Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تونس تعتمد خطة إصلاح اقتصادي تشمل رفع الدعم عن المحروقات والكهرباء

نحو تمكين الأسر من تحويلات مالية شهرية تعوض اعتماد الأسعار الحقيقية للمواد الأساسية

يشمل برنامج الحكومة التونسية التقويمي جملة من الإصلاحات الهيكلية تشمل رفع الدعم عن المواد الأساسية تدريجياً (رئاسة الحكومة التونسية)

كشفت الحكومة التونسية الثلاثاء 7 يونيو (حزيران) في مؤتمر صحافي كبير حضره 13 وزيراً من حكومة نجلاء بودن عن برنامج وطني للإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية يرنو إلى تركيز مقومات نمو إدماجي ومستدام والخروج من أزمة اقتصادية ومالية حالكة.

 وتسعى حكومة نجلاء بودن التي تسلمت مقاليد السلطة التنفيذية في أكتوبر (تشرين الأول) 2021 إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي على المدى القصير، ووضع أسس نمو إدماجي ومستدام في أفق عام 2035.

ورسمت أهدافاً في هذا السياق تعلقت باستعادة الثقة واستحثاث نسق الاستثمار الخاص ومساندة النشاط الاقتصادي، فضلاً عن تكريس نجاعة الإدارة والمؤسسات العمومية خدمة للمواطن وللاقتصاد وتحقيق تنمية اجتماعية واقتصاد قادر على مواجهة الصدمات.

ولئن حققت تونس خلال الأشهر الثلاثة الأولى نمواً اقتصادياً بلغ 2.4 في المئة، فإن ذلك غير قادر وفق المتخصصين على إخراج البلاد من أزمتها الاقتصادية الخانقة، وتوفير مواطن شغل والتقليص من البطالة التي بلغت 16.1 في المئة مع أواخر مارس (آذار) 2022.

ويشمل البرنامج الإصلاحي الوطني للحكومة جملة من الإصلاحات الهيكلية والعميقة، تشمل رفع الدعم عن المواد الأساسية تدريجياً، وإلغاء دعم المحروقات والغاز والكهرباء في أفق سنة 2026، مع إقرار تحويلات مالية للأسر التونسية وبخاصة منها الفقيرة كي لا تتأثر بإلغاء الدعم.

وترنو حكومة بودن عبر البرنامج الوطني للإصلاحات الذي تم الإفصاح عن مجمل تفاصيله الثلاثاء، إلى العمل على تحسين مناخ الأعمال وتطويره وإرساء العدالة الضريبية وتعزيز صلابة الجهاز المصرفي التونسي، ضمن رؤية إصلاحية شاملة تُعبد الطريق لرسم الخطة الإنمائية والاستشرافية بحلول عام 2035.

وتمر تونس بأسوأ أزمة اقتصادية ومالية في تاريخها تهدد إجهاض الانتقال الديمقراطي الذي تمر به البلاد، في ظل أزمة سياسية عاصفة أدخلت تونس في انسداد سياسي لم تعرفه من قبل.

مسار تشاركي للبرنامج

وأكدت رئيسة الحكومة نجلاء بودن في كلمة لها عبر الصفحة الرسمية لرئاسة الحكومة في "فيسبوك" لمناسبة تقديمها البرنامج الوطني الإصلاحي أمام أعضاء حكومتها، أنه برنامج سهر على إنجازه عديد من الخبراء وأكثر من 400 إطار من أفضل إطارات الدولة ومختلف الوزارات المتدخلة.

وأفادت أنه تم وضع "البرنامج بالتشاور والاتفاق مع الجميع في إطار مسار تشاركي وهو ثمرة عمل انطلق منذ شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 وعمل عليه الجميع بنسق ماراطوني، من أجل الوصول إلى برنامج قابل للتنفيذ على أرض الواقع، وقادر على إخراج تونس من الأزمة الاقتصادية والمالية، التي تعيشها".

وبينت أن الباب يبقى مفتوحاً أمام الجميع من أجل تقديم ملاحظاتهم واستفساراتهم حول بعض النقاط الواردة في برنامج الإصلاحات المقترحة، التي تبقى تونسية - تونسية"، وفق رأيها.

وتلقى إصلاحات حكومة نجلاء بودن معارضة شديدة من الاتحاد العام التونسي للشغل (المنظمة النقابية القوية)، متهماً الحكومة الحالية بأن الإصلاحات المزمع تطبيقها ستضر بالتونسيين بخاصة عند الرفع التدريجي لدعم المحروقات والكهرباء، والتفويت في الشركات الحكومية عبر مدخل الإصلاح.

