Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الزواج المدني فيلم لبناني طويل

حلقة مفرغة فالزعامات الإسلامية ترفضه وتطالب بإلغاء الطائفية السياسية فترد القيادات المسيحية باقتراح العلمانية

حظي موضوع الأحوال الشخصية والزواج المدني بـ 14مشروع قانون ولم يمر أي منها عبر مجلس النواب (أ ف ب)

ما إن أُعلنت نتائج الانتخابات النيابية اللبنانية، التي جرت في 15 مايو (أيار)، وفوز 14 مرشحاً تغييرياً من خارج الاصطفافات الطائفية، حتى طُرح "الزواج المدني". ولا غرابة في ذلك، فهذا المطلب مطروح على طاولة البرلمان، وفي المجال اللبناني عموماً، منذ منتصف القرن العشرين. وتذهب رئيسة جامعة اللاعنف وحقوق الإنسان أوغاريت يونان إلى أنه "يعود إلى بداية نشوء الدولة اللبنانية (1920)، والمناداة به تعود أصلاً إلى ما قبل ولادة الدستور عام 1926، والمعلوم أن القرار 60 ل.ر. تاريخ 13 مارس (آذار) 1936 شرع الحق بالزواج المدني، لكن لظروف ضاغطة طائفية - سياسية معروفة، وُضعت عراقيل وشروط أمام تطبيقه ’الطبيعي‘ لسائر المواطنين على حد سواء".

وعلى الرغم من ذلك، وعلى مدى هذا التاريخ الطويل، تقدم 14 مشروع قانون للأحوال الشخصية، والزواج المدني ضمناً، إضافة إلى ستة اقتراحات قوانين، وثلاث مبادرات ومذكرة. وقد تقدم بها نواب ووزراء وحكومات وأحزاب وجهات نقابية واجتماعية، بل إن أحد المشاريع "أعدته لجنة مكلفة من رئيس الجمهورية إلياس الهراوي، مؤلفة من قضاة ومحامين، وقد طُرح رسمياً على طاولة مجلس الوزراء، في 18 مارس 1998، وجرى التصويت عليه ليكسب أكثرية 20 وزيراً (وورقة بيضاء: مع) مقابل 9 أصوات ضد. وعلى الرغم من أن المشروع انتصر عبر التصويت الرسمي، لكن رئيس الوزراء آنذاك رفيق الحريري لم يحوله إلى المجلس النيابي وفق الأصول الدستورية، بل أعلن طي الملف"، تروي يونان.

ليس هذا وحسب، فلبنان من أكثر الدول تسجيلاً لزيجات معقودة خارج أراضيه وقوانينه. وقد شهدت عقود ما بعد الحرب تنامياً في أعداد الزيجات المدنية للبنانيات ولبنانيين خصوصاً في تركيا وقبرص.

وهكذا، بات هذا العنوان السجالي الفيلم الأطول في تاريخ لبنان الحديث، وهو مرشح لدخول موسوعة "غينيس".

ثورة جبران والمساكنة الأولى

يمكن اعتبار جبران خليل جبران أول من طرح، في لبنان، مسألة الزواج وفق الشريعة والارتباط خارجها، عام 1908. فالبطلة الأولى في كتابه "الأرواح المتمردة"، الذي نشرته جريدة "المهاجر" في نيويورك، هجرت زوجها وقصره و"الحلى والحلل والخدم والمركبات" مفضلة العيش مع حبيبها في "بيت حقير محاط بالزهور والأشجار". وقد تحدت وصم المجتمع لها بـ"الخيانة" و"الزنى".

ويتدرج موقف جبران، الذي يصفه صديقه ميخائيل نعيمة بـ"الحماسة والاندفاعة"، من الحكم المسبق على وردة الهاني التي "داست قلبه (زوجها) وتركته ميتاً بين حوافر الحياة"، إلى التساؤل بعد لقائه بها للمرة الأولى: "أتقدر هذه المرأة أن تكون شريرة؟ وهل بإمكان هذا الوجه الشفاف أن يستر نفساً شنيعة وقلباً مجرماً؟ أهذه هي الزوجة الخائنة؟". ثم، من التساؤل ينتقل إلى الاستماع إلى مرافعتها ودفاعها عن نفسها. فهو في هذا الموقف يتيح لبطلته المتهمة فرصة أن تعرض لدوافعها، ويتيح لنفسه، بالتالي للقارئ، أن "يفحص دواعي تمردها". وكأنه يريد جعل القارئ يستمع إلى المتهمة، وأي متهم آخر، قبل إصدار الحكم، إذ ينتقد جبران "الهيئة الاجتماعية التي تضطهد الأفراد المتمردين على شرائعها قبل أن تستفحص دواعي تمردهم".

