Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"النواة التوراتية" سلاح فتاك لتشتيت العرب في المدن المختلطة

مؤسسو الأنوية يؤكدون أن وجودهم يهدف إلى متابعة برنامج للارتقاء الاجتماعي

تركز الأنوية التوراتية على استجلاب أنصارها بشكل منظم للسكن والاستيطان في بلدات يسكنها يهود علمانيون  (اندبندنت عربية)

بعد يوم عمل مرهق مليء بالأعمال المكتبية الرتيبة، وساعات من الازدحام المروري في شوارع تل أبيب، عاد علاء النقيب (30 سنة) إلى منزله بالبلدة القديمة في مدينة اللد (مدينة مختلطة)، ليحظى بقسط كافٍ من الراحة والهدوء قبل الانهماك بأعمال جديدة، لكن الليلة الهادئة التي حلم بها النقيب تبددت مع إقامة حفل صاخب ظل حتى ساعات الصباح لمجموعة جديدة من السكان اليهود المتدينين، الذين انتقلوا إلى المدينة كجزء مما يسمى بـ"غرعين توراني"، وهي مجموعات منظمة حول فكرة تعزيز الوجود القومي الديني اليهودي في المدن الإسرائيلية، التي تضم عدداً من العرب وغير اليهود أو السكان اليهود غير المتدينين.

المستوطنون الجدد

خلال السنوات الأخيرة، بدأ إسرائيليون من القطاع الحريدي (يهود متدينون) بالانتقال من مستوطنات الضفة الغربية وغلاف غزة إلى المناطق العربية الفقيرة في يافا واللد والرملة وعكا وحيفا (مدن مختلطة ذات أغلبية يهودية وأقلية عربية)، مع بناء معاهد دينية وتطوير مبانٍ سكنية يتم تسويقها بشكل حصري لليهود، في محاولة لتعزيز الوجود اليهودي هناك بما بات يعرف "بالنواة التوراتية" أو "المستوطنين الجدد". وتشير التقديرات إلى وجود "النويات التوراتية" في 80 مدينة وبلدة في إسرائيل، بينها البؤر الاستيطانية في المدن المختلطة. حيث يوجد في الرملة 80 عائلة، ومثلها بحي العجمي في يافا، و110 عائلات استوطنت عدة أحياء في عكا بينها أحياء ذات أغلبية عربية، وفي اللد التي تضم واحدة من أقوى النويات في إسرائيل يصل عدد "المستوطنين الجدد" إلى 1200عائلة.

يقول النقيب لـ"اندبندنت عربية"، يسعى "المستوطنون الجدد" إلى استفزازنا بشتى الوسائل، بدءاً بالطواف في الأحياء ذات الأغلبية العربية، بمشاركة عشرات وأحياناً المئات من الفتية، يغنون أغاني دينية ويثيرون ضجة وفوضى عارمة. وأحياناً يهتفون بشعارات ضد العرب مثل "اخرجوا من هنا" و"أرض إسرائيل لنا"، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات وشجار فيما بيننا، وقد تصل الأمور إلى التراشق بالحجارة والمشادات الكلامية وصولاً إلى التشابك بالأيدي. جميع الذين يسكنون في هذه "الأنوية التوراتية" هم مستوطنون قدموا من معاقل المتطرفين في مستوطنات الضفة الغربية، مثل "كريات أربع" و"بيت إيل" و"الون موريه" و"فيدوئيل"، وبعضهم يسكن لأول مرة داخل إسرائيل، وهم مشحونون بروح عدائية وبالطاقة نفسها التي يفرغونها ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية. شعرت بالاستفزاز، بل بالعدوان، من سعيهم لشراء بيوتنا وعدم إخفاء نياتهم بطردنا من المدينة.

حراك اجتماعي

السكان العرب يتهمون المجموعات التوراتية مثل "غرعين توراني" بالسعي لتهويد أحيائهم العربية وطردهم من اللد، وأنهم يواجهون مضايقات منتظمة من الوافدين الجدد. في حين يجادل أعضاء المجموعة وأنصارهم بأنهم يسعون فقط لدعم المجتمعات ذات الخصائص الاجتماعية والاقتصادية المتدنية، وإلى متابعة برنامج للارتقاء الاجتماعي، ويصرون على أن جميع الأطراف في المدينة المضطربة ستستفيد منه. إذ تنخرط مجموعة "غرعين" حسب صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" في مبادرات اجتماعية وتربوية، بما في ذلك مركز يهودي عربي محلي في رمات إشكول (البلدة القديمة في اللد).

يسرائيل سامط، الذي يقود مجموعة غرعين قال في وقت سابق لصحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، "نحن هنا ولن نترك. بعض العائلات تركت لفترة وجيزة لالتقاط أنفاسها، ولكن معظمنا لا يزال هنا، يحاول إعادة البناء. نحن هنا لنبقى".

