Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شوارع الخرطوم تختنق بالمتاريس

اعتاد المتظاهرون وضعها لعرقلة هجوم قوات الأمن عليهم لمنعهم من الوصول إلى نقاط تجمعهم

" استخدام المتاريس في البلاد بدأ مع انطلاق الثورة السودانية التي اندلعت في ديسمبر 2018 ضد نظام الرئيس المعزول عمر البشير" (اندبندنت عربية – حسن حامد)

أصبح من الصعوبة بمكان التنقل بالسيارة في طرقات العاصمة الخرطوم هذه الأيام، فالحواجز "المتاريس" تجدها أمامك أينما ذهبت، حيث يقف بجانبها مجموعة من الشبان يطلق عليهم "الترس" أي الحراس، لمنع السيارات من العبور أو إزالة تلك الحواجز المبنية بالحجارة في شكل حائط على عرض الطريق، احتجاجاً على العنف الذي تمارسه الأجهزة الأمنية في البلاد ضد المتظاهرين، والذي راح ضحيته حتى الآن 77 قتيلاً منذ إعلان قائد الجيش عبد الفتاح البرهان حالة الطوارئ في السودان وتعطيل الشراكة مع المكون المدني في 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، ما اعتبره معظم الشعب السوداني انقلاباً عسكرياً.

ويأتي هذا الإغلاق الكامل للشوارع المؤدية إلى أحياء العاصمة المثلثة (الخرطوم، الخرطوم بحري، وأم درمان)، وداخلها بالمتاريس في وجه حركة السير، تنفيذاً للبرنامج التصعيدي الذي دعت إليه لجان المقاومة التي تقود الاحتجاجات في الشارع، وذلك لتعطيل حركة سير السيارات العسكرية ومنعها من دخول الأحياء لتفريق مواكب وتجمعات المتظاهرين، فضلاً عن تعطيل عجلة العمل الحكومي بمنع ذهاب الموظفين لأعمالهم وصولاً للعصيان المدني الشامل، من أجل إسقاط الحكومة العسكرية وتسليم السلطة إلى المدنيين، لكن يسمح فقط بعبور السيارات التي تحمل مرضى أو حالات خاصة، لذلك فضل معظم سكان العاصمة الذين يمتلكون سيارات عدم المخاطرة في التنقل إلا في حال الظروف الطارئة، نظراً لاستغراق المشوار مهما كان قربه وقتاً طويلاً.

واعتاد المتظاهرون على وضع هذه المتاريس على امتداد طريق سير المواكب الاحتجاجية، التي يخرج فيها آلاف المحتجين بمعدل يومين في الأسبوع لأكثر من ثلاثة أشهر، وذلك لعرقلة الهجوم المباغت الذي تشنه قوات الأمن عليهم لمنعهم من الوصول إلى نقاط تجمعهم، ودائماً ما تستهدف هذه القوات الأشخاص المكلفين بحراسة وحماية المتاريس باعتبارهم الأكثر تأثيراً في هذه الاحتجاجات، إذ قتلت منهم كثيرين أثناء حراستهم للمتاريس، ويطلق عليهم "شهداء المتاريس". لكن في الفترة الأخيرة، مع تزايد أعمال العنف والقتل، اتسعت دائرة المتاريس كوسيلة للحماية والتعبير عن السخط ضد السلطة الحاكمة في البلاد حالياً.

لكن ثمة تساؤلات لدى كثيرين حول جدوى وفاعلية هذه المتاريس، ومن أين نبعت فكرتها، وهل يتقبلها المجتمع كونها تعطل حركة سيره لأداء واجباته ومهامه؟

وسيلة وقائية

وأشار الكاتب السوداني الجميل الفاضل إلى أن "استخدام المتاريس في البلاد بدأ مع انطلاق الثورة السودانية التي اندلعت في ديسمبر (كانون الأول) 2018 ضد نظام الرئيس المعزول عمر البشير كوسيلة وقائية واحترازية وحمائية، لكنها كفكرة، تطورت مع مرور الوقت، إذ أصبحت واحدة من الأدوات المستخدمة للضغط على السلطة الحاكمة لترويضها حتى تقبل شروط الجهات التي استخدمت المتاريس كسلاح، لكن تاريخياً، استخدمت المتاريس بعد نجاح ثورة أكتوبر 1964، حيث سرت إشاعة خلال الأسبوع الأول من الثورة بوقوع انقلاب لإجهاضها، ما دفع المحامي السوداني فاروق أبو عيسى، أحد القادة السياسيين آنذاك، ببث نداء عبر الإذاعة السودانية، داعياً السودانيين للنزول إلى الشارع، وبالفعل، خرجت الجماهير إلى الشوارع وقامت ببناء المتاريس لمنع وصول الدبابات والمدرعات العسكرية إلى الإذاعة".