الأهم هو أن وردة الهاني، انطلاقاً من كلامها، لا تنتقد الزواج وفق الدين ولا تتمرد على الشريعة. فهي امرأة رفضت أن تكون ضحية الزواج الخالي من الحب، بعدما زوجتها أسرتها من رجل يكبرها في السن من دون إرادتها. وقد تمردت على الزواج المخادع الذي يجعل التقاليد الاجتماعية المحافظة، والحفاظ عليها، أهم من الزواج والحب. وتروح في مرافعتها بعيداً في "إظهار خفايا القصور وأسرارها"، حيث الخيانات المسكوت عنها لأسباب نفعية من أصحابها وانسياقاً مع المحافظة على التقاليد بالنسبة إلى المجتمع.

هكذا، يجعل جبران بطلته كما يصفها ميخائيل نعيمة: ليست إلا "امرأة مظلومة"، وقصتها "من أولها إلى آخرها شكوى... بليغة ومؤثرة" و"نواة قوية لأطروحة في مظالم التقاليد الزوجية"، داعياً إلى عدم تحميلها "فوق ما تستطيع حمله".

لكن، بعد أن "يدرك" جبران "سر احتجاج" بطلته، ويميزها عن النساء اللواتي يبيح لهن "الغرور" أن "يتركن رجالهن الفقراء ويتعلقن بالرجال الأغنياء"، يصعد الموقف، وعلى لسانه هو، إذ يتناوب مع وردة الهاني على السرد.

وهنا، بعد هجومه على "البشر" الذين "لا ينفون إلا من تمردت روحه الكبيرة على الظلم والجور"، لا يخفي انحيازه للارتباط الذي يجعل "طيف السعادة منتصباً بين رجل وامرأة"، ولو "احتقرته الجامعة الإنسانية ونفته الشريعة".

حلقة مفرغة

لم تمضِ سنوات على تلك الصرخة حتى حلت الحرب العالمية الأولى وفتكت المجاعة في لبنان. فكان الألم أكبر، وكذلك قوة السلطات الدينية. وجاء الانتداب الفرنسي، وأصدر المندوب السامي القرار رقم "60 ل.ر". الذي منح الطوائف سلطة الأمر والنهي في شؤون الأسرة والميراث. وعلى الرغم من ذلك، يرى طلال الحسيني أن هذا القرار يتيح الزواج المدني على الأراضي اللبنانية، استناداً إلى المادة العاشرة منه: "يخضع السوريون واللبنانيون المنتمون إلى طائفة تابعة للحق العادي، وكذلك السوريون واللبنانيون الذين لا ينتمون لطائفة ما للقانون المدني في الأمور المتعلقة بالأحوال الشخصية".

لكن هذا لم يُطبق بضغط من السلطات الدينية، وحصل ما يسميه الحسيني "الإنكار".

ومذ ذاك، دخل لبنان، في هذا الشأن، في ما يسميه جورج قرم "حلقة مفرغة أخرى من الحلقات التي تفرزها التركيبة الطائفية للكيان اللبناني".

ويرسم قرم مشهداً كوميدياً أسود للسجال اللبناني المستمر بلا فائدة في شأن قوانين الأحوال الشخصية:

"الزعامات الإسلامية التي ترفض القانون الموحد للأحوال الشخصية، تطالب بإزالة الطائفية السياسية، أي القضاء على القيود الطائفية في المسؤوليات التمثيلية والإدارية، المدنية والعسكرية، التي قد تؤمن للمسيحيين في نظام الحكم حصة تفوق نسبة عددهم من السكان في لبنان.

وترد الزعامات المسيحية على ذلك بأنه يتوجب على المسلمين في لبنان القبول بإزالة قوانين الأحوال الشخصية التي تحول دون زواج المسلمة من الشاب المسيحي إلا إذا أسلم.

