Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هكذا تحدث المؤلف عن "وقائع موت معلن" عندما صدرت في ترجمتها الفرنسية

لماذا قال غارسيا ماركيز للصحافة الباريسية إنه لا يحب والدة سانتياغو نصار؟

مشهد من فيلم فرانشسكو روزي (موقع الفيلم)

أوائل عام 1982 عندما صدرت الترجمة الفرنسية من تلك التي ستصبح واحدة من أشهر روايات غابريال غارسيا ماركيز "وقائع موت معلن"، زار الكاتب باريس لمواكبة نشر الترجمة، وكان من الطبيعي يومها أن يجتمع به الصحافيون ويطرحون عليه أسئلتهم، بصدد تلك التي اعتبرت أقرب رواية كتبها ماركيز من التحقيق الصحافي، حتى ذلك الحين منطلقاً فيها كما سيفعل في عدد لا بأس به من "روايات" أخرى له، من وقائع حقيقية حدثت غير بعيد من مكان إقامته في وطنه كولومبيا، ولكن قبل نحو ثلاثة عقود من كتابته الرواية، بمعنى أنه زاوج فيها بين حسه الصحافي ونزعته إلى كتابة التحقيقات وبين أسلوبه الروائي الفريد.

في تلك المناسبة أدلى صاحب "مئة يوم من العزلة" بالعديد من التصريحات وأجاب عن عدد كبير من الأسئلة، ومع ذلك فإن تصريحه الذي استوقف الصحافيين أكثر من أي تصريح آخر، كان ذاك الذي قال فيه بكل وضوح وبساطة إنه أبداً لم يحب والدة سانتياغو نصار. ونعرف أن سانتياغو هذا هو الشخصية المحورية في الرواية، بل حتى الشاب الذي يعرف كل أهل البلدة أنه سيقتل بالفعل ومن هنا كان موته، وكما يقول عنوان الرواية أصلاً، موتاً معلناً.

إعدام متوقع

كان موت سانتياغو على يدي شقيقي فتاته متوقعاً ويعرف الجميع أنه سيحصل من دون أدنى ريب، وسانتياغو كان في مقدم العارفين لكنه مع ذلك تمسك بأهداب الأمل وراح يطوف هارباً من مكان إلى آخر محاولاً النجاة، لكنه كان يجد كل الأماكن مغلقة في وجهه، فهناك كثر كانوا يريدون له أن يموت عقاباً على ما فعل، فيما كان آخرون يتهربون من إنقاذه خوفاً من مطارديه، حتى حين وصل سانتياغو إلى باب بيته العائلي سعياً إلى الاحتماء فيه، وكانت أمه هي التي أغلقت الباب في وجهه مانعة إياه من الدخول، مسهلة لقاتليه الوصول إليه و"إعدامه"، هي التي نسمعها في أماكن عدة من الرواية تصرخ بلهفة قائلة إن ابنها هذا هو أكثر شيء تحبه في حياتها، "فهو رجل حياتي"، قالت لكنها أسهمت على طريقتها في قتله، وحين قال ماركيز إنه لم يحبها كان من الواضح أن فعلتها "الأوديبية" في رأيه هي ما كرهه فيها، وأضاف في أحاديثه الصحافية التي أشرنا إليها أن المشكلة تكمن في أنها "لم تشأ أن يكون بيتها بيت فضيحة إذ تحميه فيه، ناهيك عن أنها على أي حال لم تكن لتعتقد أن المطاردين سيصلون إلى حد قتله بالفعل".

وفي السياق نفسه كشف ماركيز أن أمه نفسها نصحته حين اكتملت الرواية بألا ينشرها إلا بعد موت والدة سانتياغو التي كانت تعرفها جيداً.

مناخ متوسطي

إذاً ما لدينا في "وقائع موت معلن" نص يتحدث عن وقائع حقيقية، ولعل هذا ما دفع المخرج الإيطالي فرانشسكو روزي، الذي كان معروفاً باقتباسه أفلامه من حكايات حدثت حقاً في مجتمعه الإيطالي، إلى الإقدام على أفلمة هذه الرواية، وقد استشعر ما فيها من حس شعبي ومن ارتباط بدينامية اجتماعية تقرب عوالمها من عوالم صقلية الإيطالية التي تقوم على مبادئ الثأر للشرف والحفاظ على العرض ووصاية الأهل على الابنة صوناً لأخلاقها، وهي المبادئ نفسها السائدة في العديد من المناطق المتوسطية بين مناطق أخرى، من دون أن ننسى هنا أن الشاب المطارد سانتياغو نصار الذي ارتكب "الفعل الفاضح" في حق حبيبته ينتمي أصلاً إلى عائلة لبنانية جبلية مهاجرة، كان يمكن أن تتصرف بدورها تصرف عائلة الشابين اللذين ثأرا من سانتياغو لشرف أختهما، ولنقرأ هنا في هذا السياق ما قاله ماركيز في التصريحات نفسها: "عندما أنجزت دبج هذا الكتاب كما كنت توقعت له أن يكون تماماً، ورحت أقرؤه بهدوء وروية، أدركت أنني قد دنوت فيه من موضوعة تنتمي إلى أميركا اللاتينية كما إلى إسبانيا بل إلى مناطق عدة من العالم، وتهم الناس أضعاف ما تهمهم المواضيع الأخرى الأكثر أدبية التي كنت معتاداً على كتابتها. شعرت أنني أمام كتاب شعبي حقاً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ذكريات لاحقة

