Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سيرة جيفرسن المستعادة... مالك العبيد "المستنير" أمام محكمة القرن الحادي والعشرين

رسالة استغاثة بالعربية من عبدين مسلمين للرئيس الأميركي صاحب إعلان الاستقلال تكشف جانباً من الشخصيات المعقدة للآباء المؤسسين

توماس جيفرسن ثالث رؤساء الولايات المتحدة وأحد آبائها المؤسسين الذين يحتلون مرتبة تناظر القديسين والأولياء في ثقافات أخرى (أ ف ب)

في سابقة تاريخية عام 2007، أصبح مواطن أميركي أسود البشرة يدعى كيث أليسن أول مسلم ينتخب لعضوية الكونغرس. وقد أبى ذلك الرجل أن يكتفي بسابقة تاريخية واحدة، فربط اسمه بسابقة أخرى، فضلاً عن جدل كبير أثاره آنذاك، فقد قرر أليسن ألا يؤدي قسم الالتحاق بالمؤسسة التشريعية وهو يضع يده على الإنجيل شأن بقية زملائه المشرعين، مصراً على أن يقسم على القرآن، فأسفر قراره هذا عن كثير من الإشادة وكثير من النقد، على الرغم من أن طقس أداء القسم نفسه يمكن أن يتم بغير إنجيل أو قرآن أو أي كتاب مقدس من دون أن يؤثر ذلك في شرعية القسم أو عضوية الكونغرس.

ومعروف أن تيودور روزفلت أدى قسم توليه رئاسة الولايات المتحدة سنة 1901 وهو في عجلة من أمره إثر تلقيه نبأ اغتيال الرئيس وليم مكنيلي في بفالو، وخلال مراسم أداء القسم، التي أقيمت في بيت أحد أصدقاء روزفلت، لم يتيسر العثور على إنجيل، ومع ذلك أدى روزفلت القسم وأصبح الرئيس السادس والعشرين للولايات المتحدة وحكم لولايتين متتاليتين.

لم يشأ كيث أليسن أن يقسم على أي نسخة من القرآن، بل حدد نسخة بعينها تحتفظ بها مكتبة الكونغرس الأميركية وتعرف بـ"مصحف جيفرسن"، نسبة إلى توماس جيفرسن، ثالث الرؤساء الأميركيين. وتم لأليسن ما أراد. وعلى الرغم من أن هذه النسخة محفوظة في قسم الكتب النادرة بمكتبة الكونغرس، ولنقلها من مكانها اشتراطات وإجراءات شديدة الدقة وقايةً لها من التلف، فها هي ذي توشك أن تصبح من بروتوكولات الكونغرس المتبعة مع أعضائه المسلمين.

مجهول على باب الرئيس

في ليلة الرابع من أكتوبر عام 1807، طرق مجهول باب بيت الرئيس الأميركي توماس جيفرسن، قائلاً إنه مسافر من أرض لويزيانا، فكان اسم لويزيانا وحده كفيلاً بإثارة بعض الاهتمام لدى رجال الرئيس، إذ كانت الولايات المتحدة قد اشترت أرضها الشاسعة قبل أربع سنوات بثمن باهظ ووسط لغط كبير، ولم تكن الخرائط قد حسمت أمرها بعد من أرض أميركا، فكانت من أكثر القضايا التي تشغل ذهن الرئيس.

تقدم المسافر المجهول المدعو "إ. ناش" برسالة مؤلفة من ورقة واحدة لا يطلب فيها غير مقابلة مع الرئيس، محدداً غايته من المقابلة بأن ينقل إليه "مسألة عظيمة الأهمية"، غير مضيف أية تفاصيل. وضعت الرسالة بين يدي جيفرسن في جنح الليل فلم يدرِ منها من يكون ذلك المسافر، ولماذا عزف عن ذكر مسألته، ولم يقوَ الرئيس على تجاهل تلك الألغاز، فلم يمضِ وقت طويل على فضه إياها، وقراءته سطورها، حتى قرر أن يلبي للمسافر طلبه.

تبين أن ما وصفه ناش بالـ"مسألة عظيمة الأهمية" عبارة عن مخطوطتين، بل هما رسالتان مكتوبتان في سطور مرتبكة ملتفة جيء بهما إلى جيفرسن من أغوار الداخل الأميركي. والمدهش أن تينك الصفحتين اللتين أمسك بهما جيفرسن في تلك الليلة قد كتبهما عبدان أفريقيان كانا يحاولان من خلالهما مقاومة استرقاقهما في ريف كنتاكي. كان أمراً نادراً، بل بالغ الندرة في ذلك الزمن، أن يتلقى أحد كتابات من عبد أميركي، لكن الكتابة التي طالعها جيفرسن كانت أندر من ذلك وأشد غموضاً، إذ كتب العبدان المتعلمان الساعيان إلى الحرية رسالتيهما بحروف لغة من الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن جيفرسن لم يكن يجيد تلك اللغة، فقد كان قادراً على تمييز أنها اللغة العربية.

