Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

محاذير من تداعيات انفراط التوافق الكردي في بغداد على كردستان 

اتهامات متبادلة بين الحزبين إثر تفاقم الخلاف على منصب رئاسة الجمهورية

يطرح الوسط السياسي الكردي عدة سيناريوهات إزاء تداعيات الشرخ في جدار "البيت الكردي" (أ ف ب)

بلغ الخلاف أشده بين الحزبين الكرديين التقليديين ضمن صراعهما على المناصب الاتحادية، مع إعلان كل طرف التمسك بمرشحه لمنصب رئاسة الجمهورية، وسط توجس من تداعيات اتساع الشرخ على إقليم كردستان الذي يحكمانه بصيغة الشراكة منذ عام 1991، في وقت يواجهان فيه أزمات اقتصادية وسياسية متراكمة. 

واحتدم الخلاف بين الحزبين، "الديمقراطي" بزعامة مسعود بارزاني ويملك 31 مقعداً و"الاتحاد الوطني" الذي كان يتزعمه الرئيس الراحل جلال طالباني وله 18 مقعداً من مجموع مقاعد البرلمان البالغة 329 مقعداً، عندما أعلن حزب بارزاني التمسك بمرشحه هوشيار زيباري مرشحاً وحيداً لمنصب رئاسة الجمهورية لمنافسة مرشح "الاتحاد" الرئيس الحالي برهم صالح لولاية ثانية، في إعادة لسيناريو عام 2018 عندما خاض الحزبان مواجهة مماثلة في البرلمان تمكن خلالها مرشح حزب طالباني الرئيس الحالي من الفوز بالمنصب خارج ما يعرف بـ"التوافق داخل البيت الكردي". 
 
تسويف ومماطلة

وبلغ الخلاف ذروته عندما ألغي اجتماع كان مقرراً بين بارزاني وزعيم "الاتحاد" بافل طالباني، من دون توضيح الأسباب، وعلى أثره سارعت قيادة "الاتحاد" للإعلان عن تمسكها بترشيح صالح، متهمة حزب بارزاني بانتهاج "سياسة التفرد عبر إبرام اتفاقات سياسية وطرح مرشح خارج مبدأ وحدة الصف الكردي"، ونقل بيان للحزب صدر عقب اجتماع للقيادة، عن طالباني قوله إنه "طالما الطرف الآخر (حزب بارزاني) فرط بالتوافق، فإن حزبنا لن يساوم على حقوقه، وهذا المنصب استحقاق للكرد وحزب الاتحاد"، وشدد البيان على أن "ما قيل عن أن الديمقراطي سيسحب مرشحه في حال طرحنا بديلاً عن مرشحنا (برهم صالح) مجرد تسويف ومماطلة للفوز بالمنصب". 

وأعلن الحزب لاحقاً أن طالباني سافر من السليمانية على رأس وفد رفيع إلى بغداد للبدء بجولة جديدة من المباحثات مع قادة القوى والكتل النيابية، بالتزامن مع مباحثات مماثلة يجريها وفد من حزب بارزاني في محاولة الحزبين لاستمالة مواقف الكتل الشيعية والسنية. 

ووفقاً للعرف السياسي السائد في العراق الذي خاض أول انتخابات نيابية عام 2005، عقب سقوط نظام الرئيس الراحل صدام حسين، فإن مناصب الرئاسات الثلاث يتم تقاسمها وفق اعتبارات قومية وطائفية، حيث يمنح منصب رئاسة الجمهورية للأكراد، ورئاسة البرلمان للسنة، بينما يحظى الشيعة بمنصب رئاسة الوزراء الذي يعد المحور الرئيس لإدارة دفة الحكم في البلاد. 
 
تشويه للحقائق 

ورد حزب بارزاني قائلاً إن بيان حزب الاتحاد "لم يكن منصفاً وشوه الحقيقة". وقال الناطق باسم الحزب محمود محمد إن حزبه "سبق وأجرى مباحثات مع القوى الكردستانية لتوحيد البيت الكردي وتشكيل وفد مشترك للتفاوض في بغداد، وتبين لاحقاً أن الوفد لم يحمل رؤية واضحة لاتخاذ القرار، وانسحب حزب الاتحاد من الوفد من دون إخطارنا، فضلاً عن انسحابه من جلسة مجلس النواب المخصصة لانتخابات هيئة الرئاسة، ما أدى إلى تشتيت وحدة الصف"، ونوه محمد بأن "منصب رئيس الجمهورية استحقاق كردستاني، وليس حكراً على طرف أو شخص بعينه، لكن حزب الاتحاد يصر على طرح مرشح من دون توافق، وعليه أن يتحمل مسؤولية الشرخ الذي حصل داخل البيت الكردي". 

