Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الصحف السعودية تترنح بين ضرورة الإصلاح وطلب الدعم الحكومي

رئيس تحرير جريدة الجزيرة: بعض الجهات الرسمية حجبت الإعلان في الصحف ومن دون دعم كل خطط التطوير بلا قيمة

تواجه الصحف السعودية أزمة حادة في انخفاض الإيرادات والإشتراكات (اندبندنت عربية)

ليس سراً أن الصحافة السعودية تمر بمرحلة اقتصادية صعبة، إلا أن خبراً نشرته قناة "العربية" عن نية جريدة الجزيرة الشهيرة في الرياض تأجير مبناها الرئيس كان بمثابة الإنذار بأن الأزمة بلغت ذروتها.

وفي حين لم تعلق الصحيفة على الخبر علناً، أكده خالد المالك، رئيس تحرير الصحيفة لـ"اندبندنت عربية" وأضاف "تم إيجار نصف المبنى، في حين احتفظت الصحيفة بالنصف الآخر مقراً لمكاتبها".

واستطرد المالك أن توجه جريدة "الجزيرة" لإيجار نصف مقرها الواقع في حي الصحافة في العاصمة ليس جديداً بالنسبة إلى الصحف السعودية، التي أقدم بعضها على هذه الخطوة بهدف توفير موارد مالية، ويأتي في إطار تقليص النفقات والاستفادة من الموارد المتاحة.

وقال المالك إن "كثيراً من الصحف الورقية اتخذت إجراءات عدة لتقليص النفقات، بعد أن انحسر الإعلان، حتى وصل الأمر بها إلى المساس بما كان يصرف على عناصر القوة فيها، سواء استقطاب للكفاءات الصحافية والكتاب".

وعلى الرغم من أن الصحافة كانت ولا تزال مصدراً للمعلومات الموثوقة، إلا أن كثيراً من مؤسساتها في السعودية تعاني من قلة الموارد المالية، والبعض منها شارف على الإفلاس. فالثورة المعلوماتية وظهور الهواتف الذكية وبرامج التواصل الاجتماعي أحدثت تغييراً عميقاً في مكانتها لدى المتلقي، لا سيما وأنها ظلت لسنوات لم تواكب التغيرات السريعة لوسائل التقنية، ما أسهم في سحب البساط من تحت أقدامها، خصوصاً في ما يتعلق بسرعة انتشار الخبر ووصوله للمتلقي، إذ ظلت لسنوات تعمل بالوسائل التقليدية، الأمر الذي أسهم في تحجيم دورها وتقليص الإقبال عليها سواء من الجمهور أو المعلن.

وواكب التدهور في وضع الصحف المحلية التقليدية جدل في الأوساط الإعلامية، فمنهم من رأى الحل في الدعم الحكومي لتعود إلى مكانتها السابقة، وآخرون يرونه في مواكبة التغييرات من خلال تطوير أدواتها ووسائلها.

كيف بدأت؟

لكن قبل الحديث عما آلت إليه الصحف اليوم، لابد من التطرق إلى بداياتها، بخاصة وأنها تأسست قبل نصف قرن وبعضها أكثر، عندما بدأت كصحافة أفراد ومن ثم تحولت إلى صحافة مؤسسات.

وبحسب موفق النويصر، رئيس تحرير صحيفة "مكة"، فإن الإشكالية التي عانت منها الصحف المحلية في أولى مراحل تأسيسها، أنها لم تقم على أسس سليمة، وقال "عندما كانت صحافة أفراد كانت تقوم على الاجتهادات الشخصية للبعض، وكانت ذات اهتمامات ثقافية وأدبية". ويرجع السبب أن الهدف من إنشاء تلك الصحف في تلك الفترة كان لنشر الثقافة والأدب بشكل واسع.

وعن أول صحيفة سعودية، يشير خالد المالك، إلى أن الأولوية كانت لصحيفة "أم القرى" بأمر من الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود في عام 1942، وقال "تزامن صدورها مع تأسيس الدولة السعودية الثالثة، وما سبق هذه الصحيفة كان قبل العهد السعودي، ومتواجدة في منطقة الحجاز".

