نجوى نصر تقارن  نقديا بين 9 ترجمات للنص الجبراني الانجليزي

يختلف المترجمون حتى التناقض... والمرجع واحد

الكاتب جبران خليل جبران (ويكبيديا)

من وظائف الجامعة أنها توفّر المعرفة الأكاديمية لمن يحتاجها، وهي المعين الذي يمدّ سائر طبقات المجتمع (الحديث) بأسباب تقدّمه ورقيّه. وإن رد قائل بأن الجائع والمظلوم والمكلوم والشريد والعليل لا يحتاج الى معرفة ولا هو يقوى على التماسها، نقول بأن المعرفة أول الدواء والغذاء، وحارس الأمة من الفناء روحياً ومادياً.

نقول ذلك في التمهيد لكتاب صدر للباحثة الجامعية اللبنانية نجوى سليم نصر، وباللغة الإنجليزية عن مكتبة لبنان والذي تعالج فيه المؤلفة مسألة الترجمة الأدبية من وجهة نظر ألسنية حديثة، نظراً لكونها أستاذة في مادة الألسنية باللغة الإنجليزية، منذ أوائل التسعينيات من القرن الفائت، وتتخذ من كتاب "النبي" لجبران خليل جبران، المصوغ بالإنجليزية الأميركية، بل صفحة واحدة من الكتاب مدوّنة أصلية من أجل دراسة ترجماتها إلى اللغتين الفرنسية والعربية التي قام بها تسعة مترجمين، على توالي الأعوام، منذ  صدور الكتاب في أميركا عام 1923،عن دار كنوف، وحتى عام 2008. والكتاب عنوانه الآتي: The prophet, Arabic & French Translations. A comparative Linguistic Analysis.

تتناول الباحثة المؤلفة في مقدّمة الكتاب (ص:17-26) الدواعي التي جعلتها تختار مدوّنة من كتاب النبي لجبران خليل جبران الذي وضعه بالإنجليزية وزيّن طباعته برسومه، وهي وقوعها على صفحتين كان جبران نفسه قد ترجمهما عن النص الإنجليزي، إلى اللغة العربية، ولم يتم ترجمته لأسباب شتى. وقد تساءلت عن الأسباب التي جعلت مترجمي الكتاب نفسه، إلى اللغتين العربية والفرنسية المستهدفتين من اللغة المرسلة (الإنجليزية) يختارون صيغاً تتفاوت من مترجم إلى آخر على الر غم من أن النص هو نفسه، بل الصفحة هي نفسها المعتمدة كمدونة، كما أشرنا. ومن ثم أستعادت الباحثة أهم ما توصل إليه علم اللغة المقارِن الحديث، بالاقتباس من أعمال أستاذة الترجمة كيرستن مالمكجاير من جامعة ليسستر، لا سيما بحثها المعنون"النظريات اللسانية والترجمة" و"علم الدلالة والترجمة " و"في إمكانية ترجمة ما لا يمكن ترجمته" وغيرها من الأعمال، وهو أن ترجمة النص الأدبي ليست مجرد عمل تقني فحسب، وإنما هو اقتراب المترجم، قدر الإمكان، من الإطار الثقافي والحضاري الذي انطلق منه النص الأصلي أو ما يسميه البعض برؤية إلى العالم (لطيف زيتوني، 1994، ص:37) والتي كان أشار إليها جورج مونان في كتابه "المسائل النظرية في الترجمة".

ومن ثم عمدت المؤلفة إلى وضع مستويين كبيرين لدراسة المدونات المترجمة عن النص الأصلي لجبران: المستوى المعجمي، والمستوى التركيبي، وفصلت تلك التي نقلت المدونة (والكتاب) إلى العربية، عن تلك التي نقلته إلى الفرنسية، وأفردت لدراسة المقارنات اثنين وعشرين جدولاً على امتداد الكتاب. وعلى الرغم من التباين في وجهات النظر، في ما خصّ قيمة كتاب "النبي" الأدبية وأثره الجمالي في اللغة الإنجليزية المكتوب فيها، بين كل من مي زيادة المبجّلة لأسلوبه الجديد، وبين خليل حاوي الذي رأى فيه مجرّد تراكيب مبسّطة تحاكي أسلوب التوراة والإنجيل، فإنّ حيازة الكتاب هذه السيرورة اللافتة، حتى بين ظهراني الكتب الأدبية الإنجليزية الأصيلة، فقد أوجب النظر في الأساليب أو الخيارات الأسلوبية التي لجأ اليها المترجمون في نقلهم الكتاب إلى لغتهم المستهدفة (L.C)، سواء العربية منها أو الفرنسية.

