Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ربما حان وقت تأجيل عمل اليوم إلى الغد في... 2022

الشكوى التي تعتري مليارات الأفراد لا تخرج عن إطار "لم أجد متسعاً لإنهاء عمل ما"

عامل الوقت يفرض نفسه على سكان الأرض من دون استثناء  (أ ف ب)

جرت العادة البشرية في نهاية كل عام عقد الجرد وتقييم الأداء السابق وسن المخططات وعمل الحسابات لعام جديد. وسواء كانت الجردة تطغى عليها أحداث طيبة أو حوادث مؤسفة، أو كان العام مليئاً بالمفاجآت أو مضى مملاً رتيباً كغيره، أو اعتبر الشخص أن ما سبق من عام هو الأفضل أو الأسوأ أو بين بين، يبقى عامل الوقت حاكماً لتقييم ما فات ومكوناً رئيساً من مكونات ما هو آتٍ.

فبالإضافة لحقيقة أن الوقت هو المكون الرئيس، أو بالأحرى الأوحد، لعام مضى وآخر أتى، فإنه يفرض نفسه على حسابات سكان الأرض من دون استثناء. ولا تخلو جردة من حساب لوقت أمضاه فلان في عمل أو علاقة أو رياضة أثبتت جدوى في كل دقيقة، أو تقييم لوقت أهدره علان في نشاط أو هواية أو محاولة كانت إهداراً تاماً لكل ثانية. كما لا تخلو جردات الأفراد والعائلات وربما المجتمعات من محاسبة ذاتية لما مر من وقت كان يفترض أن يشهد قائمة من الإنجازات، فإن طالت قيل إنهم أحسنوا إدارة الوقت وإن قصرت قيل إنهم أهدروه ودعوه يذهب سدى.

صدى صوت سكان الكوكب

يكاد صدى صوت سكان الكوكب في مثل هذه الأيام يردد بلغات الأرض المختلفة أنه ينبغي إدارة الوقت بطريقة أفضل وأكثر كفاءة وأعلى إنتاجاً. وإذا كانت مليارات البشر في شتى أرجاء الأرض تحاسب نفسها حساباً عسيراً على مدى قرون على ما أهدرته من وقت، فإن نهاية عام 2021 حملت معها حساباً من نوع مختلف. ففي نهاية عام 2020، اعتقد سكان الأرض أن العام الذي مضى غير قابل للتكرار، وأن الوقت الذي أمضوه في صدمة الوباء ثم التعامل مع قواعد الحياة الجديدة المؤقتة في كنفه وأخيراً مسألة اللقاحات وهل يتلقونها أم يرفضونها وهل تصلهم أصلاً لن يتكرر لأنه من غير الوارد أن يستمر الوباء أكثر من ذلك.

لكن الوباء استمر أكثر من ذلك طيلة عام 2021، ليس هذا فقط، بل أعلنها صراحة أنه ومتحوراته باقية مع البشرية لحين إشعار آخر. لذلك، فإن جردات ومراجعات عام 2021 والمحاسبات الذاتية والمجتمعية لإدارة الوقت تضع هذه المرة الوباء ومتحوراته وإغلاقاته المتوقعة في أي وقت في حساب ما فات من وقت والاستعداد لما هو مقبل أيضاً.

جرد أممي للمؤجلات

العام المقبل يأتي محملاً بـ365 يوماً يتصور البعض أنها تمثل وقتاً طويلاً، لكن بحساب "وقت كورونا" أوcorona time كما بات البعض يسمي الوقت لن تكفي الـ12 شهراً لعمل ما ينبغي عمله من أعمال غير منجزة ومهام مسوَّفة وواجبات مُرجأَة وحتى أوجه ترفيه وعناية بالنفس مؤجلة.