أضاف الفاضل، "ظل الهدف الأساسي من إقامة المتاريس في شوارع الخرطوم منع يد السلطة الباطشة من الوصول للمدنيين، في ظل استخدامها سيارات الدفع الأمامي لاقتحام الأحياء السكنية لردع المتظاهرين، والآن انتقلت المتاريس إلى بقية مدن ومناطق السودان المختلفة بخاصة في الشرق والطرق القومية والشمال، حيث بدأت تأخذ طابعاً مختلفاً، فبدل الدفاع عن النفس، أصبحت المتاريس تشكل حالة ضغط على مركز السلطة. وهناك نوعان من المتاريس، أحدهما لديه شرعية لاستخدامه انطلاقاً من كونه يمثل درعاً ضد القوة المفرطة، والآخر يستخدم لتقويض السلطة كما حدث في قضية شرق السودان عندما تم إغلاق الميناء ما أثر على الأوضاع الاقتصادية وأضعف الحكومة الانتقالية، وبالتالي، يبقى استخدام المتاريس كوسيلة لا ينفصل عن الهدف الذي من أجله أقيم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ونوه إلى أن المتاريس أصبحت جزءاً من الميراث الثوري السوداني، وعلى الرغم من استخدامها يوماً واحداً قبل 58 عاماً، ظلت راسخة في الأذهان والذاكرة السودانية، مؤكداً أن الأجيال المقبلة ستقوم بتطويرها بعد أن تعمقت في الوجدان السوداني كثقافة، ويشارك الآن في تشييد هذه المتاريس أطفال دون سن السادسة، وما يسعد حقاً أن المتاريس السودانية شوهدت، أخيراً، في بلدان عربية شهدت انتفاضات مماثلة، فالمتاريس وسيلة ناجعة وفاعلة وبإمكانها تحقق الغرض الذي من أجله أقيمت، وبين الكاتب السوداني، أنه على الرغم من المعاناة التي تسببها المتاريس من تعطيل حركة التنقل والسير، لكن المجتمع السوداني يتفهم الحاجة إليها ونادراً ما يتذمر البعض منها، لأن الغالبية العظمى تقف خلف الثورة وتتطلع إلى المدنية الكاملة للسلطة باعتبارها صمام أمان استقرار السودان وازدهاره.

خط الدفاع الأول

وأوضح عضو لجنة مقاومة "أركويت"، إحدى ضواحي الخرطوم، سامي عبد الله، أن المتاريس تشكل خط الدفاع الأول لحماية المتظاهرين لأنها تعطل توغل قوات الأمن داخل الأحياء، ولأنها دائماً ما تستهدف الشباب الذين يقومون بتشييد هذه المتاريس، لذلك تجدها تجول باستمرار داخل هذه الأحياء لإزالة المتاريس واعتقال من يقف وراءها، وأحياناً، تستخدم الرصاص الحي في وجه حراس المتاريس، وقد قتل عدد منهم خلال فترة اندلاع الثورة في ديسمبر 2018 وحتى الآن، ومعروف أنه يوجد في كل متراس (حاجز) شخص مكلف بحمايته، إذ يقوم بإصلاح الحاجز بشكل سريع في حال تعرضه لقذيفة على سبيل المثال أو أسقطته عربة تابعة لقوات الأمن، وهم مجموعة من الحراس يتناوبون على حراسة المتراس طيلة اليوم.

أضاف عبد الله، "هناك أيضاً شخص يقف أمام المتاريس يؤدي مهمة فريدة من نوعها تتمثل في الإغلاق على عبوات الغاز المسيلة للدموع التي تطلقها قوات الأمن داخل إناء (جردل) بهدف تفادي حالات الاختناق التي قد تسببها هذه العبوة. بعد ذلك، يحاول هذا الشخص إعادة إطلاق عبوات الغاز المسيلة للدموع باتجاه قوات الأمن"، ولفت أيضاً إلى تطور استخدام المتاريس بشكل أكبر خلال تظاهرات 2019، حيث لم يعد الأمر يتعلق بمجرد ترصيف حجارة وأشياء مختلفة بل بأداة متطورة بشكل كاف لحماية المتظاهرين وفي بعض الأحيان لعكس الهجوم المقبل من قبل أجهزة الأمن.