ولكن قبل أن نعرض للنتائج التي توصلت إليها الباحثة لدى مقارنتها الخيارات الأسلوبية التي قام بها كل من المترجمين التسعة، على التوالي: الأرشمندريت أنطونيوس بشير، ميخائيل نعيمة، ثروة عكاشة، يوسف الخال، نويل عبد الأحد، جورج شكور وألفرد المرّ، الأب يوحنا قمير، جميل العابد، سركون بولص، لا بد من التنويه بالجهد التنظيري الذي قامت به الباحثة نجوى سليم نصر من أجل إبراز التحديات التي تفرضها الترجمة، لا سيما إذا كانت تعنى بنقل نصّ أدبي يستدعي قراءة متأنية تأخذ في حسبانها تفكيك الرموز التي يتكون منها النص المقروء وتصنيف كائناته، على حد قول مايكل ريفّاتير.

ولما كانت دراسة الباحثة نجوى نصر صارمة في جدّيتها وجدّتها وموضوعيتها العلمية، فقد جاز لنا أن نعرض لأهم الخلاصات التي توصّلت إليها، على مدار فصول الكتاب، وهي الآتية:

أولاً- أنّ الترجمة، لا سيما إذا كانت نقلاً لعمل أدبي مميّز، تستلزم أن يكون المترجم حائزاً كفاية الكاتب ومهاراته، ذلك أنّ الترجمة تقتضي ارتقاء المترجم بأسلوبه إلى مستوى الكاتب والأديب الذي ينقل عنه.

وعليه يكفي النظر إلى ترجمة ميخائيل نعيمة المدوّنة المدروسة، ومقارنتها بترجمات سائر مترجميها إلى العربية.

ثانياً- أنّ الترجمة تستدعي إحاطة المترجم برؤية الكاتب في النص الموضوع للترجمة، وإلماماً بالإطار الحضاري والفكري الذي يصدر عنه - كاتب النص الأصلي أو المرسِل - بلغته الأم، من أجل أن يعمل على صوغ هذه الرؤية بما يعادلها باللغة التي ينقل إليها، وبإبداعيتها وتراكيبها الخاصة بها.

ثالثاً- أنّ الترجمة تقتضي من المترجم الفذّ والجادّ أن يتعامل برصانة مع كلّ مكوّنات اللغة المنقول إليها سواء أكانت عربية أو أجنبية؛ المستوى المعجمي كما المستوى التركيبي والصرفي - النحوي، كما التعابير شبه الجاهزة أو المبتكرة والتي تعادل تلك المكوّنات الأولى.

رابعاً- أنّ الترجمة الأدبية تستلزم من المترجم الانتباه إلى الصور الشعرية الماثلة في النص موضوع الترجمة، والتبصّر بكلّ ما يصنع جماليته، حتى يصحّ له أن يوجد لها معادلات في اللغة المستهدفة بياناً وبديعاً ومجازاً وتوازنات وتوازيات وغيرها مما يوفّر الجرس والإيقاع للنثر الأدبي.

خامساً- أنّ الترجمة وإن تكن مصوغة بلغة شخص واحد، هو المترجم الكاتب، فإنها تنبئ، بأسلوب هذا الكاتب وخياراته، بلهج اجتماعي معيّن ينتمي إليه خطاب المترجم، على حد اعتبار بيار زيمّا.

سادساً- أن الترجمة الجيّدة إثراء للنص المترجم، وإضافة مستحسنة إلى التراث الأدبي للغة المستهدفة.

فللكاتب المترجم الخيار بأن يترك أثراً موازياً بقيمته النص المترجم، أو يضمحلّ جهده فلا يبقى منه ما يذكّر به، على أنه محض صدى للنص الأصلي المترجم.

لقد كشفت الدراسة المعمّقة التي قامت بها الباحثة الأكاديمية د. نجوى سليم نصر عن أبعاد الترجمة من خلال المقارنة بين ما كان عليه النص الإنجليزي لكتاب النبي، لمؤلفه جبران خليل جبران، وبين مترجميه إلى اللغتين العربية والفرنسية، وما ينبغي أخذه في الاعتبار، لدى المفاضلة بين الترجمات بناء على معايير لسانية حديثة. وبعد، هل تتعزز الترجمة لدينا نحن العرب؟ وهل نمضي إلى الترجمات لنزداد بها علماً وأدباً وخبرات، أم لنتناقص حيال النصوص الأجنبية، واللغة العربية ولاّدة أساليب ورؤى وآفاق أدبية لا حدّ لها؟

المزيد من ثقافة