وعلى الرغم من وجود تلك الصحف في الحجاز قديماً، إلا أن هاشم عبده هاشم، رئيس تحرير صحيفة "عكاظ" سابقاً، أشار إلى أن نشأة المؤسسات الصحافية كان في ثلاثينيات القرن الماضي، وقال "تزامن ظهور الصحافة السعودية مع نشأة الدولة وبداية التعليم في البلاد، ولم تكن في ذلك الوقت أكثر من صحافة أدبية يطغى عليها المقال ولا يتجاوز عدد صفحاتها الأربع صفحات"، مضيفاً "عندما تطورت الطباعة بدأت صحافة الأفراد على يد بعض المثقفين والأدباء، وأصبحت أفضل من سابقتها بسبب تنوع مضامينها وتعدد الأقلام المشاركة فيها، وإن ظل الطابع الأدبي مهيمناً على مضامينها".

مرحلة الذروة

ويرى المالك أن مرحلة الذروة في الصحافة كانت بعد تحولها إلى نظام المؤسسات، ووضع لها نظاماً، وأصبح لها مجالس إدارة وجمعيات عمومية ومديرو عموم، وقال "أصبحت الصحف السعودية في مستوى عال من حيث المحتوى والانتشار والربحية، وخلال تلك الفترة أصبحت تضم عدداً كبيراً من الصحافيين وكتاب الرأي، ولها أجهزة فنية وأخرى متخصصة في الطباعة".

من جانبه أشار هاشم إلى أنه مع صدور نظام المؤسسات الصحافية في عام 1963، أصبحت لدينا سبع صحف يومية في المناطق الثلاث الرئيسة "الغربية والوسطى والشرقية"، وأخذت معظمها "منحى الصحف المعتبرة وجمعت في مضامينها بين الخبر والتحقيق والرأي، بل وأعطت معظمها اهتماماً أفضل بالمجالات الثقافية والفنية والاقتصادية والرياضية، كما انتشرت عبر وسائل التوزيع المختلفة".

نقطة تحول

وفي الوقت الذي يرى فيه هاشم والمالك أن الصحف السعودية عاشت ذروتها منذ إصدار نظامها في ستينيات القرن الماضي، الذي تلته تعديلات وتحسينات أكثر من مرة، يؤكد النويصر أن مرحلة الذروة الحقيقية للصحافة في بلاده بدأت "مطلع الألفية الجديدة وتحديداً عام 2000 وانتهت في 2008".

وأرجع السبب إلى صدور صحيفة الوطن التي أحدثت تغييراً وحراكاً في الأوساط الصحافية في تلك الفترة، وقال "بعد صدور صحيفة الوطن بعامين وتحديداً في عام 2002، حدّثت المجموعة السعودية مطبوعاتها وغيرت قيادتها، ما أسهم في تطور صناعة الإعلام في البلاد بشكل كبير في تلك الفترة".

مرحلة التراجع

تطور المؤسسات لم يكن كافياً لمواكبة المتغيرات السريعة في العقد الأول من الألفية الجديدة بعد ثورة تقنية المعلومات، وهنا يعلق المالك بقوله "في منتصف عام 2015 بدأت الصحف تعاني من ضعف الانتشار وقلة الإعلانات، ولكن التأثير الأكبر في ضعف الإيرادات بدأ مع بداية عام 2016، ما دعاها إلى الترشيد الحاد لتجنب الإفلاس أو تأخيره على الأقل على أمل معالجته للهروب من هذا الوضع السيئ".

وحدد المالك ثلاثة أسباب لتدهور الوضع المادي للصحف، وهي "ضعف الإيرادات، وتوقف مصادر الدخل من الإعلانات، وتراجع أعداد بيع الصحف والاشتراك فيها".

أما هاشم فيرى أن الوضع الذي وصلت إليه المؤسسات الصحافية ناتج من عدم استثمار الأرباح الضخمة في السابق في أنشطة ذات جدوى، ويضيف "راحت تنفقها على الأعضاء والملّاك في ظل التضييق على المؤسسات من خلال منعها من الاستثمار خارج نطاق الأنشطة الإعلامية وفق نظام المؤسسات الصحافية، ما زاد الإنفاق على مجالات وأنشطة غير منتجة بصورة مبالغ فيها وغير مدروسة".