ويتواصل السجال من دون فائدة، إذ تدعي الزعامات الإسلامية أن لا علاقة بين الأمرين، لأن الأحوال الشخصية أمر منفصل عن نظام الحكم وضرورة التخلص من القيود الطائفية لتأمين مساواة اللبنانيين في شغل المراكز العامة، إضافة إلى استحالة اعتماد قانون مدني موحد للأحوال الشخصية لكون الموضوع جزءاً أساسياً من الشريعة الإسلامية لا يمكن أن يتنازل عنه أي مسلم وإلا خالف تعاليم دينه.

وتعود الزعامات المسيحية لترد بأن العلمنة لا تتجزأ، فإما أن يُعمل بها كنظام سياسي اجتماعي شامل، أو يُبقى على النظام الطائفي والحصص الطائفية في ممارسة الحكم".

 

 

المواجهة الأولى

وقبل تحكم هذا التحدي المتبادل، أو في غفلة منه، شهد لبنان مطلع الخمسينيات من القرن العشرين المواجهة الأولى في شأن قانون الأحوال الشخصية، بين نقابتي المحامين في بيروت وطرابلس من جهة والسلطة السياسية ومن خلفها السلطات الدينية من جهة أخرى.

تروي يونان "أثار صدور قانون 2 أبريل (نيسان) 1951 ردورد فعل قوية لدى المحامين، فتنادى ثلاثمئة محام وطلبوا عقد جمعية عمومية للمحامين لبحث الموضوع. فانعقدت الجمعية العمومية للمحامين بتاريخ 23 يونيو (حزيران) 1951، طالبت بنتيجتها بإلغاء قانون 2 أبريل والرجوع عنه، وأعلنت يوم 27 يونيو إضراباً رمزياً نُفذ في حينه. وطالبت الجمعية بسن قانون مدني للأحوال الشخصية يشمل جميع اللبنانيين، وكلفت لجنة لإعداد مشروع القانون المدني المذكور... والمطلبان الأبرز في تحرك النقابة هما العودة عن توسيع صلاحيات تلك المحاكم، وإقرار قانون مدني للأحوال الشخصية".

تتابع "وفي 12 أبريل 1952، أعلنت نقابتا المحامين في بيروت وطرابلس إضراباً مفتوحاً دام نحو ثلاثة أشهر، حتى 5 أبريل. وعلى الرغم من الرفض الطائفي من سائر الجهات، وإعلان البطريركية المارونية عن إنزال الحُرم بالنقيب نجيب الدبس، استمر التحرك، ولم تنفذ الطوائف تهديداتها. وفي 20 ديسمبر (كانون الأول)، في اجتماع آخر للجمعية العمومية، أعلن النقيب الدبس عن موافقة اللجنة التشريعية ووزارة العدل على مشروع القانون الذي أعده مجلس النقابة، وأن المشروع أحيل إلى مجلس الوزراء من دون أن يُحال إلى مجلس النواب. ونتيجة لذلك قررت الجمعية إعلان الإضراب العام الشامل اعتباراً من 12/1/1952، على أن يبقى مستمراً إلى حين إحالة المشروع إلى الندوة النيابية. وبتاريخ 25 مارس، قررت الجمعية العمومية للمحامين الاستمرار بالإضراب، إلى أن تنتهي لجنة الإدارة والعدل في المجلس النيابي من درس المشاريع المختصة بالأحوال الشخصية المعروضة عليها، وإلى أن تعطي تقريرها، وإلى أن يُدرَج مشروعها في جدول أعمال المجلس النيابي. وفوضت الجمعية العمومية مجلس النقابة إعلان انتهاء الإضراب عند تحقق هذا الشرط. وبعدما ورد إلى مجلس النقابة كتاب من مدير غرفة رئاسة المجلس النيابي مُحالاً إليها من وزير العدل، بأن مشروع لجنة الإدارة والعدل أدرج في جدول أعمال جلسة المجلس النيابي التي ستعقد في 8 أبريل، اجتمع مجلس النقابة بتاريخ 3 أبريل وقرر إنهاء الإضراب".

