Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السودان بين استمرار التظاهرات ومبادرة الأمم المتحدة

رحبت السعودية والإمارات والولايات المتحدة وبريطانيا بإطلاق مشاورات أولية بين جميع الأطراف

يستعد آلاف السودانيين، الأحد، التاسع من يناير (كانون الثاني)، للخروج في مسيرات بالعاصمة الخرطوم ومدن البلاد الرئيسة، للمطالبة بإبعاد العسكر عن الحكم، وتسليم السلطة للمدنيين. ويأتي ذلك بعد ساعات من إعلان الأمم المتحدة، السبت، إطلاق مشاورات أولية بين الأطراف السودانية من المدنيين والعسكريين بهدف حل الأزمة التي يمر بها السودان منذ إعلان قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، في 25 أكتوبر (تشرين الأول)، تعطيل العمل بالوثيقة الدستورية وفضّ الشراكة مع المدنيين، ما اعتبره الشارع السوداني والقوى السياسية الرئيسة في البلاد انقلاباً عسكرياً.

وتأتي هذه المسيرات (مليونية 9 يناير) في ظل تصاعد وتيرة التظاهرات من جهة، وعنف قوات الأمن من جهة أخرى، ما أسفر عن سقوط 60 قتيلاً من المتظاهرين، بحسب لجنة أطباء السودان المركزية. واعتادت السلطات السودانية قبل انطلاق المسيرات نشر تعزيزات عسكرية كثيفة في وسط الخرطوم لمنع وصول المتظاهرين إلى القصر الرئاسي وجهتهم الرئيسة، وإغلاق الجسور التي توصل إلى مدينتي الخرطوم بحري وام درمان والخرطوم، إضافة إلى تعطيل خدمة الإنترنت والاتصالات الهاتفية.

وكان "تجمع المهنيين السودانيين" و"تنسيقيات لجان المقاومة" اللذان يقودان هذا الحراك، قد أعلنا عن خمسة "مواكب" خلال شهر يناير 2022 للتصعيد ضد حكومة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان. وقد رفعا شعار "لا شراكة، لا تفاوض، لا مساومة مع العسكر". ومواعيد هذه المسيرات أيام 6 و12 و17 و24 و30 من يناير. وقد أكّدا أن التصعيد سيتواصل، ولن يتوقف إلا برحيل المكوّن العسكري من المشهد السياسي وتسليم السلطة إلى المدنيين، وأن شهر يناير لن يكون سدرة منتهى، إذ يتخلله مسيرات مفاجئة غير معلنة في الجدول التصعيدي.

تباين المواقف

في غضون ذلك، تباينت مواقف القوى السياسية السودانية في شأن مبادرة الأمم المتحدة، وراوحت بين الترحيب والتحفظ والرفض. فقد تمسكت "قوى الحرية والتغيير" (المجلس المركزي) بموقفها المعلن بمواصلة العمل الجماهيري السلمي لهزيمة انقلاب 25 أكتوبر وتأسيس سلطة مدنية كاملة تقود الانتقال الذي يستكمل مهمات ثورة ديسمبر (كانون الأول)، والمطالبة بانتخابات حرة ونزيهة في نهاية المرحلة الانتقالية.

وقالت في بيان، إن "السودان دولة ذات عضوية في الأمم المتحدة، وبعثة يونيتامس لديها تفويض بموجب قرار مجلس الأمن 2524 لعام 2020 لدعم الانتقال المدني الديمقراطي في السودان، الذي عصف به انقلاب البرهان، وعليه فإن تعاطي البعثة مع الوضع الراهن يجب أن يتوافق مع قرارات مجلس الأمن التي نصت على دعم عملية الانتقال والتقدم نحو الحكم الديمقراطي والسلام وحماية حقوق الإنسان وتعزيزها".

وبينما أشارت إلى عدم تلقيها حتى الآن أي تفاصيل في شأن المبادرة الأممية، أكدت أنها ستدرسها حال تلقيها بصورة رسمية، وستعلن موقفها للرأي العام. ولفتت إلى أنها مع أي جهد دولي يساعد في تحقيق غايات الشعب السوداني في مناهضة الانقلاب وتأسيس دولة مدنية ديمقراطية.

"تعنت العسكر"

في السياق ذاته، أوضح رئيس لجنة السياسات في المكتب السياسي لـ"حزب الأمة القومي السوداني"، إمام الحلو، أن حزبه، من حيث المبدأ، "مع أي جهد داخلي وخارجي لإيجاد حل متوافق عليه ومقبول"، مؤكداً أن "المبادرة التي طرحتها الأمم المتحدة نتاج تعنت المكون العسكري برفضه الجلوس مع الأحزاب السياسية، ما فتح الباب للتدخلات الدولية، بالتالي إننا نتخوف من حدوث وصاية دولية، وهذا يتحمل تبعاته العسكريون الذين يتحكمون في السلطة".

ولفت الحلو إلى أن "السودان أمام مفترق طرق، ودخل في نفق مظلم، نتيجة الانسداد السياسي، خصوصاً بعد استقالة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك".

تغيير وتسوية 

وأشارت القيادية في "الحزب الشيوعي السوداني"، آمال الزين، إلى أن "المبادرات التي تعجّ بها الساحة السودانية، بما فيها المبادرة الأممية، تتجاهل حقيقة الواقع السياسي في السودان، فهناك قوتان في البلاد، الأولى قوى تطالب بالتغيير الجذري الرافض لمشاركة العسكر في الحكم وأي تسوية سياسية، والثانية قوى تمثل تيار التسوية، وهو ما تسبب في ضياع قرابة ثلاث سنوات من الفترة الانتقالية".  

