Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"طالبان" بين التكوين الأفغاني المعقد والنزاعات الأهلية المتوالية

قراءة في 40 عاماً من التاريخ الحديث منذ الغزو السوفياتي حتى الاحتلال الأميركي وما بعده

نسوة أفغانيات في ظل حكم طالبان (أ ف ب)

يستعرض كتاب "من طالبان إلى طالبان: مشاهدات عامل إغاثة في أفغانستان" (دار المرايا) للصحافي الناشط في مجالات الإغاثة الأممية خالد منصور، تاريخ أفغانستان من خلال مشاهداته التي راقب عبرها هذا البلد عن كثب وطاف به على مدى يزيد على ثلاث سنوات، أثناء حكم "طالبان" وبعده، ثم استمر في دراستها أعواماً عدة في ما بعد، وصولاً إلى عودة "طالبان" مجدداً إلى الحكم في الوقت الراهن. ويركز الكتاب على الأربعين عاماً الأخيرة في تاريخ أفغانستان، منذ الغزو السوفياتي، ثم سنوات الجهاد ونشأة "طالبان"، ثم الاحتلال الأميركي وإسقاط "طالبان" حتى عودتها مرة أخرى في 2021. وغالباً ما أثر التكوين القبلي المعقد في أفغانستان وتتابع النزاعات الأهلية والتدخلات الخارجية من بريطانيا وروسيا وباكستان والولايات المتحدة وغيرها، على إمكانية إنتاج عمل يوضح فعلاً جذور الأوضاع السياسية والاجتماعية الراهنة في هذا البلد، بحسب المؤلف الذي عمل ثلاثين عاماً في مجالات الصحافة والإعلام وحقوق الإنسان في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط والولايات المتحدة الأميركية. عمل خالد منصور، المصري المولد، أيضاً مراسلاً في جنوب أفريقيا عامي 1994 و1995، وعمل متحدثاً باسم الأمم المتحدة في أفغانستان في 2001، وفي العراق عام 2008، وفي لبنان في 2006، وفي السودان في العامين السابقين على انفصال الجنوب في 2011.

النشأة والتطور

يسعى الكتاب إلى تقديم لمحة عن أفغانستان منذ نشأة الدولة هناك في منتصف القرن الثامن عشر، لتوضيح ملابسات نشأة وتطور حركة "طالبان" وما سبقها من فصائل "الجهاد" وما تلاها من سنوات احتلال أميركي حتى تبوأت "طالبان" السلطة مرة أخرى. ويمزج الكتاب كل هذا مع مشاهدات المؤلف ورحلاته في أنحاء أفغانستان ليقدم مقتطفات من الحياة اليومية وتركيبة المجتمع الأفغاني المعقدة أصلاً، والتي ازدادت تعقيداً خلال عقود من الحرب والاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية والعرقية والتدخلات الأجنبية.

وكما ورد في متن الكتاب فإنه في الثمانينيات كان الخطاب السائد عن أفغانستان باستثناء بعض الكتابات الأكاديمية الرصينة، يصور "المجاهدين" إما على أنهم عودة إلى عصر ذهبي لإسلام قادر وقوي، وإما على أنهم ميليشيات مدافعة عن أرضها في وجه طغيان نظام حكم شيوعي قمعي مستند إلى دعم "إمبراطورية السوفيات الشريرة". هناك بعض الحق في هذا الخطاب– يقول خالد منصور- ولكنه قاصر. عشرات الكتب والمقالات تنتمي إلى هذا الخطاب وصار أفضل استعمال لها الآن، بحسب المؤلف، هو إعادة تدوير ورقها لصنع كراسات للأطفال! يعترف روب شولتز مثلاً في بداية كتابه الصادر عام 1992 أن حياته الشخصية كانت تمر بمنعطف صعب عندما قرر أن يرحل عن بلاده ليغطي الحرب في أفغانستان. يصف شولتز المجاهدين بلغة أسطورية كأنما يصف محاربي الفايكنغ. وعلى الرغم من أنه كتاب عما حدث في الثمانينيات من مواجهات بين جماعات الجهاد والجيش السوفياتي، فإنه لا يتحدث إلا لماماً عن هذا العدو أو عن الأفغان الذين قرروا العيش، بل والتعاون مع النظام "العميل". ويكرر ذلك الكتاب بحسب تعبير خالد منصور، "ترهات لا يمكن التقاطها سوى على المقاهي أو من الأدلاء السياحيين وما شابه". إحدى هذه "الترهات" أن أصل اسم "أفغانستان" هو "ياغستان"، وتعني "أرض المتمردين أو الذين لا يمكن حكمهم"، في حين يعتقد معظم المصادر الأكاديمية أن أفغانستان مركبة من شقين: الثاني "ستان" ويعني أرض، والأول "أفان" يشير إلى الفرسان أو مروضي الخيول.