آخرون يرون أن وجود "المستوطنين الجدد" داخل الأحياء العربية يخل بالتوازن الحساس للحياة في المدن المختلطة، التي لا تزال متوترة. أمنون بئيري سوليتسيانو، المدير المشارك في جمعية "مبادرات إبراهيم" لدعم الحياة المشتركة (غير ربحية) يقول "البؤر الاستيطانية هي مستوطنات تهدف إلى إفشال إمكانية العيش المشترك والمساواة والوجود العربي في أي حي أو مدينة أو منطقة مجاورة يسكنها العرب واليهود. يجب على البلدية أو الحكومة إذا كان لديها مصلحة ألا يتفكك مجتمعنا تماماً، ألا تقدم الدعم لهذا المشروع المدمر فحسب، بل يجب أن تتخلص من البؤر الاستيطانية. قسط من أموال الضرائب التي ندفعها جميعاً تذهب لبعض أعمال العنف التي شهدناها، ويجب إيقاف ذلك".

دعم حكومي

حسب تقرير صادر عن المركز الإسرائيلي لتجديد الديمقراطية (مولاد)، تعتمد "النواة التوراتية" بشكل كلّي على دعم الأجهزة الحكومية الإسرائيلية، وعلى وجه التحديد وزارات الإسكان والبناء، وتطوير النقب والجليل، والتربية والتعليم. وقد أشارت مُعطيات حصل عليها المركز، إلى أن 68 "نواة توراتية" مقربة من حزبي الصهيونية الدينية والبيت اليهودي، أُقيمت خلال العقد الأخير فقط، حصلت على دعم حكومي كبير لمشاريعها التوسعية الاستيطانية في المدن المختلطة، وصل الى 24 مليون شيكل (قرابة ثمانية ملايين دولار).

فيما كشفت صحيفة (TheMarker) الإسرائيلية المتخصصة في الشؤون الاقتصادية عن أن ما تسمى "النَوَيات (جمع نواة) التوراتية" تسيطر على عشرات الأحياء في المدن والبلدات الإسرائيلية، وتدفع باتجاه استجلاب أنصارها بشكل منظم للسكن والاستيطان في بلدات يسكنها يهود علمانيون، ثم تعمل على التغلغل داخل هذه المجموعات والتأثير في طابع حياتها في مختلف المجالات، ودفعها إلى التدين وتبني أيديولوجية متطرفة معادية للعرب والفلسطينيين. وأشارت الصحيفة إلى أن "النويات التوراتية" تعمل تحت أسماء متعددة وتملك مئات الجمعيات والمؤسسات وتوظفها لتجنيد الأموال والدعم بكل أشكاله، على الرغم من عدة تقارير أصدرها مراقب الدولة (هيئة رسمية للرقابة على الوزارات والمؤسسات الحكومية والعامة وأذرعها المختلفة) على مدى سنوات، التي حذرت من نشاطات مالية غامضة ومشبوهة لهذه المجموعات وأوصت بتوحيد مصادر تمويلها لتكون تابعة لجهة حكومية واحدة.

تهميش العرب

تقول فداء شحادة، العضو العربي في بلدية اللد، في تصريح خاص، "هناك ممارسات عنصرية تنتهجها بلدية اللد ممثلة في رئيسها يائير رفيفو، تسعى إلى سلب المرافق العامة التابعة للعرب وتحويلها إلى نواة توراتية، كمحاولات الاستيلاء على أرض وساحة مدرسة الرازي الابتدائية لصالح الكلية العسكرية، كما استولوا على قطعة الأرض الملاصقة للمدرسة من دون أي اعتبار للقانون والنظام، وهو اعتداء صارخ على كرامتنا لن نقبل به. هناك تضييق مقصود على العرب في المدن المختلطة بهدف التهويد وتهميش العرب واقتلاعهم. أعتقد أن الدعم الكبير الذي يحظى به المستوطنون الجدد في النويات التوراتية جاء لأن الحكومة الإسرائيلية تعتبرهم (زعران الدولة) والحصن المنيع ضد تمرد العرب وثورتهم الأخيرة التي حصلت في مايو (أيار) الماضي، بخاصة أنهم من قاموا بحرق وتدمير وإرهاب السكان العرب في المدن المختلطة خلال تلك الأحداث".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عضو الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي عايدة توما كتبت عبر صفحتها في "فيسبوك"، "استمعت ورفيقاي أيمن عودة وعوفر كسيف للأهالي الذين عبروا عن استيائهم وغضبهم من الاقتحامات المستمرة ورمي الحجارة على محيط المدرسة من قبل زمرة مسلحة من (النواة التوراتية) المدعومة من البلدية ورئيسها والساعية لتضييق الخناق على السكان العرب، ومحاولة إرهابهم لكي يتركوا أراضيهم ويرحلوا كجزء من مخطط تهويد اللد واستهداف الوجود العربي في المدينة. أما آن الأوان ليفهم رفيفو وغيره بأننا متجذرون في هذه الأرض وبأن كل هذه المحاولات ستبوء بالفشل مثل سابقاتها؟ أما آن أن يفهم العنصري بأننا عشرون مستحيلاً، في اللد والرملة والجليل؟".

