Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"كونيمارا" رواية الحب المستعاد في أزمة منتصف العمر

الروائي الفرنسي نيكولا ماثيو الفائز بغونكورينتقد سيطرة الهموم المادية على الأحاسيس الداخلية

الروائي الفرنسي نيكولا ماثيو (صفحة الكاتب - فيسبوك)

في مطلع عام 2019، بعد فوزه بجائزة "غونكور" عن روايته "أولادهم من بعدهم"، احتفل المركز الثقافي الفرنسي في القاهرة بحضور الكاتب الفرنسي نيكولا ماثيو، وأقام له حفلة توقيع وأمسية لمناقشة الرواية الفائزة، فتحدث عن تجربته مع كتابة هذا النص الذي مثل بالنسبة له مرحلة من الماضي أراد أن يسجل تفاصيلها حول مجموعة من المراهقين الذين يعيشون في منطقة شبه معزولة ويحلمون بتغيير هذا الواقع، لكن ليس هناك أي مقومات تساعدهم على القيام بالتغيير، لذا تمضي الحياة برتابتها المعهودة، فلا تحمل جديداً بالنسبة لهم. واعتبر النقاد أن هذه الرواية من الروايات الأكثر تمثيلاً للتحولات السياسية والاجتماعية التي طاولت المشهد الفرنسي في سنوات التسعينيات.

لا يبتعد نيكولا ماثيو في شخصيته التلقائية وإجاباته المباشرة عن ذاك المراهق الحالم الذي يشبه أبطاله، وهو لا يتنكر له ولأفكاره، يقول: "إن ثمة جزءاً منه في تلك الرواية"، التي تحكي عن الحياة العادية في بلدة بعيدة تتشابه مع بلدات أخرى. وربما هذا هو سرها وقدرتها على الوصول للقراء والحصول على جائزة "غونكور"، رواية وضعت كاتبها في دائرة الضوء الأدبي وهو في الأربعين من عمره، لطيف ومتواضع وقادر على التحدث بأسلوب غير مصطنع.

عشاق خائبون

بعد مرور ثلاثة أعوام على صدور "أولادهم من بعدهم"، يعود ماثيو في هذا الموسم الأدبي برواية "كونيمارا" (دار أكت سود)، ويبدو في هذا العمل غير منفصل أيضاً عن مراجعة الماضي وعلاقته بالمكان. هو مهتم في كتابته بالأشياء والأماكن والأحداث التي تربط وتفصل بين الناس، لذا يستحضر في رواياته الأماكن التي يحدث فيها تواصل اجتماعي بين البشر مثل المصنع أو المقهى أو النادي الرياضي، والحانة الصغيرة. يستحضرها كلها من وجهة نظره التي هي أشبه بجسر يربط بين الأشخاص ويقربهم بعضهم من بعض، أو على العكس، يباعد بينهم.

في " كونيمارا"، يعود ماثيو بشكل آخر إلى سنوات الصبا، ولكن مع بطلين عاشا سنوات صباهما في التسعينيات: هيلين، وهي سيدة متزوجة على حافة الأربعين من عمرها، لديها ابنتان، ومنصب وظيفي جيد جداً، تأتي في زيارة إلى بلدتها بسبب معاناتها من الاكتئاب وضغوط العمل، ثم كريستوف الذي عرفته أيام الدراسة، يظهر مرة أخرى في حياتها، فتتذكر جيداً أنه كان أحد نجوم المدرسة، وكانت الفتيات يقعن في هواه. تتقاطع المسارات بينهما بعد غياب عشرين عاماً في لحظة مضطربة من حياة كريستوف، وهو يعيد ترتيب حياته بعد الطلاق، يضع خططاً بعيدة المدى، ويطمح إلى أن يعود لممارسة رياضة الهوكي، وأن يحقق نجوميته من جديد. يخاطب نفسه قائلاً: "على الرغم من كل ما حدث، عليك أن تعيش، أن يكون لديك أمل، على الرغم من العد التنازلي لسنوات الشباب، والشيب الذي زحف إلى رأسك، سوف تأتي أيام أفضل".

تطرح الرواية فكرة إيقاظ الحب القديم، وأن تكون أحاسيس المرء عالقة في الماضي، نتيجة خيبات الحاضر. يوظهر الكاتب تعاطفاً كبيراً مع أبطاله، ويقدم فكرة جوهرية مهمة تتعلق بالحنين الذي يرتبط ليس فقط بمرحلة ماضية من الزمن، بل أيضاً بالأشخاص الذين كبروا قبل حلول الألفية الجديدة. إنهم الآن شهود على تحولات كبيرة تحدث حولهم، يجارونها من دون أن يتمكنوا من استيعابها، ولذا تتحرك مشاعرهم بسهولة نحو الأمس البعيد، ويصير الشغف كامناً في سماع أغنية" قديمة على الراديو، تكفي لاستعادة الذكريات واستئناف الحب والأمل في حدوث بداية جديدة.