وحدد دستور البلاد مهلة لا تتجاوز 30 يوماً من انعقاد الجلسة الأولى للبرلمان، لانتخابات رئيس للجمهورية بأغلبية ثلثي الأصوات، الذي بدوره يكلف الفائز بمنصب رئيس الوزراء لتشكيل حكومة جديدة خلال مدة 15 يوماً، علماً أن 8 فبراير (شباط) المقبل هو أقصى موعد لحسم منصب رئيس الجمهورية. 

ومن المتوقع أن تواجه القوى المنافسة صعوبة في جمع الأصوات المطلوبة دستورياً نتيجة للانقسام بين الكتل النيابية، إذ لا تكفي مقاعد الكتلة الكبرى المعلنة بين التيار الصدري بزعامة رجل الدين مقتدى الصدر (73 مقعداً)، و"تحالف تقدم" بزعامة رئيس البرلمان محمد الحلبوسي (37 مقعداً)، مع حزب بارزاني (31 مقعداً)، لتحقيق الشرط الدستوري وهو الفوز بأغلبية الثلثين، ما يعني حاجة الكتلة إلى استقطاب المزيد من الأصوات. 

مواقف غامضة

وعاد حزب "الاتحاد" ليرد عبر لسان الناطق باسمه، أمين بابا شيخ، على اتهامات حزب بارزاني، الذي قال إن حزبه "لم يقدم سوى الحقائق، وقد التزمنا جهود وحدة الصف، لكن للأسف فإن الحزب الديمقراطي دخل منفرداً من دون علمنا مع بعض الأطراف الأخرى، في اتفاق لا يخدم العملية السياسية وحقوق كردستان الدستورية"، وأضاف أن "موقف وفد الديمقراطي خلال الاجتماعات الثنائية كان غامضاً بمضامين غير واضحة، ولم نتوصل إلى أي اتفاق نهائي ومتين، لأن وفد الديمقراطي لم يتح أية فرصة وكان يسعى لإبرام اتفاق مبهم". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ووجه عضو قيادة "الاتحاد" آراس شيخ جنكي، الذي تم تجميد عضويته جراء الخلافات التي تعصف بالحزب منذ الثامن من يوليو (تموز) العام الماضي، رسالة إلى القيادة شدد فيها على أن "القيادة الجديدة لحزب الاتحاد (في إشارة إلى بافل طالباني) اقتنعت بعد فوات الأوان بأن حزب بارزاني لا يحسب لها حساباً، لا بل إنه ينتقم اليوم حتى من موقف مام جلال (جلال طالباني) عندما انشق عن الديمقراطي عام 1975، وأسس حزب الاتحاد"، وأضاف "للأسف فإن القادة الجدد، وبرغبة من الديمقراطي حاربوا الذين كانوا يسيرون على نهج مام جلال، وسعوا للحفاظ على توازن القوة وتعزيز الرأي الحر في كردستان". 

فرص اللحظات الأخيرة 

وما زالت أصوات من حزب "الاتحاد" تؤكد وجود فرصة في اللحظات الأخيرة لحل الأزمة والتوافق على مرشح وحيد، بعد أن حسمت أخيراً "المحكمة الاتحادية العليا" قرارها برد دعوى الطعن التي كان رفعها نواب على آلية انتخاب هيئة رئاسة البرلمان، وما رافقها من إرباك ومشادات و"اعتداء" على رئيس الجلسة الأكبر سناً، معلنة إلغاء "الأمر الولائي" الذي كانت أصدرته في وقت سابق بإيقاف عمل الهيئة. 

وحذر عضو المكتب السياسي لـ"الاتحاد" آريز عبد الله من أن "الجميع سيدفع ضريبة ما حصل، لكن الديمقراطي سيكون أكبر الخاسرين نتيجة تحالفه مع الصدر والحلبوسي، لتفرده وتسببه باتساع الشرخ بين القوتين الرئيستين في كردستان"، واستدرك "لكن ما زالت أمامنا فرصة للتفاهم والاتفاق، وقد يحصل، وبعكسه فإن الانقسام سيكون لتداعياته عواقب غير محسوبة النتائج". 

لكن في المقابل رد القيادي في "الديمقراطي" بلند إسماعيل، قائلاً إن "حزب الاتحاد كان البادئ بتمزيق وحدة البيت الكردي، عندما انسحب من جلسة انتخاب هيئة رئاسة البرلمان". 