ومنذ العصور الوسطى تماهت كلمة أفغان مع اسم قبائل الباشتون التي سرعان ما سيطرت على البلاد لتسحب اسمها عليها كلها. وظهرت كلمة أفغانستان للمرة الأولى في كتاب لمؤرخ عربي مجهول صدر في 982 ميلادية وهو كتاب "حدود العالم من المشرق إلى المغرب". ولا يتورع كاتب آخر يدعى إريك مرغليوس- يقول خالد منصور- عن القول بعد أن التقى عضو زعماء المجاهدين الأفغان، أنهم "يعانون نفس النقص الواضح في الموهبة الإنسانية كما هو الحال في المجتمعات المتخلفة"، ويسترسل مرغليوس قائلاً: "وغالباً فإن زعماء مثل هذه الأمم يفتقرون إلى العلوم السياسية والموهبة الإدارية والحنكة الاقتصادية والخبرة في إدارة الأموال وأمور الصناعة. وقد تلقى معظمهم تدريبهم كأطباء ريفيين، أو مدرسي إرساليات، أو موظفي بريد أو جنود عاديين... إنهم الطبقة العليا للفقراء والتي تصور على أنها الطبقة المتعلمة في المجتمعات ما بعد الكولونيالية المهترئة".

التدخل الاستعماري

هو محق في وصف هذه الطبقة- يقول منصور- غير أن العالم كله عاش عشرات القرون دون الطبقات المتعلمة على النسق الغربي وتمكنت حضارات وثقافات متباينة في بلدان عديدة أن تسوس أمورها عن طريق أنساق مختلفة. كما أن التدخل الاستعماري نفسه بجيوشه وفنييه وخبرائه وأمواله، مسؤول عن نشأة وتولي هذه الطبقات إلى حد كبير، بحسب ما استخلصه منصور من خبرته الطويلة في الشأن الأفغاني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مشكلة هؤلاء الكتاب – يقول خالد منصور – هي أنهم عندما يشاهدون أمراً "مختلفاً" يعتقدون أنه أمر "متخلف" عليه اللحاق بالركب المسرع لحضارة الغرب وحقوق الإنسان واقتصاد السوق، كما أنهم يظنون أن تدخلهم لا دور له في صنع هذه المأساة.

بعد أن قفزت "طالبان" إلى السلطة، وبعد شهر عسل قصير. يقول منصور، تحول المجاهدون و"طالبان" من حليف استراتيجي إلى شيطان في نظر العرب. وبعد تدفق العائدون من أفغانستان إلى الدول العربية والإسلامية ثم الأوروبية، مدفوعين بانتصارهم على الإمبراطورية السوفياتية، من أجل أن يحققوا "انتصارات" أخرى، ثم كانت هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، سبباً في قفز أفغانستان إلى مقدمة المسرح مرة أخرى، لتحتل قلب الحرب ضد الإرهاب، حتى على الرغم من انسحاب القوات الأميركية بعد عشرين عاماً من الفشل في إقامة دولة أفغانية مركزية.