بند "المؤجلات" يشهد عملية جرد أممية في نهاية العام. ولا يستوي الجرد من دون حساب وتفكير وتدبير. الشكوى التي تعتري مليارات الأفراد لا تخرج عن إطار "لم أجد من الوقت ما يكفي لعمل كذا". كذا قائمة طويلة تحوي أيضاً مليارات المحتويات بعدد من يشكون ضيق الوقت ومداهمته لهم في نهاية العام بشكل لم يسمح لهم بالقيام بما كان يتوجب عليهم إنجازه أو كانوا يودون عمله. "لم أجد متسعاً من الوقت لإنهاء مذاكرتي قبل الامتحان"، أو "للذهاب إلى الجيم بعد العمل"، أو "لزيارة أبي وأمي في عطلة نهاية الأسبوع"، أو "لقضاء وقت أطول مع أسرتي في البيت"، أو "للسفر والترحال مع الأصدقاء"، أو "لممارسة الرياضة التي أحبها"، أو "لمشاهدة التلفزيون في أمسية هادئة"، أو "للقيام بأعمال خيرية لصالح فئات أقل حظاً"، أو "لقراءة المزيد من الكتب"، أو "لكتابة مذكراتي وخواطري"، أو "لمهاتفة أصدقاء"، أو "للتعبير لزوجي عن مدى حبي له"، أو "لإخبار زوجتي أنني ممتن لكونها شريكة العمر"، أو "لتشجيع أبنائي"، أو "لمساعدة سكان العمارة في تنظيف المدخل"، أو "لإعداد المزيد من الطعام البيتي للأسرة"، أو "للتركيز أكثر في العمل"، أو "للبحث عن عمل آخر"، والقوس مفتوح على مصراعيه.

مصاريع الوقت على الرغم من أنها مفتوحة، والوباء على الرغم من الإيحاء بأنه أتاح المزيد من الوقت، فإن جردات نهاية العام لا تزال واقعة تحت سيطرة "لم أجد متسعاً من الوقت". "داهمنا الوقت" الذي هو كالسيف إن لم تقطعه قطعك، واستمر في قطعك عاماً بعد آخر، على الرغم من أن قرارات العام الماضي دار جميعها حول إيجاد متسع من الوقت لممارسة ما فاتت ممارسته، وإنجاز ما لم يتم إنجازه، وانتهاج ما لم يمكن انتهاجه، والإقلاع عما ينبغي الإقلاع عنه.

قرارات عام 2022 التي يتفنن البعض في إفراد القوائم لها تأخذ وحدة الوقت الجديدة "وقت كورونا" في الحسبان. "لو تيسرت الظروف ولم تغلق البلاد في العام الجديد أحب أن أفعل كذا"، "لو لم يتطور الوباء بشكل أسوأ أود أن أغير كذا"، "لو تقلص الوباء أرغب في تعويض ما أهدرته من دون عمل كذا"، "لو استمر الوباء وتحوراته سأخطط لعمل كذا"، والقائمة أيضاً طويلة. حتى لو لم تكن كلمة "الوباء" مدرجة بشكل واضح في قرارات العام الجديد، فهي موجودة ومحفورة في ذهن كل من يقرر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قرار إدارة الوقت بشكل أفضل تأتي على رأس قوائم كثيرين من الراغبين في إحداث تغيير ما في حياتهم. مؤشر البحث "غوغل" يخبرنا أن كلمات وعبارات مثل "الوقت" و"إدارة الوقت" و"تنظيم الحياة" و"كيف أتمكن من إنجاز المؤجلات؟" ذائعة الصيت في نهاية كل عام. لكن هذا العام، يقلق البعض من أن الإحساس بالوقت لدى ملايين البشر تأثر سلباً بسبب كورونا وإجراءاتها بين إغلاق ونصف إغلاق وتهديد به بحسب عداد إصابات ووفيات لا يعلمه مسبقاً إلا القدير.

في مقال نشره موقع جامعة ميامي الأميركية، يقول أستاذ مساعد علم النفس في الجامعة آرون هيللر، "إن إحساس الناس بالوقت يتأثر عموماً بحجم الخبرات والتجارب والأحداث الجديدة في حياتهم، وحين يتقلص حجمها أو يتجمد ينعكس ذلك على إحساسهم بالوقت، ويفقد كثيرون ما كانوا يمتلكونه من مهارات لإدارته بشكل جيد". يضيف أن "الروتين اليومي لملايين البشر في ظل الوباء، لا سيما في أثناء الإغلاق والعمل والتعليم من البيت، تغير كثيراً وانخفضت نسبة التعرض لأحداث جديدة بشكل كبير، لذلك اختل مفهوم الوقت لدى كثيرين".