وفي تلك المرحلة، تقول يونان، "تهافت عديد من النواب لتقديم اقتراحات من أجل قانون مدني للأحوال الشخصية، لكن من دون صياغة نص شامل للقانون. وبين أبرز هذه المبادرات اقتراح "الجبهة الاشتراكية النيابية" التي تألفت من كمال جنبلاط، وبيار إده، وكميل شمعون، وغسان تويني، وأنور الخطيب، وإميل بستاني، وعبدالله الحاج، ودكران توسباط. وأعلن الاقتراح الذي قُدم في 7 يوليو (تموز) 1951، صراحةً في الأسباب الموجبة عن "ضرورة إلغاء أنظمة الأحوال الشخصية الطائفية، وسن تشريع مدني لجميع المواطنين على السواء... وإلغاء قانون 2 أبريل 1951 وتضييق اختصاص المحاكم المذهبية والشرعية بصورة عامة".

وفي 28 مارس 1952، تقدم النواب روفايل لحود ورشاد عازار وقبلان عيسى الخوري، باقتراح قانون للأحوال الشخصية، للجنة الإدارة والعدل، وبعد دراسته جرى التصويت عليه فلم يُحرز الأكثرية.

بعد ذلك، تقدمت حكومة الرئيس سامي الصلح التي استمرت من 11 فبراير (شباط) 1952 حتى 9 سبتمبر (أيلول) من العام نفسه، باسمها مجتمعة، باقتراح قانون للأحوال الشخصية، لكنه أيضاً لم يمر في مجلس النواب.

والمصير نفسه لقيه اقتراح تقدمت به لجنة الإدارة والعدل في المجلس النيابي في 1952، وقد نال أكثرية أصوات اللجنة، لكنه لم يُقر.

عاصفة مارون عبود

وسط هذا، كتب الأديب مارون عبود ما تذكر به يونان، وهو الآتي:

"هل تظن أن عقل الله مثل عقلي وعقلك ليسأله على أي ناموس تزوجت؟

وأنتم يا أحبائي، اصغوا إلي واسمعوا وَعُوا. إن ما أحدثكم عنه الآن صائر بعد حين، فلا تتبرموا وامشوا مع الركب. فلن يبقى أمامكم شيء خارج المحاكم غير الموت. فمُوتوا كما تشاؤون، لأن موتكم لا يتعلق به حق أحد، وعلاقتكم إذ ذاك تُمسي مع ربكم رأساَ، ويومئذ حسبكم الله.

إني أنظر إلى العالم الغيب، وأرى لبنان، هذا البلد الصغير، قد حطم قيوده العتيقة، وقد خلَتْ أرضه من جميع الطفيليات التي تعيش على جذع الطائفة.

فليفعلوا كما يفعل الآخرون في أقطار العالم، أي فليذهبوا إلى الكنائس حيث يبارك زواجهم رجل دين، إنما بعد أن يسجل زواجهم عند الكاتب العدل أو في المحاكم. وهكذا لا تضيع بركة.

ثم أنسى ولم أنسَ كيف قامت القيامة بين المحامين ورجال الدين حول ’الأحوال الشخصية‘ (1951)، لكن المحامين غُلب على أمرهم، وفاز أولئك لأن الله والأوقاف دائماَ معهم.

وما دُمنا ننادي بترك الطائفية، فهذا باب تنطلق منه العاصفة التي تقتلع تلك الشجرة النخرة من جذورها.

إني أرى العاصفة تُوَلْول راكضة من بعيد، فنصيحتي للناس أن يحيدوا من دربها".

سبات قبل الحرب وإصرار إبانها

وعلى الرغم من تحقيق الحركة النسائية في عام 1953 مطلب حق الاقتراع، دخل قانون الأحوال الشخصية ما يشبه السبات لنحو عقدين. وكانت أجندة لبنان آنذاك محتشدة بأحداث كبرى:

في عام 1952 انتخابات نيابية وثورة بيضاء على فساد عهد الرئيس الأول بعد الاستقلال بشارة الخوري، وقد اضطر إلى الاستقالة.

ازدهار اقتصادي يستفيد من طفرة اقتصاديات النفط في الخليج، انتعاش مرفأ بيروت بعد إعلان دولة إسرائيل، تدفق رؤوس الأموال العربية إلى المصارف اللبنانية هرباً من موجة التأميمات في مصر وسوريا والعراق.

انتخابات نيابية قاسية (1957) شن فيها رئيس الجمهورية كميل شمعون حرباً على خصومه، وفي مقدمهم كمال جنبلاط وصائب سلام، اللذان اقتربا من الزعيم المصري الجديد جمال عبد الناصر، فيما كان شمعون في المحور الأميركي.