الثانية ليست كالأولى

وفي خلاصة بحثه المستند إلى عمل ميداني امتد لسنوات طويلة، يرى خالد منصور أنه لن يكون لـ"طالبان" في النسخة الثانية بعد عشرين عاماً من الاختباء ثم الحشد فالقتال والانتصار، مثلما كانوا في فترتهم الأولى في نهاية القرن العشرين، فهناك اختلافات واضحة بين أسلوب عمل وحنكة القيادات التي تضم بعض الزعماء المؤسسين مثل الملا عبد الغني برادار، وإقرارهم بالحاجة إلى التعاون مع المجتمع الدولي على الأقل في ما يتعلق بمكافحة الإرهاب وعدم السماح لجماعات جهادية بالتمركز في أفغانستان. واتضح هذا كما لاحظ منصور في الحرص على بعث رسائل تطمين إلى الصينيين والأميركيين والروس، تنبئ عن عزم الحركة عدم دعم أي حركات تمرد أو جهاد مسلح الطابع في باكستان (حركة طالبان الباكستانية) أو الصين (الإيغور) أو جمهوريات آسيا الوسطى (بقايا الجهاديين في أوزبكستان ووادي فرغانة) وما وراءهم، ولكن هذا التغيير لن يمس بحسب منصور قسماً كبيراً من المبادئ والسياسات المحافظة اجتماعياً ودينياً، بخاصة في ما يمس العلاقة مع الشيعة وتطبيق مفهوم حرفي للشريعة ووضع المرأة في ما يتعلق بالتعليم والعمل والمساواة أمام القوانين. وإلى ذلك، يبدو أن "طالبان" يدركون أيضاً من خبراتهم السابقة أهمية التعامل الناجح مع التحدي الاقتصادي الذي يستحيل مواجهته فقط عن طريق تجارة المخدرات والتهريب وفتات الإعانات الخارجية.

تسييس المساعدات

ويختم منصور بملاحظته أن التحليلات والتعليقات السائدة حول صناعة المساعدات الإنسانية تتناول عدة أمور مثل فشل جهود المساعدات، أو تأخر إيصالها، أو الفساد، "ولكن المشكلة الحقيقية التي تستدعي التوصيف الدقيق والتحليل المحكم هي الطبيعة المفعمة بالسياسة لصناعة المساعدات الإنسانية التي إما يدعى أنها غير مسيسة من قبل الطوباويين والحالمين أو يدعى أنها مجرد ترس آخر في مؤامرة إمبريالية متخيلة من قبل القوميين واليساريين.

وكانت أفغانستان- يقول منصور– تجربة هائلة بالنسبة إليه في فهم طبيعة وديناميات المعاناة، إذ كان من الواضح أن النساء يعانين أكثر من الرجال، والأطفال أكثر من الكبار، والأقليات بصفة عامة أكثر من الأغلبية، وقبائل من دون أخرى، وبالطبع الفقراء من دون الأغنياء الذين حتى إذا استمروا في العيش في أفغانستان، أمراء للحرب أو تجاراً للمخدرات أو زعماء محليين، أرسلوا عائلاتهم إلى باكستان المجاورة لتعيش في أمن وسلم نسبي. وحتى داخل كل هذه الفئات وفي مخيمات النازحين واللاجئين تجد تراتبية للمعاناة، وتجد الضحايا مراتب، ومنهم من يتسبب في معاناة الآخرين ويحرمهم من حقوقهم. حتى ضربات الطبيعة لا تتوزع بمساواة تامة بين القادرين والعاجزين، فأول ضحاياها الفقراء والضعفاء الذين لا يستطيعون تأمين منازلهم وأجسادهم ضد المطر والفيضانات والزلازل والأمراض مثلما يستطيع الأغنياء.

وبعد 13 عاماً في مجال المساعدات الإنسانية والتنمية يقول خالد منصور، إنه بات يؤمن بأن التعاطف والإحساس بمأساة الآخرين ونحتها في الذاكرة هو شرط لا غنى عنه من أجل أن نتقدم جميعاً نحو حل سلمي وعادل ومستدام لمعظم مشكلات البشرية وأولها الفقر والتهميش. ويضيف أن هذا الشرط لا يغني عن النضال السياسي والاجتماعي والفكري من أجل المساواة والحقوق الأساسية، "ولكن هذه النضالات ستفتقد البوصلة وقد تضيع الهدف إذا فقدنا القدرة على التعاطف مع الآخر، وإذا  نسينا معاناة الآخرين".   

المزيد من كتب