Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

باتريك موديانو "النوبلي" روائي الأمكنة المسكونة بالذكريات

نصّه الجديد "شوفروز" متابعة لبحثه الآسِر عن الزمن الضائع

الروائي الفرنسي الحائز نوبل باتريك موديانو (غيتي)

"للمرة الأولى منذ خمسة عشر عاماً، شغل اسم هذه المرأة عقله، جالباً معه ذكريات أشخاص رآهم حولها (...). حتى ذلك الحين، كانت هذه الذكريات تمر في مرحلة سبات طويلة. لكن هذه المرحلة انتهت، ولم تعد الأشباح تخشى الظهور مجدداً في وضح النهار. (...) وبما أنه عاجز عن إعادة عيش الماضي لتصحيحه، فإن أفضل طريقة لجعلها غير مؤذية وإبقائها بعيدة هي في تحويلها إلى شخصيات روائية". هذه الفقرة نقرأها في مطلع النص الروائي الجديد للكاتب الفرنسي باتريك موديانو (نوبل 2014)، "شوفروز"، وأصابت دار "غاليمار" التي أصدرته في نشرها على غلافه الخلفي، نظراً إلى تشكيلها خير خلاصة لمضمونه.

صرّح موديانو أكثر من مرة بأن كل واحدة من رواياته هي جزء من كلّ، أو فصل من رواية شاملة، من حياة. وفي ضوء ذلك، يشكّل هذا النص، القصير نسبياً، والشعري بامتياز، فصلاً جديداً من صرحه الروائي الآسِر، نطفو فيه داخل الذكريات الضبابية لشخصيته الرئيسة، جان بوسمان. نص يثير داخلنا منذ سطوره الأولى جملة أسئلة، أبرزها: لماذا تبدو كلمة "شوفروز" (Chevreuse) مألوفة لهذا الشخص، مثلها مثل المنطقة الفرنسية التي تحمل هذا الاسم؟ ولماذا عليه التحلّي بالصبر وبذل جهد كبير للتذكّر؟ ومن هي تلك المجموعة السرّية من الشخصيات المعتمة التي تتربّص به وتبدو كأنها خارجة من رواية بوليسية من الخمسينيات؟

لا أجوبة

مَن ينتظر من الكاتب أجوبة عن هذه الأسئلة داخل روايته، سيخيب ظنه، لا لشيء سوى لأنه يلتزم فيها، كما في جميع رواياته السابقة، بالمثل الشهير: "إن كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب". وفعلاً، يخيّم صمتٌ كبير على هذا النص الذي نتلقاه كقصيدة طويلة يتعمّد صاحبها فيها عدم قول كل شيء وبلبلة قارئه. لكن مما يقوله، نفهم أن الأمر يتعلق برجل يحاول التذكّر، ولذلك يتتبع آثار الماضي فيلتقي بنساء ملغزات ورجال خطرين، محاولاً فهم شيء رهيب حدث معه في ماضٍ بعيد.

حتى الآن، لا شيء جديداً، لأن جميع روايات موديانو هي مثل أحلام ــ أو كوابيس ــ تستعيد باستمرار مشاهد من الماضي وأجواءها المهدِّدة، لكن عبر ترتيب عناصرها بشكل مختلف في كل مرة. لكن في "شوفروز"، تندرج هذه العناصر للمرة الأولى داخل ترتيب واقعي أكثر منه استيهامي، لأن بطلها، مثل مبتكره، أوكِل خلال طفولته إلى امرأة، صديقة والديه، للاعتناء به، وهي المرأة نفسها التي تعود لتتسلّط على ذهنه وتثير ذكرياته. امرأة كانت تعيش في منطقة "شوفروز"، داخل منزل كانت تتردد عليه شخصيات غريبة لم يستبق منها سوى ذكريات ضبابية.

هكذا نرى بوسمان على طول الرواية، يحاول تتبع الخيط الغبِش لذلك المنزل الغامض حيث كان شاهداً خلال طفولته على أحداث مبلبلة، ساعياً بصبر وألم إلى إعادة تشييد صرح ذاكرته، متأرجحاً بين الحقب والأماكن، بين الوجوه والأسماء، ومستثمراً كل طاقته ووقته لإنعاشها، عبر تحقيقه خصوصاً في ما يدور داخل شقة يجتمع فيها مع حلول الظلام أشخاص سيئو السمعة. إعادة تشييد بطيئة وشاقّة تقوده في النهاية إلى طريق مسدود، من دون أن تشكّل مضيعة للوقت، لأن تيهه داخل الأماكن والأزمنة والتساؤلات لا يلبث أن يفضي به إلى كتابة رواية عن كل ذلك. وحين نحزر أن هذه الرواية هي نفسها التي نقرأها، نفهم أن موديانو، بجعلنا نتوه على دروب ذاكرته، يعرّي لنا في الواقع سيرورة إبداعه الحميمة بالذات.