حرب 1958، وانتخاب قائد الجيش فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية وتدشينه ورشة بناء مؤسسات الدولة.

انقلاب الحزب السوري القومي الاجتماعي، في 1961، وإطلاق يد الاستخبارات في الحياة السياسية.

إفلاس بنك "إنترا" في أكتوبر (تشرين الأول) 1966.

انتقال التنظيمات الفلسطينية المسلحة من الأردن إلى لبنان، وتوقيع اتفاقية القاهرة في 1969 التي تسمح للفدائيين العمل عبر الحدود الجنوبية ضد إسرائيل.

وسط هذه الأجواء تأسس "الحزب الديمقراطي" (جمد نشاطه مطلع الحرب)، وكان من بين أعضائه عدد من أبرز المحامين والدستوريين، منهم جوزيف مغيزل وأوغيست باخوس الذي تقدم عام 1971 باسم الحزب بما يُعتبر أول مشروع قانون مدني متكامل وشامل للأحوال الشخصية يُطرَح في لبنان، وقد تألف من 263 مادة.

وبعد عشر سنوات، إبان الحرب، في 1981، "أصر الحزب العلماني الديمقراطي على إعداد قانون اختياري موحد للأحوال الشخصية وطرحه ونشره في كتيب، كخيار لمواجهة الطائفية والاقتتال الأهلي. ونظم حلقات النقاش حوله، ووزع استمارات خطية لاستفتاء الرأي العام في عديد من المناطق، وأتت نتائجها مشجعة. لكن المشروع لم يُقدم إلى المجلس النيابي"، وفق يونان.

 

 

دخول الزواج المدني في القاموس اللبناني

دخل مصطلح "الزواج المدني" القاموس اللبناني في العقد الأخير من القرن العشرين. وليس غريباً أن يحصل ذلك بعد حرب استمرت خمس عشرة سنة (1975- 1990). فهذه الحرب التي طالب أحد طرفيها، الحركة الوطنية اللبنانية، في برنامجه المرحلي لإصلاح النظام السياسي، بـ"وضع قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية"، أنهكت التيار العلماني. ومع ما يسميه ألبير منصور "الانقلاب على الطائف"، هذا الاتفاق الذي أُوقفت الحرب بموجبه، وفي ظل الوصاية السورية، أمسكت القوى الطائفية بالسلطة ولم تطبق ما نص عليه الاتفاق من بنود تتعلق بإلغاء الطائفية. ما جعل العلمانيين هامشيين وغالباً خارج النظام ومؤسسات الدولة. ومع هذا التراجع، تقدمت في تلك الحقبة أطروحة الجمعيات غير الحكومية التي تتحدث عن نضالات ومكاسب محدودة وبالمفرق، لإصلاح الدولة ومؤسساتها والقوانين، في ظل صعوبة الإصلاح الشامل.

هكذا، جرى الانتقال من المطالبة بقانون موحد للأحوال الشخصية إلى اقتراح قانون للزواج المدني. وعلى الرغم من أن ذلك يبدو تنازلاً أو إقراراً بميل موازين القوى لمصلحة القوى الطائفية، إلا أن الرفض ما زال نفسه. 

وفي تلك الأثناء، مثلاً، أعد جوزف مغيزل في 1995 "مشروع قانون مدني اختياري للزواج" فحسب، بعدما كان حزبه "الديمقراطي" في 1971 قد تقدم بمشروع قانون مدني للأحوال الشخصية عموماً (توفي النائب والوزير مغيزل قبل وصول مشروعه إلى البرلمان).

وقد كتب مغيزل، "إن إلغاء الطائفية من النصوص دون تحرير القوليات والنفوس منها، لا يخلو من المخاطر، إن لم يكن مسدوداً، كذلك الانتظار ضمن النظام الطائفي، ريثما يقتنع اللبنانيون بتجاوز الطائفية، أمر لا يخلو من السذاجة. من هنا، يجب علينا أن نقوم بعملية مزدوجة، وهي إقناع اللبنانيين بحسنات تجاوز الطائفية، والإعداد لذلك تدريجاً، بتحقيق العدالة الاجتماعية، وإنماء المناطق المتخلفة، أي إزالة الشعور بالغبن، والشعور بالخوف، لا سيما تنفيذ مخطط تربوي وطني يقضي بتعزيز المدرسة الوطنية، وبرنامج التنشئة المدنية والوطنية، وتحقيق نظام خدمة العلم، كما أن توحيد قوانين الأحوال الشخصية، وسن قانون للزواج المدني، من شأنها أن تقضي على النزعات والولاءات الطائفية".