كما يتهم اتحاد الشغل الحكومة بأن هذا البرنامج ما هو إلا إرضاء لتعليمات صندوق النقد الدولي، لكي يوافق على منح تونس قرضاً مالياً بقيمة أربعة مليارات دولار، والسماح لتونس بالخروج على الأسواق المالية العالمية للاقتراض، لمواصلة تمويل الموازنة التي تلقى الحكومة صعوبات كبيرة في توفير الموارد المالية الضرورية لها.

تمشٍّ تدريجي لتحريك الأسعار بداية من 2023

ترنو الحكومة ضمن البرنامج الوطني للإصلاحات إلى إرساء منظومة جديدة لتوجيه الدعم نحو مستحقيه واعتماد تمشٍّ تدريجي لتحريك الأسعار على مدى أربع سنوات، انطلاقاً من سنة 2023، مع إقرار المراجعة التدريجية لأسعار قوارير الغاز المسال المعدة للاستهلاك المنزلي بداية 2023.

وكشفت الحكومة عن هذا التوجه، في إطار برنامج وطني رسمت خلاله الخطوط العريضة لإصلاح منظومة دعم المواد الأساسية، بخاصة أن الأزمة الروسية - الأوكرانية أسهمت في زيادة مخصصات الدعم.

وبينت الحكومة في إطار سعيها لتطوير أداء وكفاءة القطاع العمومي أنه سيتم اعتماد مبدأ التسجيل التلقائي لتمكين كل العائلات من التمتع بالتحويلات المالية، إلى جانب توعية المواطن بضرورة ومزايا الانتقال إلى المنظومة الجديدة، بما يمكن من التصدي لممارسات الاحتكار والمضاربة والتهريب.

 وأعلنت أنه سيتم صرف منح مالية مباشرة لفائدة المستفيدين قبل الانطلاق في تنفيذ برنامج التعديل التدريجي للأسعار وضبط مبلغ التحويلات المالية، بما يعادل قيمة الزيادة في الأسعار، لدعم القدرة الشرائية للمواطن.

 وتخطط الحكومة التونسية، في إطار ترشيد الدعم في قطاع المحروقات إلى الوصول إلى الأسعار الحقيقية لأسعار قوارير الغاز المسال المعد للاستهلاك بحلول سنة 2026، مع اعتماد إجراءات مساندة من خلال برنامج التحويلات المالية الذي سيتم وضعه ضمن إصلاح منظومة المواد الأساسية.

وينص البرنامج على التعديل التدريجي لأسعار الكهرباء والغاز مع مراعاة الفئات الضعيفة وإعداد الإجراءات المرافقة وبخاصة برامج الانتقال الطاقي.

وعزت الحكومة هذه الإجراءات إلى الصعوبات الإضافية الناجمة من الأزمة الروسية - الأوكرانية التي تجلت من خلال ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية، بمعدل 104 دولارات للبرميل إلى نهاية مايو (أيار) 2022، مقارنة بفرضية مرسمة بقانون المالية بـ75 دولاراً للبرميل.

وقامت الحكومة إلى حد الآن، وفي ما يهم إصلاح منظومة دعم المحروقات وبالتوازي مع التسريع في الانتقال الطاقي، بتطبيق التعديل الآلي الشهري لأسعار المواد البترولية، وإقرار تعديل جزئي لأسعار الكهرباء والغاز.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المراهنة على الطاقات المتجددة

تراهن تونس ضمن برامجها الإصلاحية على قطاع الطاقات المتجددة بتسريع إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة لبلوغ 35 في المئة سنة 2030، وتركيز مشروع نموذجي لإنتاج الهيدروجين الأخضر وإعادة هيكلة منظومة النفايات الصلبة.

وستعمل الحكومة في هذا الإطار على تطوير إنتاج الهيدروجين الأخضر، من خلال وضع إطار تشريعي ملائم لتطوير إنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته للسوق المحلية والتصدير، فضلاً عن تطوير الإطار التشريعي وتفعيل تدخلات صندوق الانتقال الطاقي ودعمه.

وهي تخطط لتطوير المنظومة التشريعية في مجال إنتاج الكهرباء والاتجاه نحو رقمنة القطاع وتبسيط الإجراءات من خلال بعث هيئة تعديلية، ونشر برنامج إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة 2022-2025 لتوضيح الرؤية للمستثمرين.