كثيرون كانوا يشكون عدم قدرتهم على القيام بكثير من الأنشطة التي يودون القيام بها. تمر ساعات اليوم الـ24 كأنها ساعتان أو ثلاث. لا يجد الفرد وقتاً ليجلس ويحتسي كوباً من الشاي تحت ضغط المسؤوليات التي يتوجب عليه إنجازها أثناء اليوم. وبعد انتهاء اليوم، ينظر إلى قائمة إنجازاته فيجدها هزيلة. أين ذهب الوقت؟ وفيمَ تبدد؟

ضيق وقت مزمن

في زمن بعيد، كان يقال إن "الأوقات السعيدة تمضي بسرعة". لكن يبدو أنه مع تغير الزمن لم تعد الأوقات السعيدة وحدها التي تمضي بسرعة. كل الأوقات تمضي بسرعة. وكل الأنشطة والإنجازات أثناء اليوم تبدو ضئيلة مقارنة بحجم الوقت الذي استغرقته. وعلى الرغم من أن معضلة ضيق الوقت تبدو أفضل قليلاً في الدول التي لم تصدر قرارات إغلاق لفترات طويلة أو لم يتم تنفيذ قرارات الإغلاق فيها بشكل صارم، فإن الشكوى المزمنة من ضيق الوقت استمرت.

الوقت والبركة والذنب

الطريف أن البعض يهرع لرجال الدين طلباً للمعونة أو بحثاً عن تفسير لما استعصى عليهم من فهم سبب ضيق الوقت على الرغم من أنه يبدو وفيراً. والأكثر طرافة أن كثيرين من رجال الدين يضيفون حملاً إضافياً إلى الباحثين عن ملجأ روحاني، إذ يلقون باللوم على السائل. فهو حتماً يلعن الزمن والوقت، وهذا محرم، أو من دون شك يقوم بأعمال غير مجدية دينياً ما يفقد الوقت بركته، أو بكل تأكيد يسمح للشيطان بالسيطرة على تفكيره فيقنعه بأن الوقت لا يكفي. ويخرج السائل ومعه جعبة إضافية تتمثل في الشعور بالذنب من أنه السبب في ضيق الوقت.

آخرون يلجأون إلى خبراء تنمية بشرية أو ذاتية أو أفراد عاديون نجحوا في تنمية أنفسهم والوصول إلى طرق تعيد للوقت بركته وللساعات سعتها الاستيعابية المعقولة، في ظل ظروف الوباء التي تجعل من التخطيط المسبق لليوم التالي تحدياً كبيراً.

بات الوقت مختلفاً

التحدي الأكبر على مدى العامين الماضيين كان فهم فكرة أن الوقت بات يمضي بشكل مختلف. روتين ملايين البشر تغير وتبدل. وشكاوى الغالبية من أن الوقت لا يتسع لفعل كذا وأن قوائم المؤجلات آخذة في التمدد لم تتوقف ولكن تغير إيقاعها وتبدلت محتوياتها.

التعامل مع تقلبات العمل والتأرجح بين العمل في البيت والتوجه إلى المكتب والجمع بينهما وأحياناً خسارة العمل نفسه جميعها أثر في مفهوم الوقت والتعامل معه. وعلى الجانب الإيجابي، يؤكد كثيرون في نهاية العام الثاني من عمر الوباء أنهم اكتشفوا سبلاً جديدة لتنظيم الوقت وإدارته بشكل أكثر كفاءة، بالإضافة إلى التغيرات الكبرى التي طرأت على قوائم الأعمال والأولويات والمؤجلات.

خرجت "اندبندنت عربية" من الحديث لعدد من الأفراد الذين أعلنوا تحقيق قدر من النجاح في سبل إدارة الوقت والتصالح مع أنفسهم فيما يتعلق بضيق الوقت المزمن بحصيلة يمكن تلخيصها في خمس نصائح.

الخطوات الصغيرة

الأولى تتمثل في تغيير وحدة قياس كفاءة تمضية الوقت، فبدلاً من وزن الإنجازات بالكيلوغرام، يمكن وزنها بقيمة الإنجاز ومعناه. عدم اليقين الذي بات الجميع يعيش فيه على مدى اليوم طيلة أيام العام يعني أن القياس ينبغي أن يكون بقدر الخطوات الصغيرة التي يتم إنجازها لا القفزات الرهيبة. التفاصيل الصغيرة تعني الكثير، وليس المشروعات متناهية الحجم أو الإنجازات رهيبة الأثر. وينصح معتنقو الخطوات القصيرة أن يكون الجميع أكثر لطفاً مع النفس وأقل قسوة. فقد حان وقت التحول من طريقة القياس الأممية التي يتم تطبيقها على الجميع من دون أخذ الفروق الفردية في الاعتبار. وهذا يعني التركيز على السلوكيات الشخصية التي يمكن تعديلها على أرض الواقع وليس في مدينة الأحلام لإنجاز الأعمال والمهام وحتى الترفيه بشكل أفضل في وقت مناسب، بدلاً من الجلد المستمر للذات.