إعادة القضية

وعلى الرغم من تراجع العلمانية وقواها السياسية في التسعينيات، نظمت "حركة حقوق الناس"، ابتداءً من 1997 حتى 2002، حملة وطنية أعادت قضية الأحوال الشخصية إلى الضوء. وأنتجت الحملة التي ضمت 75 حزباً وجمعية ونقابة ومنظمة شبابية وطلابية ونسائية مشروع قانون متكامل وشامل للأحوال الشخصية، ودراسة شاملة عن سائر مشاريع ومبادرات الزواج المدني في تاريخ لبنان، وأعدت عريضة وطنية جمعت أكثر من 60 ألف توقيع، إضافة إلى أنشطة أخرى.

وامتداداً لهذا، قدمت جمعية "شمل" في 2011 مشروع "قانون لبناني للأحوال الشخصية" إلى المجلس النيابي. وقد أُدرج هذا الاقتراح في جدول أعمال اللجان النيابية المشتركة، للمرة الأولى في تاريخ لبنان، وهو حالياً اقتراح القانون الوحيد المُدرَج للدرس في المجلس النيابي.

وقد أُلحق ذلك بمبادرة من وليد صليبي، جوهرها "التنفيذ الذاتي للزواج المدني"، مدعومة بآلية قانونية ودراسة تفصيلية. والجديد في هذه المبادرة إعلانها التوقف عن انتظار المجالس النيابية والحكومات حتى تصدر التشريع القانوني. ومن هذا المبدأ، و"كي لا نبقى رهائن"، يدعو صليبي إلى "التشريع الاجتماعي"، معللاً ذلك بالقول، إن "القاعدة، في الدولة الصالحة والمواطن الصالح، هي (طاعة) القانون أو الالتزام به (تحت سقف القانون). هذا في المبدأ، لكن عندما يكون القانون مغيباً أو ظالماً، تصبح القاعدة هي العصيان... التشريع الاجتماعي (بالتنفيذ الذاتي)، هو العصيان، تمهيداً ودفعاً لبناء التشريع القانوني، وفي حال لم يتم هذا الأخير يغدو (التشريع الاجتماعي) هو القانون".

مبادرة تفاؤلية... ولكن

ذروة ما وصلت إليه حركة المطالبة بإقرار الزواج المدني، يتمثل في مبادرة أطلقها طلال الحسيني، وقد أشاعت بين العلمانيين والمدنيين والراغبين في الزواج المدني جواً من التفاؤل.

تقوم مبادرة "عقد الزواج المدني على الأراضي اللبنانية" على دراسة أعدها الحسيني، توصل خلالها إلى أن "البحث القانوني والتاريخي يبين أن القانون اللبناني العادي، الذي ينظم أحوال اللبنانيين الشخصية، ينص على الحق في الزواج المدني، وعلى وجوب الخضوع للقانون المدني، دون غيره، في عقد الزواج على الأراضي اللبنانية، بالنسبة إلى من لا ينتمي إدارياً إلى طائفة من الطوائف التاريخية". وبناء على الخلاصة هذه، وبعد عقد أول زواج مدني على الأراضي اللبنانية لدى كاتب بالعدل، بين خلود سكرية ونضال درويش، في 2 نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، أطلقت المبادرة موجة من المتحمسين لشطب الإشارة إلى القيد الطائفي في سجلات النفوس. وشارك فيها مَن يريدون الزواج المدني على الأراضي اللبنانية وفق هذه الدراسة، وآخرون تعبيراً عن عدم الانتماء إلى الطوائف وقوانينها.

لكن هذه المبادرة، التي حازت رأياً إيجابياً من الهيئة العليا للاستشارات والتشريع في وزارة العدل، واجهت مشكلة في التنفيذ، إذ توقفت وزارة الداخلية عن الاعتراف بعقود الزواج هذه ولم يتم تسجيلها.