واستطرد بالقول "إن الإنفاق غير المدروس للمؤسسات الصحافية حدث في الوقت الذي كانت فيه مواقع التواصل الاجتماعي قد بدأت تأخذ طريقها وتؤثر تأثيراً مباشراً على الصحف الورقية بصورة سريعة، دون أن تقابلها المؤسسات بعمل جاد ومدروس لضمان استمرار الصحافة المطبوعة في الفوز باهتمام القارئ بحكم توفر المعلومة بصورة أسرع، مما قلل الحاجة لعودة للصفحة الورقية في اليوم التالي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف "هذا التحدي الذي أوجده التطور في تقنية المعلومات وسرعة وصولها كان يحتم على المؤسسات الصحافية أن تعالج مضمونها للتواكب معه، وأن تنتقل من الاهتمام بـ(الخبر البايت) إلى ما وراء الخبر وإلقاء مزيد من الأضواء على الأحداث المتعلقة بالخبر من حيث التحليل والاستطلاع والرأي، لا سيما عن الأحداث المتوقعة والتوسع في قراءة المستقبل".

أزمة في فهم التحول الرقمي

ورغم كل الجهود التي تبذلها المؤسسات إلا أنها تفشل في الحفاظ على مداخيلها من خلال تقديم الخبر بواسطة منصات رقمية، ويعود ذلك بحسب مساعد رئيس تحرير صحيفة "الشرق الأوسط" زيد بن كمي، إلى عدم فهمها لمفهوم التحول الرقمي بالأساس.

وأضاف "فشلت الكثير من المؤسسات الصحافية السعودية في التحول الرقمي في الوقت الصحيح، ولعل السبب يعود إلى المداخل المالية العالية للصحف الورقية في بدايات الثورة الرقمية، وهي مشكلة عالمية ولا تقتصر في تلك الفترة على الصحف المحلية أو العربية بل شملت الصحف الدولية، على الرغم من تحذيرات عدد من وسائل الإعلام، ومنها على سبيل المثال الفايننشال تايمز التي أشارت في تقرير نشر عام 2012 إلى أن المؤسسات الصحافية الورقية تواجه الخطر في حال لم تتغير وتواكب التطورات التقنية، لافتة إلى أن كل دولار يدفع في الإعلام الرقمي سيفقد مقابله 7 دولارات في الإعلام التقليدي أو الورقي".

واستطرد، "مع التسارع في تطور الصناعة التقنية، أصبح التحول الرقمي ضرورة، بل ويتطلب اتخاذ القرارات التي تخدم المؤسسات الإعلامية بحيث تكون مواكبة للتطورات واختيار الوسائل والتطبيقات الإلكترونية التي تخدمها وتخدم انتشار منتجاتها".

عملية التحول الرقمي ليست السبب الوحيد في فشل بعض المؤسسات الصحافية الورقية، بل إن التخبط في الآلية وطرق التحول جعل البعض منها يخسر الرهان أمام الوسائل الإعلامية الرقمية، وهذا ما أكده رئيس تحرير صحيفة "مال" الإلكترونية مطلق البقمي بقوله "ما نشاهده اليوم في عمليات التحول الرقمي لبعض المؤسسات الصحافية الورقية هو حالة من التخبط".

وأضاف، "البعض من تلك المؤسسات تعامل مع مواقعه الرقمية كأنها طبعة جديدة للنسخة الورقية، من دون تطوير أو استقلالية للموقع أو العمل على منافسة المواقع الأخرى، ويمكن القول إنه أكبر الأخطاء التي وقعت فيها تلك المؤسسات".

وأشار إلى أن "التعامل الرقمي للمؤسسات الإعلامية أفقد مواقعها الإلكترونية المادة المصنوعة بشكل احترافي سواء الأخبار الخاصة أو التقارير المتكاملة، بل إن البعض منها يكتفي بالأخبار المنشورة في الطبعة الورقية وفي الغالب تكون أخبار الأمس، وهنا تفقد أهمية إضافة حياة جديدة لمواكبة التغيرات الرقمية في صناعة الإعلام".