تعديل مسار التركيز

ولأن عدم القدرة على التركيز بشكل ما يؤدي إلى القيام بالأعمال في وقت طويل وترحيل المزيد إلى قائمة المؤجلات يأتي على رأس قائمة جلد الذات، فإن النصيحة الثانية تدور حول تعديل مسار التركيز، بمعنى آخر أن الوباء وما أدى إليه من تغيرات كبرى في إيقاع العمل ومكانه وحجم الترفيه إلى آخره جعل كثيرين يحاولون القيام بأكثر من مهمة في وقت واحد ظناً منهم أنهم هكذا يوفرون الوقت.

 العمل من البيت جعل البعض يعمل وفي الوقت نفسه يطهو في المطبخ ويتابع دراسة الأطفال ويحظى بنومة قصيرة. والنتيجة هي أن أياً من هذه الأعمال لا ينجز بشكل كفء، بالإضافة إلى شعور الشخص بالإنهاك والتشتت ومزيد من عدم التركيز. من نجحوا في تحسين قدرتهم على التركيز والقيام بالأعمال بشكل أفضل فصلوا بعض الأنشطة عن بعض وخصصوا مدداً زمنية منطقية لكل منها.

ربما نؤجل عمل اليوم للغد

المدد الزمنية المنطقية تعني قدراً أكبر من المرونة في التعامل مع الوقت والنفس. فقدان القدرة على التخطيط أو التكهن بما يمكن أن يحدث غداً أو السيطرة على ساعات اليوم أدى بالبعض إلى حافة الجنون، لكن أدى بالآخر إلى قلب المرونة. فبدلاً من القلق والتوتر بسبب مجريات خارج السيطرة تماماً، تمكن البعض من تدريب نفسه على تحقيق المرونة وتقبل ما يأتي من دون سابق إنذار. ولكن في الوقت نفسه، يُنصح بوضع جدول يومي للأعمال وكذلك الترفيه حتى لا يستغرق العمل اليوم كله أو يضيع الوقت في الترفيه من دون حساب.

وعلى الرغم من أن الجميع تربى على قول مأثور هو "لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد"، فإن الوضع الراهن بحسب النصيحة الثالثة جعل من التأجيل أمراً وارداً بل مستحباً إن تأزمت الأمور ولم يكف الوقت اليوم، فما زال هناك غد.

التأجيل الرشيد

التأجيل الرشيد يستلزم ترسيماً جيداً للحدود حسب النصيحة الرابعة. هذا الترسيم من شأنه أن يحافظ على الوقت من الإهدار قدر الإمكان. عملك من المنزل لا يعني أبداً أن يصرخ الأطفال طلباً لانتباهك، أو يدق الجيران الباب في زيارة مفاجئة. وضع حدود لمكان وساعات العمل والترفيه أمر ضروري لحسن إدارة الوقت وبالتالي الحفاظ على الصحة النفسية والعقلية. وهذا يستدعي إدارة وقت جيدة مبنية على مراقبة إيقاع الوقت الجديد بسبب ظروف الوباء.

إعادة ترتيب الأولويات

البعض يظلم ظروف الوباء ويحملها مغبة تبدد الوقت أو سوء إدارته. لكن الحقيقة أن البشرية تشكو ضيق الوقت منذ قرون. وما فعله الوباء، سواء تحت وطأة الإغلاق والحياة "أون لاين" أو حتى بعد العودة إلى الحياة الطبيعية مع بقاء الإغلاق احتمالاً قائماً طيلة الوقت، هو أنه علم البعض حيلة رائعة. هناك اتجاه متنامٍ لإعادة ترتيب أولويات الحياة بحسب النصيحة الخامسة بعد التيقن من أن الحياة في مهب الريح، إن لم يكن بالمرض أو الموت، فبوضوح أن "المؤجلات" غالباً تبقى كذلك حتى وفاة صاحبها. لذلك تبدو مهمة إعادة ترتيب الأولويات مقترحاً جيداً لإدارة الوقت بشكل أفضل وأنسب، كل بحسب أولوياته ومؤجلاته.