالية وأكثرها سيولة في العالم. ووفقاً لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، نمت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي بنسبة 77 في المئة إلى ما يقدر بـ1.65 تريليون دولار في عام 2021، في حين ارتفع الاستثمار في الولايات المتحدة بنسبة 114 في المئة إلى 323 مليار دولار.

الصين معضلة اقتصادية لأميركا

مع ذلك، يشكل الصعود الاقتصادي للصين تحدياً قوياً للولايات المتحدة، بل إن الأولى تستفيد من حرب أوكرانيا لجذب مزيد من الدول إلى مجال نفوذها الاقتصادي. فبعد عزل روسيا من النظام الاقتصادي العالمي، من خلال حظرها من نظام "سويفت" المصرفي الدولي، وجدت موسكو ملاذاً في الصين التي ساعدت على توفير دعائم للاقتصاد الروسي في ظل حملة العقوبات الدولية. وهو ما يظهر بشكل واضح في قدرة العملة الروسية على استعادة عافيتها إلى مستويات ما قبل الحرب، فضلاً عن توفير نظام بديل لـ"سويفت".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتقول مجلة "ميتشغان ديلي"، التي تصدر عن جامعة ميتشغان في الولايات المتحدة، إنه في ظل تزايد احتمال نشوب صراعات مستقبلية في أوروبا وآسيا وتناقص عدد الدول الديمقراطية، تواجه الولايات المتحدة صعوبة كبيرة في تحمل تحالف أوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا مع النظام الصيني. وعلى الرغم من أن واشنطن تحتفظ بعلاقات قوية مع حلفائها في منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فإن عديداً منهم، وخصوصاً في أوروبا الغربية، عانوا ركوداً مماثلاً لما هو في الولايات المتحدة.

وتوقعت المجلة أن تستغل الصين سريعاً الضعف الغربي لتجاوز الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمى في العالم. ومن ثم تحذر من الانسحاب العسكري الأميركي الواسع من مناطق عدة. وتؤكد ضرورة اتخاذ خطوات جريئة لتعزيز القوة الأميركية، بما في ذلك مضاعفة العلاقات التجارية مع دول مثل الهند وإندونيسيا، التي تمتلك موارد بشرية تضاهي الفوائد التي تحصل عليها أميركا من التجارة مع الصين، إضافة إلى الدول الآسيوية، يجب أن تعمل واشنطن على مواجهة استثمارات الصين الضخمة في أفريقيا من خلال الاستثمار بكثافة في تنمية الحلفاء في أميركا الجنوبية، الذين يتمتع عديد منهم بإمكانات نمو مماثلة. وتقول المجلة إنه "من خلال تعزيز التجارة التي تتم بالدولار، لدينا فرصة ليس لتحسين اقتصادنا فحسب، إنما حماية مكانتنا كعملة احتياطية أيضاً".

المنافسة التكنولوجية

كما أن المنافسة التكنولوجيا واحدة من الدعائم الأساسية للقوة العالمية، وإذا  كانت الولايات المتحدة تحظى بوادي السيليكون، حيث مقر كبرى شركات التكنولوجيا في العالم، إلا أن الصين حددت بوضوح القيادة التكنولوجية على أنها مفتاح القوة الوطنية. وفي سعي بكين لبناء قاعدتها التكنولوجية، تسعى إلى تطوير قدرات وطنية مستقلة يمكنها السيطرة عليها، من خلال الحصول على التكنولوجيا التي تفتقر إليها عبر مصادر أجنبية، في محاولة لإعادة التوازن العام للقوة العالمية.

ويقول جيمس أندرو لويس، مدير برنامج التقنيات الاستراتيجية لدى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، إن التأثير طويل المدى للتكنولوجيا في تشكيل المنافسة العالمية يتمثل في دورها في نشر القوة بين الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية. فالبلدان التي لديها قدرة أكبر على استغلال التطورات التكنولوجية التجارية ستحقق أداءً أفضل نسبياً في مجال الأعمال والقوة العسكرية.

المساعدات الخارجية والبنية التحتية

تركز الصين على ترسيخ نفوذ اقتصادي عالمي يناطح الهيمنة الأميركية على منظمات الأمم المتحدة المتخصصة مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. فمن خلال مبادرة الحزام والطريق، تعمل بكين على توفير التمويل لمشروعات بنية تحتية عملاقة تربط آسيا وأفريقيا وأوروبا، عبر بنك الاستثمار الآسيوي للبنية التحتية. وقد أسست منظمة "شنغهاى للتعاون"، التي تضم مجموعة من ثمانية أعضاء بينهم روسيا وباكستان، واستأجرت أو اشترت عدداً من الموانئ البحرية في جميع أنحاء العالم من أجل ترسيخ مكانتها. وبدأ عدد من الدول الحليفة للولايات المتحدة، مثل الدول الأوروبية وإسرائيل، في الارتباط بمشروعات كبرى وتوسيع علاقاتها مع الصين. وبالنسبة إلى عدد من الدول الأفريقية والشرق أوسطية، فإن الصين من أقرب شركائها الاقتصاديين.

