Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رسائل ميخائيل نعيمة المجهولة إلى ثريا حداد تكشف حبا حائرا

تخرج إلى الضوء في ذكرى رحيله الـ 43 وتبرز علاقة مثالية دامت 14 عاماً

متحف ميخالئل نعيمة يضم آثاره وصوره ومخطوطاته (متحف نعيمة )

يظل أدب الرسائل جنساً فريداً في الكتابة، فهو يجعل كاتبه قريباً أكثر من القارئ، وينزل به من علياء الخيال إلى أقبية الواقع. إنه بالتالي أدب مكاشفة وتعرية، وبالأخص حين يتعلق الأمر برسائل الكتّاب إلى حبيباتهم، حيث يطغى الاعتراف ويتجلى الضعف. وقد أثير كثير من النقاش حول أخلاقية نشر رسائل الكتّاب إلى معشوقاتهم، وبالضبط بعد رحيلهم. إذ ينتقل إلى العام ما كان يريده كاتبه حميمياً وخاصاً. وما أخفاه الكاتب في حياته يصير مشاعاً بعد موته.

وقد ظهرت في عصرنا الحديث نماذج كثيرة للرسائل التي بعث بها الكتّاب، ولم يكونوا يرغبون بالضرورة في نشرها. وكان الصنف الطاغي فيها هو رسائل الحب، ونستعيد هنا رسائل كافكا إلى ميلينا، ونابوكوف إلى فيرا، وديكارت إلى الأميرة إليزابيث، ونابليون إلى جوزفين، وألبير كامو إلى ماريا كازاريس، وفرناندو بيسوا إلى أوفيليا كيروش، وهنري ميلر إلى أناييس نن، ورومان غاري إلى كريستيل، وبول إيلوار إلى غالا، وغيوم أبولينير إلى ليوم.

وإذا كانت أشهر هذه الرسائل في العالم العربي هي ما كتبه جبران خليل جبران إلى مي زيادة، وغسان كنفاني إلى غادة السمان، فإننا أمام نموذج آخر يختلف عنهما في طبيعة العلاقة بين المرسِل والمرسَل إليه. فعلى خلاف الحب المعلن من جبران وغسان نجد أنفسنا إزاء علاقة أخرى قد يكون الحب خلفية بعيدة لها، وقد لا يكون على الإطلاق. أما الإعجاب فهو واضح بالضرورة. هذا الشعور بالالتباس يحس به القارئ وهو يطالع رسائل ميخائيل نعيمة إلى ثريا حداد الصادرة حديثاً عن (دار بتانة في القاهرة)، التي أعدها للنشر أخوها سمير حداد، وراجعها وقدم لها الناقد والشاعر المغربي عبد اللطيف الوراري.

رسائل وهدايا 

كان ميخائيل في عامه الحادي والسبعين حين شرع يكتب رسائل إلى الأديبة الأردنية الشابة ثريا حداد، أستاذة الأدب العربي في جامعة جونز هوبكنز في ولاية ماريلاند الأميركية. وكانت حينها رئيسة رابطة راهبات الوردية في عمّان. وأشار الناقد المغربي في تقديمه للكتاب إلى أن رسائل ميخائيل نعيمة كانت في أغلبها ردوداً على مراسلات ثريا حداد القارئة والمعجبة بالأديب اللبناني نصاً وشخصاً. واستمر هذا التواصل عبر الرسائل لأربعة عشر عاماً، وكان نعيمة خلال تلك الفترة يقيم في معتزله الشهير في قريته بسكنتا.

 يورد الناقد المغربي في مقدمته أن بداية العلاقة بين نعيمة وحداد كانت كلماته التي أسرتها باعتباره أبرز رموز الرومانسية العربية، وتعمقت تلك العلاقة حين وصلته هدية ثمينة منها قال عنها في إحدى رسائله: "ستحتل هديتك مكاناً يليق بها في بيتي، وستبعث في نفسي، كلما نظرتُ إليها، أجمل التقدير لعواطفك النبيلة". ويطرح الوراري ذلك السؤال الذي قد يتبادر إلى كثير من القراء، "هل يمكن القول إن هذا الإعجاب تحول إلى حب؟ قد يكون كذلك، إذا فهمنا هذا الحب باعتباره شعوراً نبيلاً يغذيه تقدير الآخر والميل إليه، وليس قصة لها مقدمة ونتائج وجردة حساب".

تبدو الرسالة الأولى المؤرخة بـ 22 سبتمبر (أيلول)1961، رداً على رسالة سابقة من ثريا حداد التي تبدي فيها إعجابها بأسلوب الكاتب وأدبه. لذلك خاطبها بلغة عامة عادةً ما يستعملها الكتّاب وهم يتحدثون إلى معجبيهم. بل إنه على الرغم من لباقته في الخطاب مع قارئته، يحشرها مع الجميع، ويوجهها إلى قراءة أعماله كافة، من دون التوقف عند كتب بعينها، "يسرني أن تكوني في جملة أولئك القراء، وأن تعرفيني، إذا تيسر لك ذلك، في جميع مؤلفاتي لا في بعضها فقط".

