Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الرسامة المصرية فاطمة عرارجي رائدة التحولات الجديدة

رحلت يوم افتتاح معرضها الذي يوثق مراحل تجربتها الفنية طوال 70 عاماً

لوحة للرسامة المصرية فاطمة عرارجي التي رحلت أمس (الخدمة الإعلامية للمعرض الإستعادي)

غيّب الموت، أمس، الرسامة المصرية الكبيرة فاطمة عرارجي، التي تُعد واحدة من الفنانات البارزات داخل الحركة الفنية المصرية. تنتمي الفنانة الراحلة إلى جيل الخمسينيات، وهو الجيل الذي حمل على عاتقه مسؤولية الاكتشاف والبحث عن هوية فنية محلية وسط تأثيرات طاغية من الأفكار والرؤى الغربية. وتُعد تجربة عرارجي في مجال التشكيل إحدى التجارب الملهمة للفنانات المصريات المنتميات إلى هذا الجيل والأجيال اللاحقة له، فهي تجربة متكاملة تحمل سماتها المحلية الواثقة والراسخة، كما تنطوي على ملامح تطورها وفرادتها.

رحلت عرارجي في اليوم نفسه الذي افتتح فيه معرضها الاستعادي الكبير الذي استضافته قاعة المسار للفنون في القاهرة تحت عنوان "الإنسان والمكان والزمن.. رحلة السبعة عقود"، والذي يعد من بين العروض المهمة التي تشهدها القاهرة خلال الفترة الأخيرة، إذ جمع نحو خمسة وأربعين عملاً فنياً أنتجتها الفنانة خلال السبعين عاماً من اشتغالها بالفن. يسلط المعرض الضوء على أعمال هذه الفنانة البارزة بعد احتجابها عن العروض الفردية لما يقرب من عشرين عاماً.

سيرة ومسار

وُلدت الفنانة فاطمة عرارجي عام 1931، وتخرجت في كلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية عام 1955، والتحقت بهيئة التدريس فور تخرجها في الكلية نفسها، وتدرجت في المناصب الأكاديمية حتى ترأست قسم التصوير فيها، وهي تنتمي إلى الموجة الثالثة في حركة التشكيل المصري بعد جيل الرواد وجيل الأربعينيات. تميزت فاطمة عرارجي كفناني جيلها بالتفاعل مع الأحداث السياسية والاجتماعية، بداية من فترة الخمسينيات وما تلاها من سنوات مليئة بالأحداث الفارقة، كالعدوان الثلاثي على مدينة بور سعيد، والحروب التي أعقبتها. وخلال مسيرتها الفنية عكفت الفنانة على البحث عن هويتها الفنية كمصرية عربية وكإنسانة تعيش في عالم زاخر بالثقافات والأحداث، وأخيراً كامرأة تنظر إلى العالم من حولها بعين الأنثى. كل هذه المؤثرات صبغت تجربة الفنانة فاطمة عرارجي بطابع خاص يميل إلى البحث والتجريب والتمرد على الممارسات التقليدية، فانعكس ذلك على تطور تجربتها الفنية، بما يتضمنه هذا التطور من تأثيرات مختلفة.

هذا التصاعد الفني في تجربة الفنانة، بما يتضمنه من مراحل وانتقالات سلسة أو حادة أحياناً، هو ما ميز تجربة الفنانة التي امتدت على مدى سبعين عاماً، بمراحلها ومحطاتها الفنية المتعددة. نستطيع مثلاً أن نلمح ترددها بين التشخيص والتجريد، أو بين تمسكها بالمقومات الراسخة للعمل التصويري وتمردها فيما بعد على هذه التفاصيل والمعالجات التي اتسمت بها أعمالها في بداية التجربة.

تشي أعمال عرارجي بروح أوعبق الخمسينيات والستينيات، هذه السنوات المفعمة بالطموح والبحث والتجريب والتأثير والتأثر. ولعل أول هذه المؤثرات التي يمكن أن نلمحها في أعمال الفنانة الراحلة يتمثل في استلهامها للفن المصري القديم في أعمالها الأولى. فخلال بحثها الدؤوب عن هويتها الخاصة في بداية مسارها الفني اتجهت عرارجي إلى التنقيب عن سمات هذه الفنون القديمة، ساعدتها في ذلك إقامتها الطويلة في مدينة الأقصر الواقعة جنوب مصر، وهي الفترة التي قضتها هناك ضمن منحة تقدمها كلية الفنون الجميلة لخريجيها الأوائل.

عالم الأقصر

في مدينة الأقصر تشبّعت قريحة الفنانة بالمنحوتات الصرحية، والرسوم الملونة على جدران المعابد والمقابر، والطرز المعمارية التي تزخر بها عاصمة مصر القديمة. ففي كل زاوية وشارع من هذه المدينة معلم أثري أو إشارة دالة على ما كانت تنعم به من رخاء في غابر الأزمان. كان لا بد لهذه الأجواء أن تلعب دوراً في تشكيل رؤية الفنانة فاطمة عرارجي، وظهر ذلك التأثير على معالجاتها المبكرة للشخوص والعلاقات الخطية واللونية، واستمر هذا الأمر معها طويلاً كخط مشترك يربط بين مراحلها اللاحقة فيما بعد.

ومع اهتمام فاطمة عرارجي الواضح بالفن المصري القديم، كانت لها دراسات جادة كذلك حول نماذج الفنون الأخرى التي عرفتها مصر، من فنون قبطية وشعبية وإسلامية، ثم ما لبثت أن تجاوزت كل ذلك إلى البحث عن مصادر أخرى للثراء البصري، فاتجهت إلى التعرف على الفنون البدائية، التي تظهر أحياناً في لمحات من أعمالها. كل ذلك وهي تضع في اعتبارها ما أنتجته البشرية من فنون معاصرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المحطة الأبرز في مسيرة الفنانة فاطمة عرارجي الفنية، تمثلت في رحلتها إلى إيطاليا في بعثة دراسية تجولت خلالها في أنحاء أوروبا، وطالعت عن قرب المنجز الحضاري الغربي في الفنون الحديثة. كان لهذه المشاهدات والاحتكاك القريب بالمناخ الفني في أوروبا أثره على رؤيتها الفنية، إذ صارت أكثر انفتاحاً على ثقافات الآخرين، وهو ما ساهم في ثراء تجربتها التصويرية. وتبرز لنا أعمالها المعروضة حالياً في غاليري المسار جانباً من هذه التجارب التي مرت بها الفنانة.

كانت رحلة الفنانة فاطمة عرارجي إلى أوروبا ثم تجوالها في عواصم أميركا الجنوبية في ما بعد، عاملين مساعدين لهذا التحول الذي طرأ على ممارساتها التصويرية، إذ اتسمت معالجاتها اللونية بالقوة وصارت أقرب أيضاً إلى روح السوريالية، كما لجأت إلى حلول غير تقليدية للتكوين والمعالجة اللونية للمساحة والعناصر، وهي المرحلة الأكثر امتداداً بين مراحلها التصويرية.

أقامت الفنانة فاطمة عرارجي خلال مسارها الفني كثيراً من المعارض الفردية بدءاً من عام 1958 في متحف الفن الحديث، وتلتها معارض في متاحف الفنون الجميلة ومحمود سعيد – الإسكندرية، ثم قاعة أخناتون في القاهرة. وعرضت أعمالها أيضاً في روما وباريس وموسكو والنمسا وطوكيو، وغيرها من المدن الأخرى حول العالم. كما مثلت مصر في بينالي ساو باولو في البرازيل عام 1985.

المزيد من ثقافة