في كل فصل يصف ماثيو حقبة التسعينيات، ويتوقف عند التفاصيل الإنسانية في العلاقات والتواصل، إنها مرحلة تختلف تماماً عن اليوم، وهو يود استعادة مرحلة ما من خلال أبطاله، وتقديم رؤيتهم للماضي، وللحاضر أيضاً بكل تحولاته، خصوصاً في ما يتعلق بفكرة "الرومانسية"، التي لا تخلو من خيبة أمل كبرى، مع الوعي بأن عجلة الزمن لا تعود إلى الوراء، والشباب قد مضى، من دون إشباع كامل لتلك المرحلة. البطلان في روايته ليسا في مرحلة توهج الشباب، لكنهما أيضاً لم يتقدموا في السن بعد، لذا يطرح ماثيو أيضاً وبشكل مباشر، أزمة منتصف العمر، حين يقف المرء لينظر إلى سنوات عمره الماضية بحسرة، ويتطلع إلى المقبلة، مع أمل في حدوث تحول كبير يمنح السعادة.

عالم مادي

ينتقد ماثيو سيطرة العالم الرأسمالي، والتحولات الاجتماعية السريعة التي أبعدت فكرة الأحاسيس الداخلية والذاتية عن مركز الصدارة، في مقابل اللهاث نحو المادة. بطلة الرواية هيلين هربت من بلدتها الريفية، جرياً وراء الحياة المرفهة، وكي تتمكن من تحقيق أحلامها بالقفز من طبقة اجتماعية إلى أخرى. وكان لها ما أرادت، وعلى الرغم من ذلك تحس بفراغ وخذلان كبيرين داخلها: "بمجرد عودتها من المطبخ، شعرت بإحساس هائل بالتعب. في الطابق العلوي، استمرت الدراما النفسية لمدة دقيقة أو دقيقتين، ثم هدأت بعد البكاء والنشيج بعمق. سمحت هيلين لنفسها بشرب كأس آخر. منذ متى شعرت وكأنها مسؤولة عن كل شيء، وحيدة في مواجهة المتاعب؟ صحيح أنهما كانا يكسبان المال الوفير، مما يسمح لها بتحمل تكاليف خدمات مربية، ومدبرة منزل، وأخذ القمصان إلى عمال التنظيف الجاف، وإسناد الحديقة إلى شركة متخصصة، لكن هذا لم يغير المحصلة النهائية. إنها غير سعيدة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما كريستوف الذي يعمل في إحدى شركات توريد أغذية الكلاب، فقد اختار الزواج والبقاء في البلدة، لكنه يخفق أيضاً في اختياراته. كلاهما لديه معاناته من الزواج الذي لم يبقَ منه إلا ذكرى البدايات الجميلة. كلاهما يعاني الأيام المتتالية والرتيبة، كلاهما حزين في أعماقه، يدور في متاهة الخواء العاطفي، والتعب المهني اللامتناهي. وفي مقابل هذا هناك الإطار الاجتماعي، والسؤال الداخلي عند كليهما، حول اختيارات القدر، لذا عندما تتقاطع مصائرهما، يركض كلاهما لاهثاً نحو الآخر، في محاولة للتقريب بين العالمين.

اللحظة الآنية

يمزج نيكولا ماثيو بين الحاضر المرتبط بالماضي، والماضي المرتبط بالحاضر، مما يجعل من السهل فهم تقلبات اللحظة الآنية، وتقدير أسباب الفرح العابر الذي يشق طريقه من تحت ركام اللون الرمادي للواقع. إنه فرح لا يمكن تخمينه يداهم البطلين، فرح لا يشبه إلا نفسه، لذا يتغلغل الحنين في صفحات "كونيمارا"، مع استدعاء أغنية ميشيل ساردو، المأخوذ اسم الرواية منها: "بحيرات كونيمارا". أما كونيمارا الواقعية التي ألهمت ساردو ونيكولا ماثيو، فهي منطقة تقع في غرب إيرلندا في مقاطعة غالواي، وتتميز بعزلتها بسبب سيطرة الجبال والبحيرات على طبيعتها.

يناقش ماثيو فكرة طبيعة العلاقة مع العمل وما يحدث داخل الشركات الخاصة من خلال شخصية هيلين، وسيطرة الشراهة لمزيد من الأموال عند الإنسان المعاصر. يتساءل عن فكرة السعادة، وأسبابها، فما الذي نحتاج إليه لنكون سعداء؟ هل الانتقال من البلدة إلى المدينة؟ أم البقاء في مكاننا الأول يجعلنا أكثر انتماءً؟ كريستوف لم يغادر وظل يعيش في منزل والده مع زوجته وابنه، ثلاثة أجيال تحت سقف واحد، ثم بعد طلاقه ظل بلا زوجة ولا أم، مع أحلام غير متحققة، يشعر بالخيبة كما هيلين، التي غادرت البلدة وحققت كل أحلامها.

نيكولا ماثيو يروي صعوبة إيجاد مكاننا في خضم المادية والعنف الذي يغزو العالم، يتساءل عن المكان الأول الذي يشدنا للعودة إليه، والحب الذي يتبدد بمرور السنين. والأهم من ذلك كله محاولة التحديق عميقاً في داخلنا لمعرفة ما نريده حقاً، وما الذي يمنحنا اليقظة والتوازن.

المزيد من ثقافة