وأشار عبد الله إلى أن المتاريس أصبحت مع مرور الزمن جزءاً من التراث الثقافي، فقد تحولت إلى ملتقى يجتمع فيه النشطاء للحديث عن هموم الثورة وما يجب فعله وعمله من تكتيكات وبرامج تصعيدية، فضلاً عن أداء الشعر والاستماع إلى الموسيقى أو حتى لعب كرة القدم وإلقاء الخطب أو التجمعات، مبيناً أن حراس هذه المتاريس يجدون كامل الرعاية من السكان القريبين لهذه المتاريس، ويقومون بخدمتهم من أكل وشرب، وإخفائهم عن عيون قوات الأمن التي تستهدفهم.

وأوضح عضو لجنة المقاومة أن "هذه المتاريس ليست موضوعاً شخصياً، الهدف منها إعاقة التوجه إلى مكان العمل، فهي سلاح لإنجاح الثورة، وذلك بتعطيل عجلة العمل الحكومي، فلو لم نقم الحواجز والمتاريس في كل مكان داخل الأحياء وخارجها لكان يمكن للناس أن يذهبوا إلى أعمالهم في شكل طبيعي، وبالتالي تفشل الثورة وهو ما لا نسمح به بتاتاً".

كر وفر

وتشتهر أحياء بعينها في الخرطوم بإقامة هذه المتاريس لفترات طويلة ويصعب على قوات الأمن الدخول إليها مثل أحياء "بري" و"شمبات" و"العباسية" و"الديم" و"أبو روف"، وهي أحياء شعبية لها تاريخ طويل في النضال، ودائماً ما تشهد حالة كر وفر بين شبانها وقوات الأمن التي دائماً ما تطلق عناصرها النار في الهواء لتفريق الشبان الذين لا يلبثون أن يفروا إلى أزقة أحيائهم.

وفي كثير من الأحيان، تجد في شوارع الخرطوم رجال شرطة يترجلون من شاحناتهم ويعملون على إزالة المتاريس من وسط الطريق بأيديهم ومن ثم بواسطة جرافة، ويضرمون النار في كل ما يمكن إحراقه من مخلفات لتفادي استخدامه من قبل المحتجين، لكن ما أن تغادر قوات الأمن حتى يعيد الشبان قطع الطريق بالحواجز الإسمنتية والحجارة وأعمدة الإنارة.

وتحولت هذه المتاريس خلال الفترات الماضية التي شهدت إضراباً عاماً دعا إليه تجمع المهنيين السودانيين، إحدى أذرع الثورة السودانية، إلى رمز للعصيان المدني، الذي أعلنته الحركة الاحتجاجية، إذ تشهد شوارع الخرطوم منذ 25 أكتوبر انتشاراً كثيفاً للشرطة لمنع إقامة هذه المتاريس وإزالتها، في وقت أغلقت شركات ومؤسسات ومطاعم وصيدليات، والغالبية العظمى من المحال التجارية أبوابها، بخاصة التي تقع على الشوارع الرئيسة، سواء بسبب العصيان المدني أو الخوف من أعمال العنف أو تعذر الوصول إلى مكان العمل بسبب العوائق والمتاريس.

أسبوع تصعيدي

وما زالت فرص الحوار بين الفرقاء السودانيين متباعدة لإنهاء أزمتهم السياسية، بينما تتواصل عمليات العنف ضد المتظاهرين الذين يخرجون إلى شوارع العاصمة الخرطوم مستهدفين محاصرة القصر الرئاسي في كل مسيرة جديدة والتي بلغ عددها 17 مليونية منذ الاحتجاج على إعلان حال الطوارئ في البلاد في 25 أكتوبر الماضي.

وشهدت مدن العاصمة المثلثة، هذا الأسبوع، تصعيداً ثورياً وفاء للشهداء الذين سقطوا خلال الأشهر الثلاثة الماضية، والبالغ عددهم 78 قتيلاً بحسب لجنة أطباء السودان المركزية، وأعدت تنسيقيات لجان المقاومة في الخرطوم برنامجاً تصعيدياً تضمن تتريس الطرق ووقفات احتجاجية في موازاة مخاطبات ومواكب للتنسيقيات، ويختتم البرنامج، الأحد، بمليونية 30 يناير (كانون الثاني).