استغاث العبدان في رسالتيهما بالرئيس لينقذهما ممن يحتجزونهما، مؤمنين أن الرجل الذي خط بيده وثيقة إعلان الاستقلال الأميركي، مؤكداً فيها المساواة بين جميع البشر، هو فرصتهما الوحيدة في نيل حريتهما.

يكتب جيفري أينبودن الذي يورد هذه الحكاية في كتابه "عبيد جيفرسن المسلمون الآبقون" (مطبعة جامعة أكسفورد، 2020)، "من جميع لحظات مسيرة جيفرسن السياسية، كيف تأتي لهذه اللحظة بالذات، لحظة تلقيه رسالتي العبدين المسلمين، أن يضيعها التاريخ؟ ومن كل الصفحات المتبقية من رئيس أميركا الثالث، كيف تأتي لهاتين الصفحتين المكتوبتين بالعربية بيدي عبدين هاربين، هما أصلاً من غرب أفريقيا، أن تبقيا مغمورتين لأكثر من قرنين؟".

ويضيف الكاتب أن الإسلام كان موضع اهتمام حقيقي وقلق عميق في أميركا على عهد جيفرسن، ويلاحظ أن السنوات الأولى من القرن التاسع عشر حفلت بصراع بين أميركا والعالم الإسلامي، مثلما حفلت به السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين، وعلى الرغم من أهمية الإسلام الكبيرة للتاريخ الأميركي، وامتداد هذه الأهمية منذ 1901 إلى 2001، ومن رئاسة جيفرسن إلى أحداث 11 سبتمبر، فإن "تلقيه هاتين الرسالتين المكتوبتين بلغة القرآن الأصلية (العربية) لم تلقَ من المؤرخين إلا التجاهل التام".

مالك العبيد كاتب إعلان الاستقلال

توماس جيفرسن هو ثالث رؤساء الولايات المتحدة، تولى الرئاسة في ما بين عامي 1801 و1809، وهو أحد آبائها المؤسسين الذين يحتلون في التاريخ الأميركي مرتبة تناظر مرتبتي القديسين والأولياء في بلاد وثقافات أخرى، وهو أيضاً كاتب مسودة إعلان استقلال أميركا التي تعد هي الأخرى بمثابة نص مقدس في التاريخ الأميركي.

لكنه، في المقابل، واحد من السادة البيض ملاك العبيد، وقد أصر أحفاد العبيد قبل أشهر قليلة على إزالة تمثال له من موضعه الذي شغله لأكثر من قرن في قاعة مجلس مدينة نيويورك، فإذا به يهوي من جلال النصب الرفيع إلى حضيض "علبة خشبية" على حد وصف "واشنطن بوست"، تمهيداً لنقله في إعارة طويلة المدى إلى جمعية نيويورك التاريخية. وكأنها إشارة إلى أن تاريخ الأميركيين أرحب من صدورهم، وأوسع أفقاً.

بلغ سخط أحفاد العبيد على الأب المؤسس من القوة أن جعل قرار نقل التمثال إلى جمعية التاريخ يتخذ بإجماع أصوات لجنة التصميم العام بالمدينة. ولعل لهذا السخط ما يبرره، فالرجل الذي خط بيده في إعلان الاستقلال أن "كل بني الإنسان مخلوقون سواسية" قد امتلك على مدى حياته أكثر من ستمئة من العبيد، وتمتع بواحدة منهم تدعى سالي هيمنجز، أو دأب على اغتصابها، بحسب بعض الروايات، حتى أنجبت له عدداً من الأبناء، فهل يكون تمثال له إلا احتفاء بالنفاق؟