مع ذلك، يرفض ديفيد دي روش، كبير الباحثين لدى المجلس الوطني للعلاقات العربية - الأميركية في واشنطن، والأستاذ لدى مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجية، في حديثه لـ"اندبندنت عربية" فكرة تراجع القيادة الأميركية. ويشير إلى أنه أثناء الحرب الباردة، قامت الكتلتان المتنافستان بإنفاق كثير في المساعدات الخارجية والعسكرية في محاولة لكسب النفوذ في الدول الصغيرة والمتوسطة، "فعلى سبيل المثال، لولا الحرب الباردة، لما تم بناء السد العالي في أسوان!".

ويضيف أنه في حين تبرز الصين كلاعب مهم في البناء والتنمية في الخارج، بخاصة في أفريقيا، إلا أن مشروعاتها تختلف بشكل كبير عن نموذج الحرب الباردة القديم. ويوضح أن المشروعات الصينية في الخارج تهدف بشكل عام إلى خدمة أهداف محددة وإعادة الربح إلى الصين، وفي بعض الحالات يتم البناء بأيادي العمال الصينيين أنفسهم، الذين يبقون بعد الانتهاء من المشروع. ومن ثم فإن هذا النوع من الربح يحد من التأثير الصيني في الخارج.

ويقول دي روش إنه على الرغم من حقيقة أن الصين وروسيا انتهازيتان وتسعدان دائماً بالاستفادة من أي ثغرات أو ضعف لدى الولايات المتحدة، وأن إيران تطمح إلى أن تكون القوة المهيمنة في الشرق الأوسط، لكن تظل الحقيقة أن الولايات المتحدة لا تزال القوة الحيوية والبلد الوحيد الذي يتطلع إليه الجميع باعتباره الضامن الأمني. ويضيف أنه بينما يطمح الآخرون إلى التحرك إقليمياً وتعكير صفو المياه في مناطق أبعد، لا تزال قدرات الولايات المتحدة منقطعة النظير.

وفي ورقة بحثية نشرتها جامعة أريزونا، الأميركية، تحت عنوان "الولايات المتحدة تخسر الحرب الباردة حول النفوذ العالمي" ناقشت التنافس بين الديمقراطية ممثلة في الولايات المتحدة والاستبداد الممثل في الصين وروسيا، حول النفوذ العالمي. وخلص مؤلف الورقة سيمون لي، إلى أنه في حين يوجد عدد من الخيارات التي يمكن للولايات المتحدة اتباعها في مواجهة الصعود المتنامي للصين، إلا أن واحدة من تلك الأكثر فاعلية هي تعزيز حقوق الإنسان والدفاع عنها عبر سياستها الخارجية، لتظل "منارة الأمل" لبقية العالم في ما يتعلق بهذه القضية، ذلك جنباً إلى جنب مع العمل على أجندة تغير المناخ والتجارة الاقتصادية وتعزيز الشراكة عبر المحيط الهادي مع إنشاء وإدامة العلاقات التجارية العادلة مع منظمات مثل الاتحاد الأفريقي والمجموعة الكاريبية. ويقترح دمج المعايير الخاصة بالبنية التحتية في خطة التمويل الدولية للمناخ.

وأخيراً، منحت الولايات المتحدة أولوية متزايدة للشراكة مع الحلفاء في منطقة المحيطين الهادي والهندي، من خلال تحالفات مثل "كواد" الذي يضم الولايات المتحدة واليابان والهند وأستراليا، وتحالف "أوكوس" الأمني الذي يضم كلاً من وبريطانيا وأستراليا مع الولايات المتحدة. ليس ذلك فحسب، فبينما لا تزال إدارته منشغلة بالهجوم الروسي على أوكرانيا، يرغب الرئيس الأميركي جو بايدن في ألا يفقد العالم تركيزه على الصين والأهمية الجيوسياسية لمنطقة المحيطين الهندي والهادي باعتبارها أهم عامل محدد للسياسة والاقتصاد العالميين في الوقت الحاضر. ففي 12 مايو (أيار) الحالي، استضاف في البيت الأبيض للمرة الأولى منذ 45 عاماً، قادة رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) المكونة من 10 أعضاء، وتعهد بايدن إنفاق 150 مليون دولار على البنية ​​التحتية لدول جنوب شرقي آسيا وأمنهم والتأهب للأوبئة، وجهود أخرى.

المزيد من تقارير