Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أشرف العشماوي يستدعي المهمشين ويكشف مظاهر التزييف

رواية "الجمعية السرية للمواطنين" تسترجع قضية لوحة فان غوخ التي سرقت من متحف محمود خليل

متحف محمود خليل في القاهرة الذي سرقت منه لوحة فان غوخ "زهرة الخشخاش" (صفحة المتحف - فيسبوك)

"الحياة جديرة بالاهتمام إذا لم تكن عاقلاً". هذه الدعوة إلى عدم الاكتراث، استهل بها الكاتب أشرف العشماوي روايته "الجمعية السرية للمواطنين" (الدار المصرية اللبنانية) وذيَّلها بتوقيع شخصيته المحورية المتخيَّلة "معتوق رفاعي". وقد أذاب منذ بداية السرد، الحدود الفاصلة بين الواقعي والمتخيَّل، في رحلة سردية، أهداها إلى "أولئك البعيدين عن المركز، الذين يتكدسون في الحواشي، ورغم ذاك التكدس، لا تلقي لهم عينٌ بالاً. تصير حيواتهم، مجرد محاولات للنجاة وحسب، وتنقضي أعمارهم من دون أن يعيشوها".

قرر الكاتب استخدام صوت مركزي "الراوي العليم"، وبناء دائري يماثل في دورانه مسارات التاريخ. يبدأ السرد بما آلت إليه الأحداث قبيل نهايتها، سالكاً درباً من التشويق، عبر تنحية النهاية، وإرجائها إلى موضعها الطبيعي في البناء.

استدعت دائرية البناء؛ تدفق السرد عبر بدايتين؛ إحداهما باجتماع استثنائي لأعضاء الجمعية السرية، أعقبته عودة زمنية إلى الخلف، حيث البداية الأولى للأحداث، التي استهلها الكاتب بسرقة لوحة "زهرة الخشخاش" لفان غوخ، من متحف محمود خليل وحرمه في مصر. ويواصل منهجه في مزج الواقعي بالمتخيَّل، من خلال استلهامه قصة سرقة لوحة "زهرة الخشخاش". وما تكرر إثارته حول تلك اللوحة منذ سبعينيات القرن الماضي، من أن النسخة الموجودة في المتحف؛ نسخة مزيَّفة. حتى تمت سرقتها بعد ذلك بشكل بدائي وفي وضح النهار. يقيم العشماوي على القصة الحقيقية لسرقة اللوحة؛ بناءه السردي.

بين الواقعي والتاريخي

يترك  الروائي لمخيلته العنان في نسج الأحداث، التي تواترت عبر فضاء زمني، امتد منذ 1976، وحتى عصر الرئيس السابق حسني مبارك. واختار "عزبة الوالدة" في حلوان (جنوبَ القاهرة) لتكون فضاءً مكانياً للسرد.

وقد تمكن عبر هذه العزبة، التي استمدت اسمها من اسم قصر بناه  الخديوي إسماعيل، من أجل والدته "الملكة هوشيار خاطر"؛ من نسج خط مواز من السرد التاريخي. استعاد من خلاله فترة حكم الخديوي إسماعيل،  ليمزج من جديد بين التاريخي والواقعي ويمرر إسقاطات سياسية، كاشفاً عن تاريخ لا ينفك يعيد نفسه، عبر دوراته المتوالية، وينتج المأزومية ذاتها. يتشارك الماضي والحاضر ثنائيات الخير والشر، والقوة والضعف. ويثمر كلاهما غدراً يتجرعه إسماعيل المفتش بيد أخيه بالرضاعة الخديوي إسماعيل، حين قتله بسبب خلافاتهما المالية. بينما يتجرع "معتوق الرفاعي" الكأس ذاتها، بيد صديقه وجاره غريب أبو إسماعيل، الذي سرق إبداعه ونسبه لنفسه. ثم استخدمه في سرقة "زهرة الخشخاش"، من دون أن يعطيه نصيبه من ثمن اللوحة المسروقة.

الكوميديا السوداء

يكتسب السرد في مواضع عدة من النسيج؛ مزاجاً ساخراً. وصنع الكاتب من خلاله مفارقات دالة، حين صبغت سخريته أحداثاً ذات طابع مأساوي. من بينها سرقة اللوحة من المتحف، وضياع كنز من كنوز الوطن. وما حدث من مساعدة عناصر الشرطة، الذين قاموا بدفع السيارة المعطلة، التي تحمل اللوحة المسروقة، بعد أن انطلت عليهم خدعة اللصوص. كذلك بدت السخرية في ملاحظة "معتوق" أثناء وجوده في مستشفى للأمراض العقلية؛ زيادة أعداد النزلاء من النساء. وتفسيره ذلك بما يعانيهن في المجتمع على أيدي الرجال. ومرة أخرى في سرقة ملابس الجيران، ثم إعادتها. وقد اتسقت هذه الكوميديا السوداء مع ما اعتمده الكاتب من المزج والجمع بين المتناقضات، بين الحقيقي والمتخيل، الواقعي والتاريخي، السخرية والألم، القبح والجمال، الشرف والخطيئة، ليمرر عبر كل تلك التناقضات حالة كبيرة من الزيف، توحشت وتسللت إلى كل شيء، بداية من لوحة "زهرة الخشخاش" المقلدة، مروراً بالنقود، والأوراق الرسمية المزيفة كشهادات الميلاد والتخرج، وكذلك حقيقة الشخوص.