يقول بارتون سويم في استعراضه المنشور في "وول ستريت جورنال" بتاريخ 24 مايو (أيار) 2022 لكتاب "توماس جيفرسن: سيرة الروح والجسد"، إن "المؤرخين وكتاب السير ظلوا في الشطر الأكبر من القرن العشرين يتعاملون بنبرة إجلال مع الآباء المؤسسين للأمة الأميركية، لكن ذلك، كما يعلم القارئ ولا شك، قد تغير، فقد كان النمطي لباحث قبل خمسين سنة أن يأسى لأن واشنطن وجيفرسن وماديسون وغيرهم من الآباء المؤسسين كانوا يمتلكون العبيد أو لا يطبقون في حياتهم العملية وعد المساواة بين جميع البشر الوارد في إعلان الاستقلال، لكن الباحث نفسه كان ليعترف لهم بالشجاعة ونزاهة التفكير والحكمة والحنكة السياسية. أما في عشرينيات القرن الحادي والعشرين في المقابل، فقد باتت المنجزات الأساسية التي تنسب إلى أولئك المؤسسين هي نهب أراضي السكان الأصليين ووضع دستور عفا الآن عليه الزمن، فضلاً عن أن كل واحد منهم، سواء أكان من ملاك العبيد أم لم يكن، مدان الآن بخطيئة لا غفران لها وفقاً للقانون الأخلاقي ما بعد المسيحي الراهن، ألا وهي جريمة الإيمان بتفوق العرق الأبيض".

ولعل سوايم جانب الصواب بعض الشيء في تقديره هذا، فالجرأة على الآباء المؤسسين ليست بدعة حديثة ظهرت بالأمس القريب في عشرينيات القرن الحادي والعشرين، وإنما هي أقدم قليلاً من ذلك، فقد يكون من المبالغة أن نرجع بها إلى زمن جيفرسن نفسه الذي لم يعدم فيه صحافياً يطارده مشهراً بفضائحه الجنسية (وكانت كثيرة)، إذ ربما كان الآباء المؤسسون في حياتهم يعدون رجال سياسة وحكاماً لا أكثر ولا أقل، ولم يحتلوا بعد مرتبة شبه القداسة التي احتلوها في التاريخ الأميركي، وهناك كتاب صادر في 1985 يوبخ جيفرسن توبيخاً لاذعاً بسبب علاقته بسالي هيجنز، وما هذا الكتاب غير مثال على تراث غير قليل من الاجتراء على تلك الرموز الهائلة.

جيفرسن.. سيرة الروح والجسد

كثيرة للغاية السير التي صدرت عن توماس جيفرسن، ومتنوعة، فمنها الكلاسيكية الضخمة التي تستعرض تفاصيل الحياة ودقائقها، وتبرز الإنجازات، وتقدم صورة عامة لحياة رجل ذي أثر عظيم في تاريخ بلده. ومنها ما يركز على جوانب محددة أو وقائع بعينها، من قبيل دوره في كتابة إعلان الاستقلال، أو علاقته بالقرآن، أو حتى علاقته بجاريته سالي هيجنز، أو غير ذلك من الجوانب المحددة.

هنا وجه تميز سيرة توماس كيد الصادرة حديثاً عن مطبعة جامعة ييل في ثلاثمئة وعشرين صفحة بعنوان "توماس جيفرسن.. سيرة الروح والجسد". عمل توماس كيد أستاذاً بجامعة بايلور وانتقل أخيراً إلى المدرسة المعمدانية للاهوت بالغرب الأوسط. وهو مؤرخ متخصص في التاريخ الديني في أميركا، ولعل اهتمامه بالتاريخ الديني الأميركي هو الذي يكمن وراء العنوان الفرعي لكتابه هذا، أعني "سيرة الروح والجسد". فالكتاب يمثل نظرة عميقة في الجانب الروحاني، والفكري، والأخلاقي من شخصية ذلك الأب المؤسس، وهنا يكمن اختلافه عن رف كامل من الكتب التي تتناول جيفرسن، ومن هنا أهميته في هذه اللحظة التي بات فيها جيفرسن مثيراً للجدل.

ليست هذه أول مرة يكتب فيها توماس كيد عملاً سيرياً، فقد سبق أن أصدر سيرة لحاكم ولاية فرجينيا الأول باتريك هنري، ولكن هذا عرف بوصفه مسيحياً شديد التدين، فكان جديراً بأن يلفت نظر مؤرخ ديني. أما جيفرسن فكان، بشهادة كيد نفسه، ينكر عقيدة التثليث، وينكر ألوهية المسيح، وينكر قيامه، وينكر كثيراً من القناعات التي تجعل اهتمام مؤرخ ديني به أمراً مثيراً للدهشة. غير أن توماس كيد يقول في حواره مع مارك تولي، رئيس المعهد الأميركي للدين والديمقراطية، إنه أراد من خلال الكتابة عن جيفرسن أن يكشف عن خلل في التفكير الأميركي المعاصر، ورغب في أن يضرب مثلاً للتفكير في شخص ينتمي إلى سياق تاريخي مغاير، تفكير حقيقي لا يسعى إلى المحو وإزالة التماثيل وتغيير أسماء المدارس كالذي يسم العقل الأميركي الآن. ويضيف كيد، "إنني لا أعتقد أننا مهرة في فهم تعقيد شخصيات الماضي".

