Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أزمة السودان السياسية "تعجل" الانهيار الاقتصادي

تضخم ركودي يقابله كساد في الوقت نفسه

تشهد أسعار كثير من السلع تصاعداً نتيجة قلة الإنتاج في السودان (أ ف ب)

ألقت الأزمة السياسية في السودان بظلالها على الوضع الاقتصادي والمعيشي بشكل لا يوصف. إذ تشهد أسعار كثير من السلع تصاعداً وتفاوتاً كبيرين نتيجة غياب الرقابة وقلة الإنتاج، في ظل تضاؤل حركة نشاط الأعمال بكل مستوياتها نظراً لاستمرار التظاهرات في الشوارع بمعدل مرتين في الأسبوع، وما يتبعها من إغلاق للجسور والكباري الواصلة بين مدن العاصمة المثلثة (الخرطوم، الخرطوم بحري، وأم درمان)، وانتشار التعزيزات العسكرية في الطرقات الرئيسة والمواقع الاستراتيجية.

فما رؤية الاقتصاديين السودانيين للوضع الاقتصادي وتوقعاتهم لمساره في ظل المؤشرات الماثلة؟

اتساع التهريب

يشير أستاذ الاقتصاد السياسي حسن بشير محمد نور، إلى أن "الوضع الاقتصادي لدينا حرج جداً بسبب توقف المنح والإعانات الخارجية جراء انقلاب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر (تشرين الأول)، إضافة إلى توقف برنامج ثمرات الخاص بدعم وحماية الأسر بعد رفع الدعم عن السلع الاستراتيجية ويُعد أكثر الرامج تضرراً، إذ كانت تعول عليه الحكومة في تخفيف العبء على مواطنيها، وسُجل فيه عدد كبير من المستفيدين. وما يحدث الآن من انفلات في الأسواق وتدهور وعدم رقابة وضعف في النقد الأجنبي، وضع طبيعي في بلاد تتخبط من دون حكومة لشهرين ونصف. فالمعونات التي كانت واردة من واشنطن والاتحاد الأوروبي وبنك التنمية الأفريقي ومنظمة التنمية العالمية، تمثل موارد مهمة جداً في جانب دعم النقد الأجنبي".

وتابع "كذلك هناك مسألة القروض والتي كان من المفترض أن تندرج في ميزانية 2022 وأصبحت الآن على كف عفريت، إلى جانب ما يتصل بالاستثمارات الأجنبية والتي كانت ستنعش الاقتصاد بالنظر لحاجة البلاد لاستثمارات ضخمة في البنى التحتية، من طرق ومطارات وخطوط جوية وخطوط بحرية، كما أن السياسات الجديدة التي أصدرها بنك السودان المركزي بشأن تصدير الذهب، والتي تلزم مصدري الذهب الحر وذهب شركات مخلفات التعدين، استيفاء كافة الإجراءات والضوابط الصادرة السارية، وذلك بطريقة الدفع المقدم فقط، ووفقاً لأسعار البورصة العالمية، وغيرها من الضوابط من شأنها أن تؤدي إلى اتساع عمليات التهريب ما أفقد خزينة الدولة أموالاً طائلة".

ارتفاع الإنتاج

وتابع محمد نور "كما تتفاقم الآن مشكلة القطاع الزراعي الذي تعول عليه الدولة كثيراً في مسألة الصادرات، في ضوء زيادة أسعار الكهرباء بنسبة 600 في المئة. وللأسف، فإن الدولة غير مدركة لأثر تلك القرارات من ناحية أنها ستؤدي إلى ارتفاع كلفة الإنتاج، فضلاً عن مساهمتها في تدفق عملات خارجية تدعم ميزان المدفوعات. وقد قوبلت تلك القرارات باحتجاجات واسعة من قبل المزارعين في مناطق الإنتاج، حيث اتجه مزارعو الإقليم الشمالي إلى إغلاق طريق شريان الشمال، ومثل هذه المشكلات تعقد الوضع المأزوم في الأساس. هذا بالإضافة إلى ما أحدثته التظاهرات المتواصلة في العاصمة ومدن البلاد من شلل لأجهزة الدولة، التي باتت معطلة تماماً خصوصاً المؤسسات الإيرادية والخدماتية، ناهيك عن تعطل نشاط شركات القطاع الخاص التي تأثرت بإغلاق الجسور والكباري في أغلب أيام الإسبوع، ولم تعد هناك حياة اقتصادية معتادة كما كانت".