ورداً على الاتهامات، قال مدير عام بلدية اللد، أهارون آتياس، الذي يعتبر من مؤسسي "النواة التوراتية" في اللد، لوسائل إعلام إسرائيلية "ظاهرة النويات التوراتية مباركة. حين يترك مواطن مكان سكنه وبيئته ويأتي إليك ليقول أريد أن أكون شريكاً في الحراك الاجتماعي والمشروع الأيديولوجي فلا يمكن إلا أن ترحب به".

 عضو الكنيست أوري أريئيل أكد بدوره أن "الأنوية تساعد في تقوية الأساس اليهودي في تجمعات سكانية يهددها العرب. وإنه لمفخرة أن نأتي على ذكر الأنوية في عكا واللد والرملة وغيرها، والإشارة بالبنان إلى موقف صمود أعضاء النواة في يافا الذين يواجهون حملة نزع شرعية عنصرية من جانب السكان العرب".

استيطان القلوب

أشارت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية إلى أن عدداً من اليهود العلمانيين في بلدات تنشط فيها هذه المجموعات التوراتية "تبدي تخوفها من تغلغلها في أوساطهم وفرض أنماطهم على حياتهم الاجتماعية والتربوية". واعترف المحللان الإسرائيليان براك رفيد وجيلي كوهن بأن تعاظم قوة النواة التوراتية في المدن المختلطة أسهم في تدهور الأوضاع، وأعاد البعض نشر مقالات قديمة توضح أن تلك النويات تشكل خطراً على علمانية المجتمع الإسرائيلي، وسعيها إلى "تديين" الأطفال والمراهقين هناك وفرض سيطرتها على سلك التعليم.

من ناحية أخرى، يرحب العديد من العلمانيين اليهود بحسب صحيفة TheMarker بنشاط "النويات التوراتية" بزعم تحسين الأحياء التي ينشطون فيها في مختلف المجالات، فضلاً عن كونهم يشكلون سداً أمام التمدد العربي.

وكشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية في وقت سابق، عن مخطط لإقامة 300 نواة توراتية جديدة في إسرائيل، وأن المستوطنين الجدد يخططون للاندماج في الحكم المحلي، إذ قال مركز الأنوية التوراتية شاي توفيل للصحيفة "تحولنا إلى مجموعة قوية، ونحن نتطلع إلى ترجمة هذه القوة إلى خطوط عملية والدخول في أجهزة الحكم المحلي. نحن لا نريد أن نبقى أولئك الذين نبتهج فقط في يوم القدس وعيد الفصح، لدينا طموحات قيادية بكل تأكيد". ووفقاً للموقع الإلكتروني لمشروع "الأنوية التوراتية"، فإن العضو يتطوع 25 ساعة في الشهر في أعمال لصالح "النواة".

لجنة تحقيق

يذكر أن منظمة حقوق الإنسان هيومن رايتس ووتش قالت في تقريرها الذي نشرته في ديسمبر (كانون الأول) عام 2021 إن السلطات الإسرائيلية "ترتكب الجريمتين ضد الإنسانية المتمثلتين في الفصل العنصري والاضطهاد، بناء على سياسة الحكومة الإسرائيلية للحفاظ على هيمنة الإسرائيليين اليهود على الفلسطينيين أينما كانوا، وانتهاكات جسيمة ضد الفلسطينيين الذين يعيشون في الأراضي الفلسطينية المحتلة". وقال مدير إسرائيل وفلسطين في المنظمة عمر شاكر إن على "لجنة التحقيق بشأن إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة" التي أنشأها "مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة" في مايو (أيار) التحقيق في هذه الممارسات التي تبدو تمييزية، وما إذا كانت التعليقات التحريضية التي أدلى بها كبار المسؤولين الإسرائيليين حرضت على العنف.

وأعلنت الحكومية الإسرائيلية ضمن الميزانية الجديدة إنفاق 9.4 مليار دولار على تحسين أوضاع التوظيف وخلق فرص عمل جديدة، وتحسين مستوى خدمات الرعاية الصحية للعرب في إسرائيل، علاوة على ضخ استثمارات في قطاعي التكنولوجيا الفائقة والإسكان، والإنفاق على تحديث شبكات البنى التحتية المتهالكة في المناطق التي يقيمون فيها.

المزيد من تقارير