والحق أن ذلك الخلل لا يسم العقل الأميركي المعاصر وحده، بل يكاد يكون سمة غالبة على العقل الإنساني المعاصر. فكم من عظيم من عظماء التاريخ البارزين يختزل الآن في أنه كان مزواجاً، أو مقامراً، أو ذا ميل جنسي معين، أو سكيراً، من دون أن تشفع له عندنا رسالته أو زعامته أو جلال إبداعه، أو نفاسة إرثه الذي لم يزل بين أيدينا وفي عقولنا، بل دونما مراعاة لاختلاف المنظومة القيمية التي كانت سائدة في زمنه عن منظومتنا القيمية.

يرى توماس كيد أن كتابه أقرب إلى "سيرة معنوية" لجيفرسن، سيرة لعالمه الأخلاقي، في ظل وفرة السير الكلاسيكية الضخمة لجيفرسن، مما يرصد تفاصيل الحياة ويلقي الضوء على الأعمال. وعلى الرغم من أن كتاب كيد لا يغفل عن تعقب المسيرة السياسية للرجل، فإن تركيزه الأساس ينصب على محاولة تقديم إجابات لأسئلة لا تثار حول جيفرسن وحده، وإنما حول عدد من الآباء المؤسسين، منها مثلاً التناقض من وجهة نظر العقل المعاصر بين قوله في وثيقة إعلان الاستقلال بتساوي الناس أجمعين واستحلاله لنفسه استعباد المئات. يقول كيد في حواره مع تولي إن الحكم بالنفاق على جيفرسن بناءً على هذا التفكير يكشف عن عقلنا الحالي أكثر مما يكشف عن العالم الأخلاقي الذي عاش فيه جيفرسن فعلياً، أو عن رؤى العالم والفلسفات التي تبناها، والتي قد يؤدي النظر إليها إلى اكتشاف تناغم بينها وبين ممارساته الحياتية التي باتت اليوم، عن حق، مرفوضة ومستهجنة.

إلهام المسيحية والثورة وعصر التنوير

في استعراض توماس كيد للتأثيرات الثقافية أو الاجتماعية على شخصية جيفرسن يرى الكاتب أن أعظم المؤثرات حضوراً يتمثل في قيمة النبالة السائدة في عصره، التي نشأ عليها صبياً في ولاية فرجينيا. ويعني الكاتب بهذه القيمة منظومة أخلاقية اجتماعية معينة ارتبطت بالرجل النبيل، أو الجنتلمان، ويذهب كيد إلى أن تلك القيمة مستلهمة من المسيحية أو خاضعة لتأثير كبير منها. ويرى أن جيفرسن، على الرغم من إنكاره بعض المعلوم في المسيحية بالضرورة، قد تأثر روحياً وفكرياً بهذه الديانة، فآمن في أواخر حياته بأن يسوع هو أعظم معلم أخلاقي في تاريخ العالم، وتركت نشأته في فرجينيا المسيحية المتدينة أثراً كبيراً فيه يوازي الأثر الذي تركه فيه إنجيل الملك جيمس، وكتاب الصلاة المشتركة (واسع الانتشار في الكنيسة الإنجليكانية)، ثم إن الكاتب بعد هذه المؤثرات، يشير إلى أثر عصر التنوير ومثله التي عرفها جيفرسن خلال عمله دبلوماسياً في فرنسا.

ربما يجدر بالقارئ أن يرتاب في ترتيب هذه المؤثرات، أو يفكر في ترتيب آخر محتمل حينما يعلم طبيعة اتصال جيفرسن بفرنسا والثورة الفرنسية ومثل عصر التنوير، فقد يصعب حينئذ القبول بتذيلها قائمة المؤثرات في تكوين جيفرسن سياسياً وفكرياً وإنسانياً أيضاً. لقد عمل توماس جيفرسن مفوضاً رسمياً خارجياً لبلده عام 1784، أي قبل خمس سنوات فقط من قيام الثورة الفرنسية، واتخذ من فرنسا مقراً له ولفريقه الدبلوماسي الذي ضم إلى جانبه كلاً من جون آدمز وبن فرانكلين ليكون ذلك الفريق هو "بالتأكيد أعظم فريق جمعته يوماً الدبلوماسية الأميركية" على حد تعبير كريستوفر هيتشنز في كتابه "توماس جيفرسن وإعلان استقلال أميركا" (مترجم إلى العربية، دار كلمات عربية، 2008). لم يكن جيفرسن بوجوده في باريس شديد القرب فقط من مقدمات الثورة الفرنسية ثم من أحداثها، بل إن من الممكن اعتباره مشاركاً في تلك اللحظة الفريدة بالغة الأهمية في تاريخ العالم كله، بما منحه خبرة فريدة نضحت آثارها بعد ذلك في كثير مما كتبه، وأهمه إعلان الاستقلال نفسه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكان لباريس أثر كبير أيضاً في حياة جيفرسن على المستوى الإنساني العادي. ففي باريس التقى سالي هيجنز لقاء حقيقياً للمرة الأولى، على الرغم من أنها كانت من جملة أملاكه قبل ذلك. ومن المؤكد أن سالي هيجنز نقطة سواد كبيرة تلوث، عن حق أو عن غبن، صفحة الرجل في التاريخ. شهدت باريس البداية الحقيقية لعلاقة جيفرسن بهيجنز التي تسببت "من دون داعٍ"، في تقدير هيتشنز، في إرباك المؤرخين.