ونوّه أيضاً إلى أن الاقتصاد السوداني فقدَ خلال هذه الفترة التي صاحبت التظاهرات الواسعة، جزءاً كبيراً من تحويلات المغتربين بسبب توقف عمل بعض المصارف العالمية، ومنها خدمات بنك "ويسترن يونيون"، كما تسبب تعطل الدراسة في الجامعات السودانية بسب هذه الأزمة وإضراب أساتذة الجامعات، إلى هجرة العديد من الأسر السودانية إلى بلدان خارجية مثل مصر وتركيا، ما يعد استنزافاً غير مسبوق للاقتصاد السوداني. وأكد أن استمرار الوضع بهذه الوتيرة قد يؤدي إلى انهيار الدولة، فالمعضلة سياسية ولا بد أن يكون الحل سياسي. تلافي هذا الوضع ممكن في حال تشكيل حكومة مدنية معترف بها خارجياً، بحيث تعود المنح والقروض مرة أخرى، وكذلك مسألة إعفاء الديون التي كانت ستصل نقطة الإنجاز في عام 2024.

وأضاف أستاذ الاقتصاد السياسي، "لكن إذا قام البرهان بتعيين رئيس وزراء وتشكيل حكومة جديدة من دون توافق سياسي، فإن الوضع سيكون بائساً ولن يحل المشكلة، وستتدهور الأوضاع اقتصادياً وأمنياً. وفي اعتقادي أن الأفق الآن مسدودة تماماً، لأن القوة السياسية المؤثرة مصرّة على تنحي العسكر عن السلطة وأن تكون الفترة الانتقالية مدنية كاملة الأركان".

غياب التخطيط

وفي السياق، قال أستاذ الاقتصاد عبد العظيم المهل، إن "مشكلتنا أننا في مرحلة اللا دولة، وهي نفس المرحلة التي وصل إليها الصومال، لكن الفارق أن الصوماليين تعاملوا بالعملة الأجنبية مقابل أن يتراجع المواطن عن دفع الضرائب للدولة وألا يتحمل كلفة التعليم والصحة. وبالنسبة لنا فإن المواطن السوداني يتحمل كل شيء، من تعليم وصحة وسعر مرتفع للخبز والكهرباء ودفع ضرائب للحكومة، بالتالي إذا لم تسرع بطرح الحلول السياسية لإنهاء هذه الأزمة خلال هذا الشهر، فالوضع الاقتصادي سيتعقد أكثر مما هو عليه الآن. من المؤكد أن المساعدات الخارجية ستعود مجدداً باستثناء التعهدات المتمثلة في برنامج ثمرات وإعفاء الديون وغيرها، ويمكن أن يكون هناك دعم جديد من المجتمع الدولي والدول العربية، نظراً لأن السودان أصبحت دولة هشة ولا بد من إنقاذها حتى لا تصل حالة الفوضى".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومضى المهل قائلاً: "في ظل الوضع الحالي يصعب إصلاح أي شيء، نظراً لغياب الخطط والبرامج والسلطة التنفيذية. فالحكومة تسيّر أعمالها حالياً برزق كل يوم بيومه، في المقابل تذهب الأموال المتدفقة لخزينة الدولة إلى القطاع الحربي، بالصرف على الأجهزة الأمنية التي ظلت لأكثر من شهرين في حالة استعداد تام في ظل تصاعد وتيرة التظاهرات، مقابل غياب الرقابة على الأسواق وكذلك عدم وجود رقابة على أجهزة الدولة. كما هناك مهددات قد تزيد الأوضاع سوءاً منها الزيادة الكبيرة التي فرضتها الدولة على أسعار الكهرباء، الأمر الذي سينعكس سلباً على القطاع الزراعي. في الوقت ذاته، يتسائل الكثير من المواطنين عن الأموال التي دخلت خزينة الدولة بعد رفع الدعم عن الوقود العام الماضي، وكذلك أموال المعونات أين ذهبت؟".

مؤشرات سلبية

من جانبه أوضح المحلل المالي والاقتصادي طه حسين، أنه "بلا شك أن الوضع الاقتصادي في البلاد صعب للغاية، فكل المؤشرات سلبية من ضمنها الاستمرار في تحرير أسعار الخدمات الأساسية لاسيما الكهرباء، وهو أمر يؤثر على القطاعين الخدماتي والزراعي بشكل كبير، فضلاً عن عدم توافر المواد الخام التي تدخل في قطاع الزراعة. فميزانية الدولة في 2019 كانت تعتمد على الزراعة بنسبة 50 في المئة، والباقي من صادرات الذهب، لكن حالياً أصبح الاعتماد على الذهب الذي يصل إنتاجه سنوياً لحدود 77 طناً، وهذه واحدة من العيوب، إذ توجّه هذه الصادرات لاستيراد السلع الاستراتيجية من أدوية وقمح وغيرها، فقد أصبح الاقتصاد عبارة عن تضخم ركودي يقابله كساد في الوقت نفسه".