قضايا اجتماعية

المحامي ليس إلا طالب حقوق راسب. والطبيب لا صلة له بالطب. العاقل يدعي الجنون. والسارق يدعي الشرف. وفقير الموهبة يبيع لوحات أبدعها آخرون، موقَّعة باسمه. والحقيقة غائبة، غارقة وسط سيل من الزيف والكذب. هذه الثيمة التي تخللت جنبات النص، كانت وسيلة الكاتب للعبور نحو العديد من القضايا الاجتماعية ولنكأ مزيد من الجروح النازفة منذ انفتاح السادات، كالغلاء، التضخم، رفع الدعم عن السلع، الغش التجاري وبيع اللحوم الفاسدة وذبح القطط والكلاب، سرقة الأعضاء، رواج المخدرات، تردي التعليم، الاختلاس، تجسس الكل على الكل، الأعراف الفاسدة، القبلية، المحاكمة الاجتماعية للأبناء على ما اقترفه الآباء.

امتد منهج الكاتب في المزج بين المتناقضات إلى تقنياته وحيله السردية التي زاوَج عبرها بين استرجاع لجأ إليه لاستعادة مأساة "معتوق" في طفولته، واستباق ما ستؤول إليه لوحته من اتساع وما ستحويه من شخوص. كما لجأ إلى إبراز تقنيات التناظر والتماثل بين ضعف "معتوق" أمام "غريب"، وبين القط الهزيل أمام الكلب الضخم، عذابات "معتوق"، وعذابات فان غوخ، حبه لـ "راوية" الذي لم يكتمل، وحب الخديوي إسماعيل للإمبراطورة أوجيني. في حين أبرز التقابل بين الجمعية السرية والحكومة، فالأولى تدعم المواطنين مادياً وتكفلهم، وإن كان دعمها من مصادر غير مشروعة، بينما تنفض الثانية يدها عنهم.

تقنية الحذف

وُفق الكاتب في استخدام تقنية الحذف من أجل الإسراع بالسرد، لاسيما خلال مدة بقاء "معتوق" في مستشفى المجانين. فأبرز ومضات قليلة من عشرة أعوام خلف أسوار المستشفى، ليتجنب الوقوع في فخ الإطالة التي لا تخدم النص. في حين عمد مرات إلى إبطاء حركة السرد، عبر بعض الوقفات الحوارية والاستراحات الوصفية. وكان لها أغلب الوقت وظيفة تفسيرية؛ عزَّزت غاية العشماوي في رصد القبح الذي طرأ على الواقع وما يعانيه المهمشون من قسوته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تميز أسلوب الكاتب بالمشهدية الفائقة؛ مما أتاح له إمكانية تجسيد الأحداث وإكسابها صفات الحركة والآنية والحياة. وكانت كذلك وسيلة ناجعة للإحالة، وإنتاج الدلالة كما في استخدامه عبارة "الإخوة المواطنون"، وأيضاً في دلالات أسماء الشخوص (معتوق، راوية، مينا، زهرة، غريب، شنكل ...). ولم يكتف العشماوي بالإحالة اللغوية وإنما استخدم نماذج من شخوصه لتحقيق غاياته الدلالية ذاتها وهذا ما بدا في شخصية "مدحت" الصيدلي وآرائه ومواقفه غير الواضحة، وانحيازاته غير الثابتة، التي تحيل إلى موقف بعض جماعات الإسلام السياسي، تلك التي تتلوَّن وتتغيَّر خياراتها وفقاً لمصالحها.

لجأ العشماوي إلى التناص مع الموروث الديني والشعبي، مما عزَّز من جمالية السرد وزاد من جاذبيته. كذلك مرَّر ظلالاً ورؤى فلسفية، تدور في فلك الحقيقة الغائبة، القلب الذي لا يشيخ وإن شاخ الجسد، البكاء الذي يعلن عن الحياة، و"بالون" الظلم الذي لا ينتفخ إلا بالخوف. ومرَّر أيضاً ظلالاً نفسية تتصل بالإزاحة كحيلة نفسية غير مباشرة، انتهجها أبطاله لتخفيف وطأة معاناتهم وصراعاتهم الداخلية... "الغالبية في ضيق والكل على وشك الانفجار في وجه الأضعف بعدما فرغ من الانحناء أمام القوي" ص 122.

الحلم والرمز

استخدم الكاتب تقنية الحلم لتعرية هواجس الشخوص ومخاوفها، وسبر أغوارها، ومحاولة زحزحتها عن الهامش. واستخدم الرمز لإنتاج الدلالة وتمرير الرؤى. وهذا ما بدا في التقاطه صورة القط الهزيل، الذي لم ينجح في مواجهة الكلب الضخم، إلا بمؤازرة غيره من القطط، وإن شاركته الضعف نفسه. وكانت هذه الصورة بمثابة تمهيد لما تلاها من أحداث. كذلك مرَّر تساؤلات جدلية عن الاعتراف كوسيلة للتطهر، بينما يعتبره القانون قاعدة الإدانة وسيد الأدلة.

 ورغم تصدر الزيف كثيمة رئيسة للنص، وتشارك الشخوص في اقتراف الخطأ، نجح الكاتب في أن يطلي أخطاءهم بالتعاطف المبرر كنوع من الانتصار الضمني للضعف الإنساني. ومحاولة لمحاكمة الجناة الحقيقيين الذين يفرون دائماً من العقاب. كما أنه - وسط قتامة المشهد- زجَّ بومضات مضيئة تعبر عن الجوهر الحقيقي للمجتمع المصري. وبدا ذلك في تكافل أهل العزبة، وإسراعهم بتقديم العون لكل من يحتاجه منهم، رغم الفقر الذي ينهش أجسادهم،  حتى ليجد القارئ نفسه بين شخوص يعرفها، وينجذب إليها، ويتماهى معها. ثم توَّج الكاتب هذه المشاركة الفاعلة من جانب المتلقي، بنهاية مفتوحة، منح حق تقريرها للقارئ والتاريخ.

المزيد من ثقافة