كما تسعى إلى وضع برنامج شامل لتأهيل المنظومة الكهربائية من خلال إدماج الخزن الكهربائي، وتفعيل الربط الكهربائي مع دول الجوار، وتسريع مشروع الربط الكهربائي مع أوروبا عبر إيطاليا.

وستعمل الحكومة على تشجيع التنقل الكهربائي من خلال وضع إطار تحفيزي وتشريعي ملائم لإدماج السيارات الكهربائية ووضع آليات لتشجيع الشحن الكهربائي عن طريق الطاقات المتجددة.

التدقيق في وضعية الشركات الحكومية

تستعد الحكومة لضبط قائمة الشركات الحكومية (عددها يفوق 205 شركات) الاستراتيجية وتدقيق وضعية هذه الشركات، من خلال توظيف مكاتب تدقيق خارجية وإعداد برنامج لتسوية ديونها مع الدولة وتصفية الديون المتقاطعة حسب القطاع.

وكشف البرنامج الإصلاحي المعتمد في هذا الإطار عن أنه سيتم بلورة رؤية استراتيجية لدور الدولة في هذه الشركات، وأنه سيتم إعداد برامج إعادة هيكلة المؤسسات العمومية إلى جانب تحسين الحوكمة من خلال مراجعة الإطار القانوني والتنظيمي (هيكل للمساهمات وعقود الأداء والشفافية والمساءلة...).

وتجابه الشركات الحكومية في تونس صعوبات عدة أدت إلى تدهور وضعيتها المالية بفعل ارتفاع الأسعار العالمية للمواد الأساسية والمحروقات بفعل الأزمة الروسية – الأوكرانية، وقد أثرت الأزمة في شركات النقل الجوي والبحري، نظراً إلى أهمية السوق الروسية إلى جانب تفاقم صعوبات التمويل.

وبحسب تقارير رسمية تونسية تبلغ خسائر الشركات الحكومية متراكمة قيمة أربعة مليارات دولار، مما يهدد عدداً كبيراً منها بالإفلاس والانهيار الكلي.

وبالتزامن مع إعلان الحكومة عن الخطة الإصلاحية للشركات الحكومية، أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل عن تنفيذ إضراب عام في الوزارات والشركات الحكومية (159 شركة) يوم 16 يونيو 2022 من أجل المطالبة بعدم التفويت فيها وإقرار زيادة في أجور الموظفين.

العمل على معالجة مديونية البنوك

تخطط الحكومة، وفق ما ورد في محور دعم صلابة القطاع المالي ضمن البرنامج الوطني للإصلاحات، لحل إشكالية مديونية القطاع البنكي، عبر مراجعة القانون المتعلق بشركات استخلاص الديون البنكية، وإحداث محاكم متخصصة في النزاعات التجارية وتكوين قضاة متخصصين في المجالين البنكي والمالي.

كما ستعمل على مواصلة الإصلاحات قصد الملاءمة مع المعايير الدولية بالنسبة إلى السوق المالية، من خلال مراجعة القانون المتعلق بإعادة تنظيم السوق المالية في اتجاه تحديث الإطار التشريعي وتدعيم مهام السلطة الرقابية لأسواق رأس المال وتحسين جاذبية السوق المالية.

وتسعى، أيضاً، إلى مساندة تطور المؤسسات وتحسين النفاذ إلى التمويل بالنسبة إلى المؤسسات الصغرى والمتوسطة، مع تحسين عرض الخدمات المالية بدعم النفاذ، واستعمال المنتجات والخدمات المالية عبر توسيع مجال تدخل مؤسسات التمويل الصغير ودعم حماية مستهلكي الخدمات المالية.

ويتمثل الهدف المنشود، كذلك، في إرساء منظومة ناجعة لقياسة مستوى الإدماج المالي من خلال تطوير قاعدة بيانات شاملة في هذا الخصوص.

وستقوم الحكومة بتطوير الجانب التشريعي والترتيبي لمزيد من تأطير أنشطة إسداء خدمات الدفع الإلكتروني والتصرف في أنظمة الدفع والمقاصة، وذلك من خلال تعزيز رقمنة الدفوعات الحكومية بصياغة منظومة متكاملة ومجمعة لرقمنة مختلف الدفوعات الحكومية.

سعي لإرساء نظام ضريبي عادل وشفاف

لا يزال ملف تكريس العدالة الضريبية في تونس يثير الجدل الاقتصادي والسياسي بفشل الحكومات المتعاقبة في تحقيق العدالة الضريبية، وفي هذا نص البرنامج الوطني للإصلاحات الذي ترنو حكومة نجلاء بودن على تنزيله على أرض الواقع، على تحقيق هدفين رئيسين يتمثلان في تحسين قدرة الدولة على تحصيل المداخيل الضريبية ودعم الموازنة وإرساء نظام ضريبي عادل وشفاف.