لكن منذ الرسالة الثانية يكتسي الخطاب طابعاً حميمياً، فينقل الكاتب قارئته من خانة العامة إلى الخاصة، ونجده يقول في مستهل تلك الرسالة القصيرة، "من كان في قلمها من العذوبة والتقدير والإخلاص مثل ما في قلمك كان من الإثم أن تظن بأن رسائلها يمكن أن تحمل شيئاً من الضجر إلى نفسي". وربما يشفع له في الجنوح إلى الرقة والحنوّ اعتذارُه لها عن مقابلة صحافية كانت ترغب في إجرائها معه لصالح مجلة "دنيا المرأة". في الرسالة الثالثة المؤرخة بـ 5 ديسمبر (كانون الأول) 1961، ستتعمق هذه العلاقة، خصوصاً بعد تلقيه هدية منها. بل يمكن اعتبار هذه الرسالة القصيرة نصاً أدبياً جميلاً يُظهر فيه نعيمة الجماليات اللغوية المعتادة في نثره، "تبارك ذوقكِ، وتباركت اليد التي صقلت كِسَراً من أصداف خليج العقبة ومن زيتون فلسطين، ونضدتها في شكل مغارة احتوت المجوس والطفلَ يسوع وأمه، والنجم الذي اهتدى به يسوع إلى الطفل العجيب. ولم يفتها أن تنسق الألوان الطبيعية في الصدف بطريقة تضفي على المغارة شيئاً من روعة الظل والنور".

 في رسالته الرابعة، التي أرفقها برسم له، يدعوها إلى زيارته في بسكنتا، ويبدو أنها هي من تمنت ذلك في رسالتها السابقة. ويسر لها نعيمة بأن "الكلمة التي يلقيها الصوت الحي في الأذن الحية هي غير الكلمة التي يخطها القلم على القرطاس". بالتالي فقد كانت رغبة اللقاء المباشر مشتركة بين الطرفين.

 مكاشفات متقطعة

في هذه الرسالة بالذات، يشرع نعيمة في إزالة لقب قارئته المعجبة من ديباجة الرسائل. إذ سيخاطبها بدءاً من هذه الرسالة بالعبارة التالية "عزيزتي الآنسة ثريا"، فيما كان يناديها في الرسائل السابقة "عزيزتي الآنسة ثريا حداد".

في رسالتين متتاليتين منه يتوجه لها بالشكر على هداياها إثر زيارتها له في بسكنتا، تلك الزيارة التي تركت أثراً طيباً لديهما معاً، إلى حد أن نعيمة دعاها إلى أن تزوره باستمرار. وقد أخبرها أيضاً أنه على الرغم من كثرة انشغالاته الثقافية، تكون أولى الرسائل التي يفتحها من بين الرسائل الكثيرة المتراكمة على مكتبه هي تلك الموقعة باسمها.

كتب لها في 17 سبتمبر 1964 يخبرها أن اليوم الذي تزوره فيه يكون "يوماً تاريخياً"، خصوصاً أن زياراتها الثلاث إلى حد هذا التاريخ تزامنت كلها مع العاشر من أغسطس (آب). يقول في هذه الرسالة، "بقيتُ أياماً، بعد زيارتك الأخيرة، أترقب مكالمة تلفونية منك عن اليوم الذين تعودين فيه مع الراهبات". وفي الرسالة اللاحقة يخاطبها بالعبارة التالية، "عزيزتي ثريا" من دون صفة "الآنسة"، وإن كانت تستشيره في أمر زواجها، فقد أبدى لها مشاعر الحيرة طالباً منها أن تستشير قلبها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كانت الرسائل بين نعيمة وحداد مناسبة لإثارة بعض النقط التي تهم الأدب. فحين سألته مثلاً عن رأيه في المتنبي أخبرها أنه "شاعر ضخم" وأسبغ عليه صفة "البدوي المتحضر"، وقال عنه، "إنه شاعر عظيم، لكنه ليس إنساناً عظيماً".

في 8 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965، كتب لها رسالة هي الأطول في سلسلة رسائله، وربما طبيعة موضوعها هي التي جعلتها كذلك. فقد ناقش معها وضعها النفسي، هي التي عبرت له في رسالة سابقة عن عدم انسجامها مع بيئتها، وما تعانيه من تفاوت فكري مع المحيط. لذلك انبرى نعيمة يذلل هذه المشاق النفسية، ويعتبرها ضريبة اختلاف، وينتقد معها ما ساد المجتمع من نفاق وانفصام في السلوك.

تعاقبت الرسائل بين ميخائيل نعيمة وثريا حداد، على مدار 14 سنة، وإن بشكل متقطع. وكانت مواضيعها في الغالب مكاشفات وتبادل أدوار الإصغاء. ويبدو أن الكاتب قد اعتاد على أن تصله رسائل قارئته المعجبة تباعاً، "التحدث إليك أمر تطمئن إليه النفس في كل حين"، لذلك كان يعبر لها عن قلقه حين تتأخر في الكتابة إليه. في رسائله اللاحقة بات يشكو من صعوبة في الكتابة بسبب مشكلة صحية في أعصاب اليد اليمنى. وفي رسالته الأخيرة إشارة غير مباشرة إلى عجزه عن الاستمرار في التراسل مع ثريا، "يتبين لك من خطي مبلغ الصعوبة التي أصبحت أعانيها في الكتابة، فاعذريني وتقبلي أصفى شعائر المحبة".

رحل ميخائيل نعيمة في 27 فبراير (شباط) 1988، ورحلت بعده ثريا حداد سنة 1996. وقد أضاءت هذه الرسائل جوانب من حياة (وفلسفة) الكاتب اللبناني الشهير، غير أن القارئ قد يتساءل عن السبب في غياب عدم إدراج رسائل قارئته المعجبة ضمن الكتاب. ألم يكن حرياً بها أن تسلط مزيداً من الضوء على طبيعة العلاقة التي جمعتهما؟

المزيد من ثقافة