ولفت حسين إلى أن ما يحدث حالياً من ضبط لسعر الصرف سيكون موقتاً. صحيح أن سياسة طرح مزادات لشراء العملات الأجنبية التي يقوم بها بنك السودان المركزي من فترة لأخرى نجحت، لكنها لن تصمد في ظل عدم تدفق عملات أجنبية من مصادر حقيقية. وهذا لن يتأتى إلا بحل الأزمة السياسية وتكوين حكومة تنفيذية بالسرعة المطلوبة. ففي نظري، إذا لم تظهر أي مؤشرات للدعم الخارجي لغاية الربع الأول من هذا العام، فالوضع سيزداد سوءاً، ولن يتحمل المواطن العادي النتائج الكارثية التي يمكن أن تتسبب في ارتفاع في الأسعار بنسبة كبيرة. إضافة إلى ذلك فإن الدولة بسياساتها غير المدروسة ساهمت في هذا الوضع المخل، فعلى سبيل المثال أقر البنك المركزي سياسات جديدة بخصوص صادر الذهب لا تشجع المصدرين.

فيما توقع أن يكون ارتفاع سعر الصرف للجنيه السوداني مقابل الدولار البالغ 450 جنيهاً للدولار الواحد، خلال الفترة المقبلة بوتيرة بسيطة، نظراً لقلة حجم الاستيراد الذي تراجع كثيراً نتيجة لضعف القوة الشرائية في الأسواق.

ميزانية 2022

وعلى الرغم من دخول البلاد في السنة الجديدة، لكن تداعيات المشهد السياسي في السودان ألقت بظلالها على ميزانية عام 2022، إذ ما زالت في حكم المجهول والمصير نظراً لغياب حكومة تنفيذية لأكثر من شهرين، وتحديداً منذ 25 أكتوبر عندما أعلن قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان حال الطوارئ وحل مجلسي السيادة والوزراء بسبب خلافات بين المكونين العسكري والمدني، اللذين يحكمان البلاد في إطار شراكة بموجب وثيقة دستورية وقع عليها الجانبان في 17 أغسطس (آب) 2019، ما يتوقع بحسب خبراء اقتصاديين، أن تكون ميزانية هذا العام مضطربة وغير واضحة المعالم والأهداف، فضلاً عن عدم وضوح مواردها الحقيقية، بالتالي ليس أمام المعنيين بها خيار غير وضع ميزانية قائمة على سيناريوهات محددة.

وأدت هذه الأوضاع إلى اتجاه الدولة خلال هذين الشهرين لرفع سعري الوقود والكهرباء بنسب عالية، إذ شهد مطلع يناير (كانون الثاني) زيادة هائلة وغير مسبوقة في أسعار الكهرباء، بنسبة تجاوزت 500 في المئة، وجرى تطبيقها من دون إعلان أو سابق إنذار، ومن دون انتظار إجازة الموازنة العامة للدولة.

كما قامت السلطات السودانية في 19 نوفمبر (تشرين الثاني)، بزيادة أسعار المحروقات (البنزين والديزل) بمقدار 42 جنيهاً (0.09 سنت) للتر الواحد، ليصل سعر لتر البنزين 362 جنيهاً (0.81 سنت)، والديزل 347 جنيهاً (0.77 سنت).

وتعد هذه الزيادة الثانية من نوعها بعد رفع الدعم عن الوقود وتوحيد أسعاره في جميع أنحاء البلاد في ديسمبر (كانون الأول) 2020، على أن يتم تحديد سعر البيع للمستهلك وفقاً للأسعار العالمية، حيث أوكلت عمليات الاستيرات التي تمثل 40 في المئة من الاحتياج الكلي للاستهلاك، إلى شركات القطاع الخاص.

وزارة المالية

 

في المقابل، نوّه الناطق الرسمي في وزارة المالية السودانية أحمد الشريف في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، إلى أن "هناك جهوداً مبذولة للحصول على موارد ذاتية، خصوصاً بعد التوقف المؤقت للعون الخارجي. فالآن تعمل أجهزة الدولة كافة على تحسين الأوضاع بصورة أفضل، لا سيما في ما يتعلق بمرتب المواطنين والهيكل الراتبي وتحقيق نسبة نمو عالية، فضلاً عن تحفيز الإنتاج والإنتاجية. وقد جاء قرار تجميد زيادة سعر الكهرباء برداً وسلاماً، إذ يُعتبر من بشائر الخير".