موقف ديني مفاجئ

وفي غمرة السجال المفتوح في شأن الزواج المدني، أطلق السيد محمد حسن الأمين، موقفاً مفاجئاً لكونه صادراً من رجل دين (شيعي)، فقد ناصر الزواج المدني، وإن سجل بعض الملاحظات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واعتبر أن "الزواج في الإسلام هو عقد يجوز إجراؤه دون وجود سر ديني كما هي الحال عند المسيحيين" أي أنه مثل الزواج المدني.

ولفت إلى أن "هناك كثيراً من الزيجات المدنية قائمة، وإن كان إبرامها يتم خارج لبنان، فنحن لا نمانع أن يكون الزواج المدني اختيارياً في بلدنا".

وأضاف أن "الزواج الإسلامي يجيز إدراج شروط متبادلة بين الزوجين وتكون هذه الشروط ملزمة للطرفين، كما في مسألة تعدد الزوجات، فللمرأة الحق أن تشترط على زوجها في العقد أن لا يتزوج بامرأة غيرها ويبقى العقد إسلامياً، وإن كانت فيه شروط تتنافى مع عقد الزواج الإسلامي ومستلزماته، فإننا لا نعتبره زواجاً إسلامياً، ولكنه معترف به وموجود".

وقال إن "الدولة في لبنان أساساً ليست دينية، هي من حيث التوصيف علمانية، وطائفية من حيث الشكل، فيما الدين يمنع أن تكون دولتنا دولة مواطنة. هذه المسألة تنشأ بين فترة وأخرى في لبنان، وتتعدد المواقف والآراء تجاهها وصولاً إلى حد التطرف أحياناً، أي تكفير المتزوج مدنياً من المسلمين، وبالخلاصة نحن نقول، إن الزواج هو عقد يشترط القبول من الطرفين، وإن الأحكام الشرعية التي تنجم عن هذا العقد لا بد من الالتزام بها، فيصبح الزواج هنا، إذا صح التعبير نصف مدني، وليس مدنياً بالكامل... فلبنان ليس دولة دينية وشعبه من طوائف عدة، لذلك فإن قانونه الوضعي غير منزل كالشريعة، وإنما هناك جهات في النظام السياسي تسمى السلطة التشريعية، فالقانون مدني باستثناء قوانين الأحوال الشخصية التابعة للطوائف، فإذا نشأ فريق أو حزب سياسي لا يريد أن يلتزم تعاليم الشريعة فهو أمر مباح وفق القانون، بالتالي فإنه لا إكراه في الدين، ونحن لسنا قيمين على معتقدات الناس، ولا يجوز لنا ذلك، ولكن ندعوهم للالتزام بأحكام الدين".

حل "سهل وبسيط"

إزاء الموقفين التعجيزيين اللذين تطرحهما الزعامات الإسلامية والمسيحية، لمناسبة الحديث عن الزواج المدني أو الأحوال الشخصية، يرى قرم أن ثمة حلاً "سهلاً وبسيطاً" بشرط الابتعاد عن "جو التشنج الطائفي" و"فهم روح الديمقراطية".

فالديمقراطية، وفقه، "تقول بضرورة عدم قهر الإنسان في معتقداته السياسية والروحية وتفرض احترام حرية المعتقد"، وفي الوقت نفسه تقول إن "للإنسان حق اختيار معتقداته بإرادته الواعية وليس بالوراثة فحسب، وإن الدولة لا يمكن أن تفرض على فئة من المواطنين قوانين لا تُطبق على الفئات الأخرى".

والحل هو "أولاً، أن تسن الدولة قانوناً موحداً للأحوال الشخصية، وتجعل قوانين الأحوال الشخصية المختلفة أنظمة خاصة بالطوائف وليس بالدولة... فالأحوال الشخصية قضية خاصة بكل طائفة ولا علاقة لها بنظام الحكم. وثانياً، أن يُسمح للبنانيين الراشدين، مسلمين ومسيحيين، الذين يريدون لأسباب إيمانية، الانسحاب من نظام قانون الأحوال الشخصية الموحدة، وهو القانون الذي يفرض حكماً على جميع اللبنانيين، ويطلبون ألا يطبق عليهم القانون العام، بل القوانين الخاصة بطائفتهم في أمور الأحوال الشخصية أو بطائفة أخرى إذا ما أرادوا التغيير".

المزيد من تقارير