أجندة إقليمية ودولية

ويرى نواب أن الخلاف الدائر بين القوى العراقية في مسار مفاوضات تشكيل الحكومة نتج عن أبعاد الصراع الإقليم والدولي القائم في المنطقة بين واشنطن وطهران، إذ حذر النائب عن "الديمقراطي" صباح صبحي في تصريحات صحافية من أن "أجندة دول الجوار تقف حائلاً أمام أي اتفاق بين الأطراف العراقية"، واستشهد بما تعرضت له أخيراً مكاتب بعض القوى السياسية من بينها مكاتب تابعة لحزب بارزاني إلى هجمات "منسقة"، قائلاً يبدو واضحاً أن "يداً خارجية تقف خلفها، وهذا يعكس مدى خطورة هذا التدخل على العملية السياسية"، في إشارة إلى القوى الشيعية المعترضة على نتائج الانتخابات والمقربة من إيران.

التداعيات على الإقليم الكردي

ويطرح الوسط السياسي الكردي عدة سيناريوهات إزاء تداعيات الشرخ في جدار "البيت الكردي"، في ظل انتقادات يواجهها الحزبان، تجنباً للعواقب التي ستنعكس سلباً على الإقليم جراء تعارضه مع سياسة ومصالح دول المنطقة، في مقدمتها ضغوطات مارستها طهران لنأي الطرفين عن الدخول في أي تحالف من شأنه "أن يمزق وحدة الصف الشيعي وبالتالي إضعاف التأثير الإيراني على السياسة الداخلية للعراق"، وعليه تسعى إلى تقريب وجهات النظر بين الغريمين الكرديين "حفاظاً على توازن القوى". 

 كما لا يستبعد بعض القادة من حزب "الاتحاد" ردود فعل سلبية على الوضع السياسي داخل الإقليم الكردي، كأن يضطر الحزب إلى الانسحاب من حكومة إقليم كردستان التي يقودها حزب بارزاني في حال فوز مرشح الأخير بالمنصب، وأن يتجه إلى إجراء انتخابات نيابية مبكرة ومن ثم المطالبة بمنصبي رئاستي حكومة وبرلمان الإقليم. 

لكن ما زال بعض من قادة "الاتحاد" يعولون على صعوبة فوز مرشح "الديمقراطي" هوشيار زيباري بالمنصب بناء على أصوات معترضة داخل الكتل النيابية الشيعية، حيث سبق أن واجه تهماً تتعلق بـ"الفساد" والدعوة إلى "تقسيم البلاد" عندما كان وزيراً للمالية في حكومة بغداد. 

ويرى المتخصص بالشأن الكردي سامان نوح أن "استمرار الصراع بين الحزبين اللذين لم يحصلا مجتمعين سوى على 22 في المئة فقط من أصوات الشارع الكردي في الانتخابات الأخيرة، سيولد تداعيات خطيرة، تضاف إلى الأزمات التي تضرب الإقليم، وقد تزيد من عوامل الانقسام الإداري القائم بين إربيل والسليمانية". وأضاف أن "الأزمة تضع الكرد أمام سؤالين مهمين، كيف سيكون رد الديمقراطي إذا خسر مجدداً منصب الرئيس على الرغم من أنه يستحوذ على نحو نصف مقاعد الكرد في بغداد؟ وكيف سيكون رد الاتحاد إذا ما خسر هذا المنصب السياسي المؤثر، وهو لا يملك أي منصب يوازيه في الإقليم، وقد يلجأ إلى اتخاذ مواقف أكثر تشدداً، ومنها الانسحاب من حكومة الإقليم إذا ما شعر بأنه سيفقد ثقله سواء في الإقليم أو بغداد؟ لكن الوقت ما زال مبكراً لاتخاذ مثل هذه الخطوة". 

وحذر نوح من أن "إقليم كردستان يعاني غياباً للرؤية داخلياً وعلى صعيد بغداد، في ظل ملفات شائكة يعانيها، وأبرزها عدم حل أزمة كتابة دستور للإقليم، وقانون الانتخابات ومصير الانتخابات الكردية المقبلة، في ظل برلمان غير مؤثر إضافة إلى مشكلة الفساد والعجز في دفع رواتب موظفي الإقليم وزيادة في الضرائب، ناهيك بالأزمات البنيوية الخطيرة على مستوى تردي الخدمات في ما يتعلق بالكهرباء والماء والوقود وغيرها".

المزيد من تقارير