وبالنسبة إلى تقييمه للوضع الاقتصادي الحالي، أجاب الشريف، "لا أستطيع القول إن هناك أزمة فعلية، لكن البلاد في مرحلة انتقال وهي من أصعب المراحل، لأن كثيراً من البرامج والخطط لا تكتمل بشكل سريع. فقد يكون هناك بطء لكن لا بد من أن تكون هناك آليات مساعدة وصحيحة لتحقيق التطلعات المأمولة". وأعرب عن تفاؤله بعبور هذه المرحلة بسلام وأمان، خصوصاً إذا وُضعت كل الأمور في إطارها الصحيح، وأنهيت الأزمة السياسية بالسرعة المطلوبة، باعتبار أن السياسة والاقتصاد متلازمان مع بعضهما البعض.

وأضاف "لا أعتقد أن غياب الحكومة لأكثر من شهرين أثّر في الوضع الاقتصادي، لأن هياكل الدولة تعمل بتناغم تام. صحيح أن وجود الوزراء يزيد من ديناميكية الأداء، ويسرّع عملية اتخاذ القرار، لكن ما دام هناك وكلاء تنفيذيون قياديون، فإن التأثير لن يكون كبيراً".

وبحسب الناطق الرسمي لوزارة المالية السودانية، فإن الموازنة العامة للدولة لعام 2022 تمت إجازتها في مرحلة القراءة الأولية بواسطة اللجان القطاعية الفنية بمجلس الوزراء، على أن تُرفع في المرحلة الثانية لإجازتها بواسطة مجلس الوزراء، ثم إقرارها بشكلها النهائي في جلسة مشتركة لمجلس الوزراء والسيادي خلال الأيام القليلة المقبلة.

معدل نمو حقيقي

ولفت إلى أن موازنة الدولة للعام الجديد تهدف إلى تحقيق معدل نمو حقيقي وخفض التضخم وإحداث استقرار في سعر الصرف، إلى جانب توجيه الاستدانة من الجهاز المصرفي إلى مشاريع التنمية وتحسين رواتب الأفراد ومرتبات العاملين في الدولة، وتخصيص جزء مقدّر لزيادة حجم الإنفاق على الصحة والتعليم والخدمات الضرورية الأخرى.

كما نوّه إلى أن الموازنة تشمل جملة من السياسات المالية، أهمها تمكين وزارة المالية من تحقيق ولايتها على المال العام ومعالجة تشوهات الأسعار وضبط الأسواق وتهيئة المناخ الجاذب للاستثمار المحلي والأجنبي وتوفير مدخلات الإنتاج الكافية وضبط وترشيد الإنفاق العام وترتيب الأولويات بالتركيز على القطاعات الإنتاجية. كما تضمن مشروع الموازنة عدداً من الموجهات العامة، أبرزها تحقيق متطلبات ولاية وزارة المالية على المال العام وتحديد وانتخاب مشاريع قومية وولائية متوسطة وقصيرة المدى، بهدف إزالة الفوارق التنموية والخوانق في القطاعات الإنتاجية والخدماتية، ومراجعة هياكل ومستويات الأجور وتحسينها في ضوء مؤشر الأرقام القياسية، للمحافظة على مستوى الدخل الحقيقي وإزالة المفارقات في الأجور.

وأشار الشريف إلى أن مشروع موازنة 2022 يستمد مرجعياته من الوثيقة الدستورية الانتقالية والبرنامج الثلاثي للاستقرار والتنمية الاقتصادية (2021- 2023) ومخرجات سلام جوبا والبرامج المتفق عليها مع مؤسسات التمويل الدولية وأهداف التنمية المستدامة ومخرجات المؤتمر الاقتصادي والورقة الاستراتيجية.

وأكد أن هناك توجهات بأهمية إحداث تحولات جذرية في السياسات الاقتصادية عبر الموازنة الجديدة، وتسخير إمكانات الدولة كافة لزيادة الإنتاج من أجل الصادر، فضلاً عن حشد الموارد الداخلية واستنهاض الهمم للحفاظ على مكتسبات انتفاضة ديسمبر، وتضمين الملاحظات كافة التي ذُكرت في إعداد تقرير الموازنة وتعديلها تمهيداً لعرضها على الاجتماع المشترك.

 

المزيد من تقارير