ومن هنا، كما أكد ماركيز، لم يتردد ناشره في أصله الإسباني من أن يطبعه، بالنسبة إلى الطبعة الأولى، في مليون ونصف المليون نسخة، وهو ما لم يكن قد حدث بالنسبة إلى أي كتاب أميركي لاتيني من قبل، وعلى هذا علق ماركيز بأنه إزاء ذلك الواقع ولأن الكتاب ينتمي إلى الصحافة بأكثر ربما مما ينتمي إلى الأدب، شعر على الفور بأن الصحافة تستحق مثل ذلك النجاح، متذكراً أعمالاً من النوع نفسه أقدم الملايين على قراءتها في هذا البلد أو ذاك وبهذه اللغة أو تلك، ثم صفن وتمتم، "في يقيني أن الأدب الصحافي يستحق ذلك النجاح". وهنا سأله صحافي، "لكنك كتبته كرواية في نهاية الأمر". فكان جوابه السريع، "بل كرواية شعبية تستند إلى وقائع حقيقية بالكاد تدخلت فيها مهما يكن، ألا تعتقدون معي أن تأليف كتاب شعبي هو حلم لا يتوقف عن مداعبة خيال كل كاتب في كل لحظة من حياته؟ وأعني بالتحديد ليس كتابة أدب شعبي بل البرهنة على أن في إمكان الأدب أن يكون شعبياً على طريقته؟"، ولكن ما هو هذا الكتاب بعد كل شيء؟ هو ما يتذكره ويحكيه لنا راو وهو جالس بهدوء في مقعد تقاعده، حول أحداث شهدها بل عاشها قبل ذلك بـ 28 سنة في بلدته الصغيرة في مكان ما من القارة الأميركية اللاتينية، وتتعلق بظروف وتفاصيل مقتل رفيقه الفتى سانتياغو نصار.

وتنطلق تلك الذكريات من ذلك العرس الذي راح يحتفل به كل سكان المنطقة رقصاً وغناء. عرس الشاب بوياردو سان رامون على خطيبته الحسناء آنخيلا فيكاريو، وحين ينتهي العرس وسط صخب الجمع رجالاً ونساءً، شباناً وكهولاً بمن فيهم الراوي نفسه وصديقه سانتياغو، يعود العريس بعروسه إلى أهلها غاضباً. فقد اكتشف أنها ليست عذراء كما ينبغي لها أن تكون، ولا تلبث الفتاة أن تعترف لأهلها باسم مغويها: سانتياغو نصار.

انتقام أم عقاب؟

وهكذا لا يعود ثمة مفر من أن يقوم التوأمان بيدرو وباولو شقيقا آنخيلا بما عليهما أن يقوما به، الانتقام من سانتياغو الذي كان رفيقاً لهما بدوره، لشرف أختهما، فيتمنطق كل منهما بسكين ويقبعان في حانوت يواجه الباب الخلفي لبيت سانتياغو في انتظاره، على الرغم من علمهما بأنه بالكاد يستخدم ذلك الباب. وكان يقولان لكل من يسألهما عما يفعلان في مواجهة بيت سانتياغو، "هو يعرف ماذا نفعل هنا".

والحقيقة التي سيتأخر القارئ في معرفتها بعض الشيء هي أن آنخيلا هي التي تحث أخويها على الانتقام من سانتياغو، لمجرد أنه كان يهزأ بها خلال علاقتهما، ثم حين تقدم باياردو لخطبتها وكانت تتوقع منه أن يعارض ويسارع إلى خطبتها لدرء الفضيحة على الأقل، لم يفعل بل وهذا أدهى، راح خلال عرسها يرقص ويضحك وكأنه غير معني بالأمر.

ومن الواضح أن هذا الجانب من الحقيقة الذي يكشفه كتاب ماركيز وتحديداً عبر ذكريات الراوي، يحدث تبديلاً جذرياً في المعنى الحقيقي لكتاب يتحدث عن نحر الحب لا عن نحر المحب، ولعل هذا الواقع يعيدنا إلى الجانب المخفي إلى حد ما في رواية عربية معاصرة هي "خالتي صفية والدير" للكاتب المصري بهاء طاهر، لكن هذه الحكاية ربما تكون موضوعاً لمقالة أخرى.

أما هنا فنكتفي بهذه الإطلالة على هذا الكتاب الشيق الذي أصدره ماركيز كنوع من "استراحة أدبية" بعد أعمال عدة أولى كبيرة، كانت قد صدرت له حينها جاعلة منه واحداً من كبار كتاب النصف الثاني من القرن الـ 20، من دون أن يفوتنا هنا أن نقول إن الفيلم المقتبس عن "وقائع موت معلن"، والذي قام فيه الفرنسي آلان ديلون بدور سانتياغو نصار، يعتبر من أفضل الاقتباسات السينمائية من كتاب لماركيز.

المزيد من ثقافة