Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

غرويتويزن الذي دافع عن الفردية والبورجوازية في زمن الأفكار الجماعية

يوم انطلقت الأنثروبولوجيا الفلسفية من مقولة سقراط "اعرف نفسك بنفسك"

غرويتويزن (يمين) مع أندريه جيد (الصورة تخضع لحقوق الملكية الفكرية، موقع دار نشر Éditions Ismael)

ربما هناك سوء فهم ما ينبع أساساً من الاستخدام المجتزأ لمقولة سقراط "اعرف نفسك...". ذلك أن المقولة لا تستقيم إلا بما يكملها "... بنفسك". ومن المؤكد أن هذا الجمع لجزءي العبارة هو الذي شغل بال الفيلسوف والكاتب الفرنسي، من أصل ألماني، برنارد غرويتويزن (1880 – 1946)، فجعله يشتغل في كل بحوثه ودروسه ومؤلفاته انطلاقاً منها. وهو عمل يجد خلاصته في كتاب غرويتويزن الأساسي "الأنثروبولوجيا الفلسفية" الذي لم يصدر على أية حال إلا في عام 1953 بعد سبع سنوات من رحيل مؤلفه، لكنه لا يذكر إلا مع كتاب أساسي آخر له هو "جان جاك روسو" الذي صدر هو الآخر بعد رحيل المؤلف بثلاث سنوات. والحقيقة أنه لن يكون غريباً الدنو من هذين الكتابين معاً. فحتى وإن كان غرويتويزن لا يدنو من روسو في الكتاب الأول فإن شبح مفكر التنوير الفرنسي يبدو ماثلاً في الكتاب كما يبدو كأن المؤلف حرص على أن يجعل "الأنثروبولوجيا الفلسفية" نوعاً من التقديم لدراسة مفهوم الفردية وصعود البورجوازية في العصور الحديثة بدءاً من زمن روسو.

بدءاً من اللحظة السقراطية

بالنسبة إلى غويتويزن، وتحديداً في "الأنثروبولوجيا الفلسفية"، بدأت النزعة الإنسانية مرحلتها الأولى عملياً من اللحظة السقراطية المتعلقة بمعرفة الذات للذات، لتصل حتى مونتانيْ الذي أعطاها بعدها العملي الأساسي الذي مهّد في آن معاً لقيام عصر التنوير والثورة الفرنسية ومن ثم الصراعات التي خاضتها الفردية لتفرض نفسها لا سيما في القرن العشرين يوم تلاشت لصالح الأيديولوجيات الجماعية. ومن هنا فإن كتاب "الأنثروبولوجيا الفلسفية"، ومن دون أن يبدو عليه أنه دفاع عن الفردية في التاريخ الإنساني، يسعى إلى تحريها ومسارها من خلال الجهود التي بذلها الفلاسفة على مدى التاريخ للمزاوجة بين الاعتراف بدورها الفكري والاجتماعي، وضرورة الدفاع عن الحياة الاجتماعية الجامعة وإعطائها مبررات وجودها. بالاستناد إلى تلك الأنثربولوجيا الفلسفية التي ينظر إليها المؤلف بوصفها "تفكير الإنسان عموماً، والفلسفة خصوصاً حول الذات المفكرة"، والمسعى الذي قام به الفلاسفة من أفلاطون إلى مونتانيْ، مروراً بأرسطو والفلاسفة الإغريقيين – الرومانيين وأفلوطين وسانت أوغستين كما بالإنسان الأسطوري ثم الديني فالنهضوي والإنسانويين من أمثال دي كوزا وباراسيليس ولوثر وإيرازموس، من الذين تجمعهم، بالنسبة إلى تحليلات غرويتويزن، فكرة أساسية في نقطة المركز من مقولة سقراط وقد استعادت وحدتها: اعرف نفسك بنفسك: إن ما يهم في كل مرة هو السؤال الذي يطرحه الإنسان على نفسه لا الطريقة التي يجيب بها عنه.

روسو واعترافاته

وتلك هي على أية حال الفكرة التي يستند إليها ويزيد غرويتويزن من تعميقها، مرة في كتابه عن جان جاك روسو، الذي يجعل منه نقطة محورية في الانقلاب الأساسي الذي طاول الفكر الفردي، مستنداً إلى "اعترافاته" بأكثر مما إلى كتبه الفلسفية، ومرة أخرى في بقية مؤلفاته لا سيما كتابه الأساسي "جذور الفكر البورجوازي" الذي صدر عام 1927 أي في حياة المؤلف هذه المرة.

مهما يكن من أمر، يمكننا القول بصورة عامة إن مشكلة برنار غرويتويزن أساساً في أنه حين كتب مؤلفاته القيّمة حول الفردية في التاريخ، وتاريخية العقل، وروح الطبقة البروجوازية، من دون السير في تلك "الموضة" التي تقوم على إدانة تلك الطبقة، كانت في عالم الثقافة على الأقل، من المحرمات. من هنا كان الرجل على الدوام أقرب إلى الحياء الفكري وهو يقدم أعماله، على قلتها. وزاد من مشكلته أن الذين يفترض بهم أن يكونوا خصومه الفكريين، من مفكري الإيديولوجيات الجماعية، تجاهلوا تلك الأعمال، ليس احتقاراً لها بالطبع بل لأنهم - في أغلب الأحيان - لم يكونوا يملكون العدة الفكرية اللازمة لمقارعتها. إذ حين يحلل هذا المفكر صعود المجتمع البورجوازي، ويربط الثورة الفرنسية بنشوء الحساسية الفردية، ويؤكد - على عكس ما كان ينادي به الفكر في ذلك الحين - أن العقل ليس ثابتاً، بل متغير وله تاريخه الخاص، تكون تلك الأفكار من الجدة بحيث تثير الصمت أكثر مما تثير السجال.

نسيان معيب!
من هنا، ينظر الفكر الحديث إلى غرويتويزن باعتباره مفكراً أُغمط حقه ورمي، ظلماً، في نسيان معيب، وزاد من حدة ذلك النسيان أن هذا الكاتب رحل عن عالمنا عام 1946، في اللوكسمبورغ، في مناخ كان العالم يخرج فيه، لتوّه، من الحرب العالمية الثانية، وتصدح فيه أصداء الأفكار الجماعية. وحتى وجودية سارتر وغابريال مارسيل التي كان يفترض بها، أصلاً، أن تركز على الفردية، كانت تجنح إلى أفكار مثل الالتزام بالجماعة. أما السورياليون فكانوا توزعوا بين تروتسكيين وستالينيين. لهذا يقال عن غرويتويزن أنه غرد خارج سربه، واحتاج الأمر إلى بروز أعمال ميشال فوكو وفيليب آرييس في فرنسا، ولويس ممفورد حتى تعاد لغرويتويزن أهميته ونشر كتبه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فرنسي من برلين

ولد برنارد غرويتويزن في برلين العام 1880، وأمضى طفولته وشبابه وسنواته الجامعية في العاصمة الألمانية تلميذاً للفيلسوف الألماني ديلتاي، ثم زميلاً لفالتر بنجامن. وبعد تخرجه درّس الفلسفة في برلين نفسها قبل رحيله في العام 1933 إلى فرنسا، مستقراً فيها وكاتباً بلغتها مع نيله جنسيتها، قبل أن تدهمه الحرب العالمية الثانية ليجد نفسه مجبراً على الفرار إلى اللوكسمبورغ.
كانت أهمية غرويتويزن في عمله الجامعي ومحاولاته السجالية، أكثر منها - من الناحية الكمية - في كتبه نفسها، فهو لم يصدر في حياته سوى عدد قليل جداً منها. أما كتابه الأشهر "أساطير وصور" فهو لم يصدر إلا في 1947، أي بعد رحيله بعام.
على الرغم من تضاؤل عدد كتب غرويتويزن فإن المفكر أنطوان برمان، يقول إن هذا العمل كان من أكثر الأعمال الفكرية والفلسفية في القرن العشرين جدة، حيث أن غرويتويزن ورث عن أستاذه دلتاي "الاهتمام بإقامة سيكولوجية للفهم وتاريخ للعقل" بمعنى أن العقل لديه، كما لدى دلتاي من قبله، ليس معطى جامداً، بل كائن تاريخي في تبدل مستمر، فإذا كان لنا أن ندرس العقل وأبعاده، علينا أن نلتقطه في حركته التاريخية. وحين رسم غرويتويزن خيوط هذا التفكير "الجديد" - والجديد مع إحالته على دلتاي وهيغل معاً، وربما إلى فيورباخ أيضاً، ومع أن ماكس فيبر فكّره أيضاً وعلى طريقته الخاصة - كان الأمر أشبه بالبدعة كما أسلفنا. ولكن في ما بعد ومنذ سبعينيات القرن العشرين، لا سيما في ضوء الأشغال الفكرية الجديدة التي طاولت مقدمات الثورة الفرنسية، اكتشفت الحياة الفكرية كم أن غرويتويزن كان محقاً، في كتابه "الأنتروبولوجيا الفلسفية" كما في "جذور العقل البورجوازي"، حيث، وكما يقول أنطوان برمان، "جهد غرويتويزن لكي يحدد كيف بزغ، في أوروبا الغربية، مفهوم الفردية ثم مفهوم "البورجوازي" المرتبط به. ويبدو لنا أن هذين المفهومين - ودائماً بحسب برمان في معرض تفسير عمل غرويتويزن – "مرتبطان أساساً بالحضارة الغربية ويقتصران عليها" علماً أن بروزهما أوجد ظواهر لاحقة وشديدة الأهمية مثل "التكنولوجيا والرأسمالية والثورة الفرنسية". بهذا المعنى يكون غرويتويزن قد أعلن سابقاً عن تلك الثورة الفكرية الكبرى في هذا المجال والتي تشكل - بالنسبة إلى الكثيرين - إحدى المعالم الفكرية الأساسية للقرن العشرين.

المزيد من ثقافة