ويتركز الجانب الأول لبرنامج الإصلاح الشامل للمنظومة الضريبية على تحسين قدرة الدولة على تحصيل المداخيل الضريبية، ودعم الموازنة من دون إثقال كاهل الفاعلين الاقتصاديين.

وسيترجم ذلك، حسب رؤية الحكومة، بخاصة من خلال تحسين الاستخلاص وتوفير الموارد ومقاومة التهرب الضريبي والاقتصاد الموازي، علاوة على مراجعة ضريبة مداخيل رأس المال ومواصلة توسيع قاعدة الأداء وترشيد الامتيازات الضريبية.

كما تتطلع الحكومة في هذا الجانب إلى رقمنة إدارة الضريبة وتيسير الخدمات للمطالبين بالأداء ودعم الشفافية عبر تفعيل التبادل الإلكتروني مع المطالبين بالأداء وتحسين الخدمات الإدارية وإبرام اتفاقات تبادل المعلومات مع مختلف الهياكل الحكومية، والترفيع في عدد المنخرطين ضمن منظومة التصريح ودفع الأداء من بعد وتوسيع ميدان تطبيقها.

وترنو الحكومة التونسية من خلال الجانب الثاني، المتعلق بتكريس نظام ضريبي عادل وشفاف إلى المساهمة في دفع الاستثمار الخاص ودعم الاقتصاد بما يضمن رؤية أفضل لمختلف الفاعلين الاقتصاديين على المديين المتوسط والطويل، ويضمن حقوقهم ويحد من الفوارق الضريبية.

وترى الحكومة أن تجسيم هدف تكريس العدالة الضريبية ودعم الشفافية يكون من خلال التوزيع العادل للعبء الضريبي للأشخاص الطبيعيين، والتوحيد التدريجي لنسب الضريبة على الشركات.

يذكر أن قيمة الديون الضريبية المستخلصة إلى أواخر مايو 2022 بلغت 920 مليون دينار (306 ملايين دولار).

برنامج صعب التنفيذ

وتعليقاً على هذا البرنامج الإصلاحي الشامل قال آرام بلحاج أستاذ الاقتصاد في الجامعة التونسية، إنه من الصعب أو من المستحيل تنزيل هذا البرنامج على أرض الواقع.

وفسر ذلك بأن البرنامج الوطني للإصلاحات التي وصفها بالهيكلية الذي قدمته حكومة نجلاء بودن لصندوق النقد الدولي لا يختلف كثيراً عن البرنامج الذي سبقه، والذي قدمته حكومة هشام المشيشي (المقال من مهامه يوم 25 يوليو "تموز" 2021) للصندوق من قبل.

ومضى يقول "الجديد ربما هو صعوبة (إن لم نقل استحالة) تطبيق هذا البرنامج، في ظل وجود ظرف عالمي دقيق يتميز بالضبابية وعدم الاستقرار، بخاصة مع الحرب الروسية الأوكرانية والارتفاع المخيف لنسب التضخم (7.8 في المئة في شهر مايو 2022 والمراجعة الدورية لنسب النمو".

وأضاف بلحاج أن رئيس الجمهورية قيس سعيد "غير واعٍ بدقة المرحلة وبضرورة إعطاء الأولوية المطلقة للمسائل الاقتصادية الحارقة"، لافتاً إلى عدم استعداد جزء لا بأس به من التونسيين لتقديم تضحيات إضافية، خصوصاً بعد تدهور المقدرة الشرائية وتآكل الطبقة المتوسطة.

ولم يفوت المتحدث المجال للتذكير بغياب التوافق مع الأطراف المعنية بعملية الإصلاح، بخاصة الشريك الاجتماعي، الاتحاد العام التونسي للشغل.

في المحصلة لئن تطمح حكومة نجلاء بودن إلى الحرص على تنزيل مجمل إجراءات البرنامج الوطني للإصلاحات على أرض الواقع، لا سيما في ما يهم التحريك التدريجي والدوري للأسعار ورفع الدعم والانتقال إلى حقيقة الأسعار العالمية، فإن ذلك قد يؤدي إلى انفجار اجتماعي في البلاد، وفق ما حذر عدد من المتخصصين يضاف إلى أزمة سياسية خانقة تعيد البلاد إلى مربع الاضطرابات التي تلت 2010.

اقرأ المزيد