برنامج مارسيل غانم ترك فراغا في محطة "أل بي سي" ... لم يملأه البديل

منافسة "صار الوقت" مستحيلة مهما تعددت وسائلها

جمهور مارسيل غانم ليس جمهور المنوعات الخفيفة والكوميدية (صفحة مارسيل غانم على تويتر)

بلغ التنافس ذروته مساء الخميس 13 يونية (حزيران) بين محطتي "أل. بي. سي" و"أم. تي. في" اللبنانيتين الفضائيتين بعد قرار المحطة الأولى مزاحمة برنامج "صار الوقت" الذي يعده ويقدمه الإعلامي الشهير مارسيل غانم، عبر برنامج سياسي بعنوان "رؤية 2030" الذي يعده ويقدمه ألبير كوستانيان الآتي حديثاً إلى الإعلام التلفزيوني بعد تجربة سياسية في حزب الكتائب.

وبدا واضحاً أن محطة "أل. بي. سي" تصر على مواجهة نجمها السابق الذي تركها بعد خلاف مع مديرها بيار الضاهر وانتقل إلى منافستها الأولى "أم. تي. في"، بل بدت كأنها "تطارده" إعلامياً من أجل إفقاده نسبة من جمهوره الكبير الذي دأب على متابعته منذ سنوات (ربع قرن) في برنامجه السابق الشهير "كلام الناس" والذي كان الضاهر يعده واجهة محطته السياسية والإعلامية.

حاول الضاهر أن يزاحم برنامج غانم في الفترة السابقة عبر برنامج فني شعبي يملك جمهوره وهو "لهون وبس" الذي يعده ويقدمه الممثل الكوميدي الموهوب هشام حداد، ولكن ما لبث أن تبين للضاهر الحاذق في حساباته، أن حداد لم يستطع استمالة أو "سرقة" جمهور غانم على رغم ظرفه وهزليته ونقده اللاذع للسياسيين وتعليقه الساخر على بعض البرامج التلفزيونية.

 بدا واضحاً أن جمهور غانم ليس جمهور المنوعات الخفيفة والكوميدية، بل هو جمهور حقيقي، جاد، ومعني بقضايا السياسة والاقتصاد والمجتمع والعيش، لا سيما أن غانم نجح كعادته دوماً في وضع الإصبع على الجرح ومعالجة مشكلات سجالية مثيرة، وفي فتح ملفات شائكة وفضح بعض الخفايا والأسرار.

وعندما أدرك الضاهر أن حداد لم يستطع منافسة غانم نظراً إلى اختلاف جمهوريهما، قرر أن يواجه برنامج "صار الوقت" ببرنامج سياسي يتوجه إلى الجمهور نفسه. كانت "ضربة" الضاهر موفقة في اختياره وجهاً جديداً صاحب خبرة واختصاص في عالم السياسة والاقتصاد ولكن ليس في الإعلام هو ألبير كوستانيان.

وكان كوستانيان يطل في برامج سياسية حوارية عدة على الشاشات اللبنانية بصفته ضيفاً يمثل حزب الكتائب الذي كان يشغل فيه منصباً. وكان يجذب فعلاً المشاهدين المؤيدين له أو المختلفين معه، لرصانته وتحليله العميق ومعلوماته وسلاسته في الكلام وإبداء الرأي بهدوء واتزان.

وقبيل الاتفاق مع الضاهر لتقديم برنامج سياسي اضطر كوستانيان تعليق نشاطه الحزبي ليكون محايداً في توجهاته وموضوعياً وبعيداً عن الحساسيات اللبنانية المعروفة. وهكذا بدا فعلاً في حلقته الأولى من برنامج "رؤية 2030"، فاستضاف وجوهاً من مشارب وتيارات مختلفة بل متناقضة، وعقد بينها حواراً يصب في سياق نهج البرنامج الذي يضع مقولة "إنقاذ لبنان" هدفاً أول.

وكان منتج البرنامج ذكياً جداً في اختيار "بيت بيروت" ليجعل منه استوديو للبرنامج، فهذا "البيت" الذي تحول متحفاً يحمل ذاكرة الحرب الأهلية، يقع على أحد خطوط التماس في بيروت، وهذا يدل على أن غاية البرنامج الجمع بين كل اللبنانيين والمناطق.

 

حقق برنامج "رؤية 2030" هدفه وراح كوستانيان يجمع وجوهاً من حقول شتى، سياسيين ومثقفين وفنانين واقتصاديين ومؤرخين وعلماء اجتماع وعلماء نفس، ووسع دائرة القضايا المطروحة لتشمل الأوجه المتعددة للأزمات والمشكلات والشؤون التي يواجهها لبنان والشعب اللبناني.

إلا أن كوستانيان الجديد في ميدان الإعلام بدا يحتاج إلى حنكة التقديم وإدارة الحوار وإلى الليونة والبداهة ورد الفعل العفوي. صحيح أنه بدا في أحيان أذكى من ضيوفه وأكثر ثقافة ومعرفة منهم تبعاً لاختصاصه الأكاديمي، لكنه لم يستطع أن ينافس بتاتاً مارسيل غانم، الذكي والمحنك والديناميكي إعلامياً وصاحب الكاريزما الخاصة والمتفاعل مع الضيوف والقضايا.

وقد بدل غانم بنية برنامجه السابق جاعلاً من الاستديو ما يشبه "الهايد بارك" في استضافته جمهوراً من الطلاب الجامعيين والأساتذة والحزبيين الشباب الذي يمثلون أحزاب لبنان، وفتح أمام هؤلاء مجالاً لإبداء آرائهم ومناقشة السياسيين الذي يستضيفهم ومساجلتهم والاختلاف معهم.

وعندما أطل شقيقه الإعلامي جورج غانم بصفته ضيفاً دائماً في الجزء الأول من البرنامج قال بعضهم إن مارسيل يلعب اللعبة "الأهلية"، لكن جورج كان منذ إطلالته الأولى ناجحاً جداً في التحليل السياسي والاقتصادي الشامل وفي ربط القضايا بعضها ببعض واستخلاص العبر وكشف بعض القطب الخفية.

وأصبحت إطلالة جورج جزءاً حياً من البرنامج وبات ينتظره الجمهور ليستمعوا إلى تحليله الدقيق، المدعوم بالبراهين والوقائع. وفي إمكان جورج أن يستخرج من إطلالته الشفوية مقالاً أسبوعياً راهناً جداً.

من الممكن ربما المقارنة بين برنامج "صار الوقت" وبرنامج "رؤية 2030"، في هويتهما وتوجههما، ولكن من الباكر جداً المقارنة بين مارسيل غانم ابن المهنة وصاحب المراس الاعلامي الطويل، وبين ألبير كوستانيان المثقف والأكاديمي. وهذا ما تدركه حتماً محطة "أل. بي. سي".

المزيد من تلفزيون وإذاعة