وتابع، "التحول الرقمي لا يعني وجود موقع إلكتروني وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي للمؤسسة الإعلامية، بل يعني صناعة محتوى مختلف وجذاب لشرائح المجتمع التي تستخدم تلك المواقع". واستدرك، "التخبط في عملية التحول الرقمي لا يمكن تعميمه على الجميع، فهناك نماذج إعلامية ناجحة محلياً وعربياً وعالمياً استطاعت أن تفرض نفسها بقوة محتواها على القطاع الإعلامي، إذ إن صناعة الإعلام واحدة ولكن الوسيلة هي المتغيرة، وهنالك من استطاع الدخول إلى المجال الإعلامي الرقمي ويواكب التغيرات بمحتوى جذاب وفريد ومبتكر استطاع أن يكون في الصدارة بين وسائل الإعلام". وعاد ليؤكد أهمية تجويد المنتج الإعلامي النهائي، وقال "إن قوة الإعلام في الدولة تكون من قوة ما تقدمه مؤسساتها الإعلامية".

علاج رغم التأخر

وحول الحلول التي يمكن أن تعيد للصحافة مكانتها، لفت هاشم أن هناك طرقاً عدة لمعالجة الوضع، على الرغم من أنها تأخرت كثيراً، من أبرزها "تغيير المضمون والمحتوى وإدخال عناصر الجذب إليه عبر منصات إعلامية قوية، وتأهيل الكوادر البشرية على مختلف الأشغال الإعلامية باحترافية، بحيث يكون لدى المؤسسة القدرة على مخاطبة الأجيال الجديدة وصناعة الرأي العام والتأثير في كافة الاتجاهات والمستويات، مخاطبة المتلقي سواء في الداخل أو الخارج".

وأضاف "كما يمكن للمؤسسات أن تعالج أوضاعها من خلال التحول من مؤسسات صحافية بوضعها الحالي إلى مؤسسات للرأي والدراسات والإنتاج الإعلامي المتطور".

من جانبه أشار خالد المالك إلى وجود توجه تقوده وزارة الإعلام بتحويل الصحف من ورقية إلى رقمية، وقال "هو توجه مقبول في ظل ما تمر به الصحف الورقية من أزمات مالية حادة"، مستدركاً "ولكن نجاح هذا التحول يعتمد على إيجاد تمويل يسرع منه، وهو غير متوفر لدى المؤسسات الصحافية، بالتالي فهذا التوجه غير محسوم وغير قابل للتنفيذ إلا في حدود متواضعة".

وفي الوقت الذي يقر فيه رئيس تحرير الجزيرة بعدم توفر السيولة المالية لدى بعض المؤسسات الصحافية لتقود عملية التطوير، يقترح هاشم إشراك "رجال الأعمال كمستثمرين في توفير رؤوس الأموال بهدف التوسع في نطاق العملية الإعلامية، بما في ذلك التوجه إلى الإنتاج السينمائي والوثائقي".

الدعم الحكومي

ويؤكد خالد المالك، أن العلاقة بين الحكومة والصحف لم تتغير باعتبارها الجهة الموثوقة لنشر الأخبار، إلا أنه أكد وجهاً للتغيير يتمثل في توقفها عن الإعلان فيها "التغير في العلاقة هو في حجب الإعلانات عنها من قبل بعض الجهات، وإيقاف الاشتراكات فيها وتوجهها نحو بدائل إعلامية أخرى".

ومع إيقاف الاشتراكات وقلة الإعلانات التي كانت من أهم المصادر المالية للصحف، أسهم ذلك في تدهور الأوضاع المالية للمؤسسات الصحافية، وهنا يعلق المالك بقوله "من دون الدعم الحكومي، كل الخيارات بلا قيمة ولا تأثير في حماية المؤسسات الصحافية من الإفلاس أو البعض منها على الأقل"، مضيفاً "إن عدم تدخل الدولة في معالجة المشكلة يعني التفريط بأكثر من ستين عاماً من العمل الصحافي كانت فيه هذه المؤسسات قوة ناعمة في خدمة الوطن".

ويتفق معه النويصر بقوله "من دون الدعم المالي من قبل الحكومة لن يتغير وضع المؤسسات. اليوم لا تمتلك المؤسسات الصحافية السعودية سوى رخصة لإصدار صحيفة ورقية، كما أن نظامها ينص على أنها مؤسسات غير تجارية، ما يتطلب تغيير نظامها وتحويلها لمؤسسات مساهمة أو إدخال شركاء، بحيث تكون لها أذرع استثمارية، بما يحقق لها دخلاً مالياً تستطيع من خلاله الخروج من الوضع الحالي".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات