Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رحلة شكيب عبد الرحمن من المغرب إلى كندا بلغة الأجداد

نصوص تلغي حدود الجغرافيا وتؤكد أن الإنسان واحد مهما تعددت هويته

منظر لمدينة مونتريال الكندية (غيتي)

اختار شكيب عبد الرحمن أن يتقفى أثر أسلافه من الرحالة المغاربة في اختيار عنوان كتابه الجديد "من كازابلانكا إلى مونتريال كثير ما يحكى ويقال"، الصادر حديثاً عن دار سليكي في طنجة. فقد لجأ إلى السجع مستعيداً بذلك عناوين كتب رحلة قديمة مثل "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" للشريف الإدريسي، و"البدر السافر في هداية المسافر" لمحمد بن عثمان المكناسي، و"تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" لابن بطوطة. ويعيدنا هذا البناء السجعي الذي اختاره شكيب إلى عنوان طريف لكتاب رحلي لأبي القاسم الزياني قد يكون هو أطول عنوان في تاريخ التأليف عبر العالم "الترجمانة الكبرى في أخبار المعمور براً وبحراً وما تخللها من الأمصار والمدن والقرى والقفار والبحر والجبال والأنهار والعيون والمعادن والآبار وغير ذلك من عجائب خواص الحيوانات والأحجار وما يؤيد ذلك من التفسير والآثار ونوازل الفقه وشواهد الأشعار".

وإذا كان شكيب قد استقر على عنوان كلاسيكي لكتابه الرحلي فقد نحا بالمقابل إلى الحداثة في لغة السرد وبنائه، إذ يحس القارئ أن لغة الكتاب قريبة منه، هدفها نقل المشاهد والمشاعر وتقريب المتلقي وإشراكه في التجربة التي عاشها الكاتب في عدة مدن كندية. ويبدو البعد الإنساني طاغياً على متن الكتاب، فما يدافع عنه عبد الرحمن يبدو واضحاً من الوهلة الأولى، إنه يريد أن يقول لنا إن ما يفترض في العالم هو أن يعيش قاطنوه حالة من التكامل والتوافق، وإن الفوارق الجغرافية والتاريخية والعرقية والدينية والثقافية ينبغي أن تكون مظهراً من مظاهر التناغم لا التمييز السلبي. لذلك اختار أن يضع ثلاث عتبات لكتابه، أولاها للكاتبة الكندية مارغريت أتوود "أتمنى أن يأتي اليوم الذي يدرك فيه جميع الناس أن هناك عرقاً واحداً فقط يسمى العرق البشري، وأننا جميعاً ننتمي إليه".

الإنسان قبل المكان

ما وضعه شكيب في العتبة ترجمه مباشرة في الصفحة الأولى من الكتاب، وهو يتحدث عن السائق الجزائري "المؤدب والخدوم" الذي شاءت الصدفة أن يكون هو أول من سيلتقي به حين خرج من مطار مونتريال، بعد إجراءات الوصول والدخول التي حاول الكاتب ألا يسهب في وصفها.

 وإذا كان هناك من إسهاب في الوصف فقد خصصه الكاتب لمشاهد إنسانية عديدة، ولم يكن معنياً بالعمران والمظاهر المادية للحضارة بقدر ما كان مفتوناً بعقد مقارنات بين القيمة الاعتبارية للإنسان في كندا ونظيرتها في البلد العربي. لم يكن شكيب لينبهر بالتقدير الإنساني هناك، إنما كان يتحسر بالمقابل على بلدان ضيعت على أهلها فرصة التنمية الحقيقية التي ترفع الإنسان إلى الدرجة التي يستحق باعتباره صانع الحياة.

وبينما يصف سيارة نقل أطفال المدارس التي تشل حركة المرور، يدافع عن فكرة مفادها أن تقدير الأطفال في الحاضر تجني ثماره في المستقبل، باعتبار أن من تنتظر منه أن يخدم البلاد غدًا عليك أن توفر له اليوم خدمات الرعاية والأمان.

ما يقدمه شكيب في كتابه الرحلي شبيه بتلك الرقصة الجماعية في "ساحة الفنون" على إيقاع أغاني رامازوتي وكولينس التي انخرط فيها شبان وشابات من بلدان عديدة ومن ديانات مختلفة، ليؤدوا حركات استعراضية متناغمة تجعل الفن يعلو على كل أشكال الاختلاف العرقي والجنسي والديني، ويلغي بالتالي كل المسافات والأبعاد الجغرافية للإنسان المعاصر.

هذه المشاهد تهيمن على مسرودات الكاتب المغربي، تعقباً منه لمباهج الحياة وانتصاراً لكل القيم الإيجابية، فلا كآبة ولا شكوى في نصوص شكيب عبد الرحمن، بل ثمة -على امتداد صفحات الكتاب- الكثير من الموسيقى والفرح والسكينة والإشادة بالإنسان الذي ينتبه لوجود الآخر، ويحترم الاختلاف، ويتطلع إلى الاستقرار والاستمتاع في "الأرض السعيدة".

سرد غزير بلغة واضحة

 توسل الكاتب لغة متخففة من البلاغة وبعيدة عن التقعر، وربما هي اللغة الأنسب لأدب اليوميات والرحلات. ويبدو أنه كان يكتب وعينه على القارئ، فهو يرغب في أن ينقل إليه أشكال تفاعله مع مظاهر الحياة الكندية. وكان يهمه إيصال هذا التفاعل أكثر من أي شيء آخر، ولذلك لم تكن اللغة غاية، بل وسيلة وجسراً لتمرير انطباعات الكاتب وخلاصاته ذات الطابع الإنساني والاجتماعي والثقافي.

 اعتمد شكيب في بناء نصوص الرحلة على أنماط السرد الثلاثة: المتسلسل والمتقطع والتناوبي، لذلك كانت البنى الحكائية تتغير من نص إلى آخر. فبعض النصوص تبدو كما لو أنها تقرير ذو بناء خطي مباشر، بينما تتخذ نصوص أخرى شكل القصة القصيرة الحديثة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الأحداث التي ينقلها شكيب إلى القارئ غزيرة، وهو يملك قدرة واضحة على تعقب التفاصيل وترتيبها داخل محكياته. لذلك يجد القارئ المعني بالسرد المشهدي الكثير من التصوير والوصف الذي أسهب فيه الكاتب وهو ينقل مشاهد متعاقبة من محطات قطار الأنفاق وساحة الفنون وشارع الشرارات ومركز الستار، مروراً بالمتحف الوطني ونهر أوتاوا وملعب كرة القدم، وصولاً إلى شلالات نياغرا ودروب تورنتو ونهر سان لورو ومستشفى ميزون نوف والأحياء القديمة لمونتريال، وغيرها من الأماكن التي يحفل بها الكتاب.

 سرد شكيب عبد الرحمن يحتفي بالمكان، لكنه يقطع مع الذاكرة الجامدة، فهو لا يراهن على تقديم معارف حول الجغرافيا التي يجوسها، بقدر ما يرغب، وعلى نحو مطرد، في أن ينقل إلى القارئ أشكال تفاعله مع عناصر هذه الجغرافيا.

 يخرج قارئ كتاب "من كازابلانكا إلى مونتريال" بالكثير من الانطباعات الإيجابية، فالنصوص عند شكيب عبد الرحمن تمتح فقط من المظاهر المشرقة للحياة، وتبعث على الانشراح والإيجابية، وتعلي من القيم الإنسانية بمختلف تفرعاتها. إننا أمام دعوة مفتوحة للإقبال على الحياة ونشدان الصفاء بعيداً عن المنغصات والسلبيات التي ترهق الإنسان المعاصر.

المزيد من ثقافة