أضافت الزين، أن "المسألة ليست انسداداً سياسياً، بل هي صراع بين مشروع يمثل تطلعات الشارع السوداني في إقامة دولة مدنية، وآخر يروج للحوار بواسطة جهات دولية وإقليمية لإيجاد تسوية لا تعبّر عن أماني الشعب"، مشددة على أن "أي مبادرة تتجاهل هذا الواقع أو تحاول فرض مشروع تيار التسوية ستكون فاشلة، لأن الشعب وصل إلى مرحلة متقدمة من الوعي ووضوح الرؤية، بالتالي إن أي مشروع يدير ظهره للشارع فهو خاسر، وفي هذا الإطار فإن مبادرة الأمم المتحدة إذا لم تدرك هذا الواقع أو تتجاوزته لن يُكتب لها النجاح، ولن تحقق خطوة إلى الأمام".

صوت العقل

في المقابل، قال القيادي في "الجبهة الثورية"، فتحي عثمان، "نحن كأطراف في العملية السلمية نرحب بالمبادرة الأممية، وندعمها بقوة ونعتبرها المخرج الوحيد للأزمة السياسية في بلادنا، وكنا نتمنى أن يكون الحوار سودانياً - سودانياً، لكن ما حدث من انسداد قاد إلى هذا التدخل الدولي، ونأمل أن تشمل هذه المبادرة كل الأطراف، وخصوصاً قوى الحرية والتغيير ولجان المقاومة وتجمع المهنيين، ما عدا المؤتمر الوطني ومن شاركه في الحكم". 

ولفت إلى أن "الخروج من هذه الأزمة يحتاج إلى صوت العقل والحكمة، وتقديم تنازلات من الأطراف كافة كي لا تجر البلاد إلى ما لا تُحمد عقباه"، مؤكداً أن "أي مقترح خارج إطار الوثيقة الدستورية قد لا يكون مقبولاً، وإقصاء العسكر من المشهد السياسي يؤدي إلى الانقسام السياسي، ويعقد الوضع إلى الأسوأ".

ترحيب دولي

رحّبت السعودية والإمارات والولايات المتحدة وبريطانيا، بإعلان الأمم المتحدة إطلاق مشاورات أولية بين جميع الأطراف السودانية، بما فيهم المدنيون والعسكريون، بهدف حل الأزمة التي تشهدها البلاد، داعيةً إلى اغتنام هذه الفرصة لاستعادة الديمقراطية المدنية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشار بيان مشترك للمجموعة الرباعية، صدر السبت 8 يناير، إلى أن هذه الدول "ترحّب بالإعلان عن قيام بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في السودان بتسهيل المناقشات لحل الأزمة السياسية"، مضيفاً، "نحن ندعم بقوة مبادرة الحوار السودانية التي تيسرها الأمم المتحدة".

وحض البيان جميع الأطراف السياسية السودانية على "اغتنام هذه الفرصة لاستعادة انتقال البلاد إلى الديمقراطية المدنية بما يتماشى مع الإعلان الدستوري لعام 2019"، داعياً إلى أن تكون هذه العملية "موجهة نحو النتائج وأن تقود السودان نحو انتخابات ديمقراطية بما يتماشى مع تطلعات الشعب السوداني الواضحة إلى الحرية والديمقراطية والسلام والعدالة والازدهار".

أصحاب المصلحة

وكان رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم الانتقال في السودان (يونيتامس)، فولكر بيرتس، قد أشار إلى أنه ستتم دعوة أصحاب المصلحة الرئيسين، من المدنيين والعسكريين، بما في ذلك الحركات المسلحة والأحزاب السياسية والمجتمع المدني والمجموعات النسائية ولجان المقاومة، للمشاركة في العملية السياسية.

وأوضح بيرتس أن العملية السياسية تهدف إلى دعم أصحاب المصلحة السودانيين للتوصل إلى اتفاق للخروج من الأزمة السياسية الحالية والاتفاق على مسار مستدام للتقدم نحو الديمقراطية والسلام، معرباً عن قلقه الشديد من أن يؤدي الانسداد السياسي الراهن إلى الانزلاق بالبلاد نحو مزيد من عدم الاستقرار وإهدار المكاسب السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تحققت منذ قيام الثورة في ديسمبر 2018.

وأضاف، "لم تنجح كل التدابير التي تم اتخاذها حتى الآن في استعادة مسار التحول الذي يحقق تطلعات الشعب السوداني، بيد أن الوقت حان لإنهاء العنف والدخول في عملية بنَّاءة، وستكون العملية شاملة للجميع".

ويشهد السودان أزمة سياسية على وقع تظاهرات متواصلة عقب استقالة رئيس الوزراء حمدوك، وانفراد البرهان بالسلطة، وهو ما يرفضه المتظاهرون الذين يطالبون بتنحي المكون العسكري عن السلطة في البلاد. 

وجاءت استقالة حمدوك احتجاجاً على ما وصفه بحالة التشرذم بين القوى السياسية السودانية، وعجزه عن إنجاز التوافق السياسي الوطني الذي ظل ينادي به من خلال مبادرات عدة طرحها خلال توليه رئاسة الوزراء، لكنها لم تجد آذاناً صاغية، فضلاً عن الوتيرة المتسارعة للانقسام بين الشريكين، ما أثر في فاعلية الدولة، لتدخل الأزمة السودانية منعطفاً جديداً ربما أكثر حدّة لم يشهده السودان منذ استقلاله في 1956. 

المزيد من العالم العربي