ربما تجدر كثيراً الإشارة هنا إلى أن سالي هيجنز لم تكن أمةً بالمعنى الشائع للكلمة والفهم الرائج لها، ولم تكن العلاقة بينهما علاقة سيد بجارية من رقيقه، ولم يكن ما بينهما من علاقة حميمية اغتصاباً في حدود فهمنا للاغتصاب. لقد كانت سالي ابنة لسيد أبيض من ملاك العبيد يدعى جون وايليز، أي إن سالي هيجنز هي شقيقة من الأب لمارثا وايليز زوجة جيفرسن الشرعية. وكانت لسالي مكانة خاصة في بيت جيفرسن، فلم تكن تعمل عمل الإماء، ولا تلقى معاملتهن، وإنما كانت أقرب إلى وصيفة للزوجة الرسمية، ولم تكن، على مستوى الشكل أيضاً، توحي بالعبودية، إذ كانت خلاسية أقرب إلى البياض، فأدرجها التعداد السكاني الرسمي لعام 1830 هي وأبناءها، الذين أعتقهم جيفرسن ولم يعتق غيرهم من عبيده، من جملة السكان "البيض".

كان جيفرسن قد استدعى ابنته من الولايات المتحدة لتقيم معه في باريس، وعهد إلى سالي برعايتها خلال الرحلة، على أن ترجع مرة أخرى إلى الولايات المتحدة، لكن جيفرسن، المولع بالنساء، فوجئ بالصغيرة قد نضجت جسداً وعقلاً فاستبقاها معه، ونشأت العلاقة بينهما.

يلاحظ هيتشنز، لافتاً هو الآخر نظرنا إلى ضرورة مراعاة اختلاف السياق التاريخي بين القرن التاسع عشر والقرن الحادي والعشرين، فالعلاقات بين الأعراق المختلفة لم تكن بالأمر الغريب أو المستهجن في موطن جيفرسن. ويحكي أن الأخير تعهد لزوجته مارثا وهي على فراش الموت بألا يتزوج بعدها أبداً، وأن سالي كانت حاضرة تلك اللحظة ومن ثم شاهدة على ذلك العهد، ويوضح أن الوضع الذي احتلته برفقة جيفرسن في باريس، وبخاصة بعد إلغاء الثورة الفرنسية الاسترقاق، كان سافر الاختلاف عما يتصوره الذهن المعاصر لعلاقة سيد بجارية، بل إن هيتشنز يقول قاطعاً إن "العلاقة بينهما لا يمكن وصفها بعلاقة السيد بالعبد وفق ذلك المعنى الوضيع الذي عادة ما يفهم من مثل تلك العلاقة".

من المؤكد أن كتاب توماس كيد لن يغير من مكانة توماس جيفرسن في العقل الجمعي الأميركي، ولن يحيله مثلاً إلى مسيحي متدين تتجسد في شخصيته، مثلما في أعماله وأقواله، أفكار المسيحية وعقائدها، تماماً كما أن إنزال تمثال له من موضعه في قاعة مجلس مدينة نيويورك لن يزعزع مقامه في التاريخ الأميركي، لكن يكفي هذا الكتاب، مع كتب أخرى، أنه يحفز على شيء من التسامح عند النظر إلى شخصيات التاريخ التي عاشت حياتها بقيم ومثل وأنساق ليس من الإنصاف تجاهلها تماماً، والحكم عليها وفقاً لأعراف زمن لم تعرفه وربما لم يخطر لأحدها أن تقام له فيه محاكمة لا يعنيها أصلاً أن تستمع إلى دفاعه.

المزيد من كتب