وفعلاً، إلى جانب توظيفه مرة أخرى مهاراته النادرة في التلاعب بعقارب الزمن وخلط الذكريات من أجل إعادة ضبطها تدريجياً بشكل أفضل، يلجأ الكاتب في نصّه الجديد إلى شخصية رئيسة سبق أن تنقلت داخل رواياته السابقة، مثل "تقويم" (2002) و"الأفق" (2010)، ويُسقط المنزل الذي عاشت فيه طفولتها في الشارع نفسه الذي سكنه مع شقيقه، واستحضره في رواية "تخفيف العقوبة" (1988)، وهو ما يمنح "شوفروز" ذلك البعد السيرذاتي الذي تتحلى به جميع رواياته. لكن بما أن الحدود التي تفصل بينه وبين بطله تبدو هذه المرة أكثر شفافية، يشكّل نصّه الجديد، أكثر من أي نص سابق له، مفتاحاً لولوج عمله الروائي ككل وفهم سيرته.

بناء حلمي

لكن قيمة الرواية لا تقتصر على ذلك، بل تكمن أيضاً في طريقة تشييدها على شكل حلم. إذ تنتظرنا داخلها أشياء تتكرر بشكل غير متعمّد، وأفعال يقترفها بطلها من دون أن يدري لماذا، ومزيج من المصادفات الغريبة والأحداث المنطقية، وقصص عاطفية سريعة ومتتالية، وعمليات فرار مفاجئة بالسيارة ثم عودة إلى نقطة الانطلاق... وهو ما يقودنا إلى جانب آخر مهم فيها، جانب ملغّز يمنحها صلة قرابة مع الأدب البوليسي.

ففي العديد من المناسبات، يطغى على أحداثها مناخ مقلق، وأحياناً مهدِّد. وإضافةً إلى البحث عن كنز الذي يقوده أشخاص ثلاثة سيئو النية انطلاقاً من المنزل الذي عاش بوسمان طفولته فيه، لدينا فندق في أسفل منطقة مونمارتر الباريسية تحدث فيه أشياء غريبة، وشقة على ضفة نهر السين تنيرها عند المساء أضواء المراكب العابرة، وخط هاتفي مهجور تستخدمه شبكة من الأفراد المشبوهين لتحديد مواعيدها، وشاب عشريني يلاحقه الأشخاص الثلاثة الذين سبق ذكرهم ويشعر تجاههم بهشاشة وقوة في الوقت نفسه، وطفل لا أحد يصغي إليه لكنه يرى كل شيء...

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لا يكتمل عرض الرواية من دون الإشارة إلى القواسم المشتركة التي لاحظها عدد من النقاد بينها وبين رواية مارسيل بروست، "البحث عن الزمن الضائع"، كتشابُك مراحل الطفولة والمراهقة وسن الرشد من حياة بطل كل منهما، أو القيمة الحميمية لبعض الأشياء الموزّعة هنا وهناك داخل عملية السرد (ولاعة معطّرة، حبوب وردية تبتلعها واحدة من الشخصيات بانتظام، ساعة يد متعددة العقارب، كتاب لا يفارق بوسمان...). وإلى هذه القواسم، يمكننا أن نضيف ذلك الترحال المتكرر بين باريس ومنطقة ريفية محددة، وقصص الحب الخاطفة التي لا تتجاوز بداياتها، وخصوصاً مسألة أن الشخصية الرئيسة في كل من هذين العملين، كاتب في طور إنجاز رواية، هي نفسها تلك التي نقرأها.

يبقى أن نشير إلى أن بعض النقاد المتعوّدين على الأنماط الأدبية الرائجة، عبّروا عن خيبتهم من خاتمة "شوفروز" التي تبقى مفتوحة على المجهول. وفاتهم بالتالي أن موديانو، الذي لطالما تجاهل هذه الأنماط، سعى بالأحرى في هذه الرواية إلى إظهار أن "خاتمة الدرب ــ أي درب ــ هي غالباً أقل أهمية من الحجارة التي تعبّده".

لذلك، حين ننتهي من قراءتها، نبقى بمعظمنا أسرى عالمها الملغز والفاتن، وأسلوبها الشعري البسيط والمكثّف في الوقت نفسه، وتلك اللاطمأنينة التي تلفّ أجواءها، من دون أن ننسى خلطة الحلم والواقع داخلها التي يعرف موديانو وحده وصفتها وتمنح جميع نصوصه نكهتها الفريدة.

المزيد من ثقافة