Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السودانيون بدأوا أولى "مسيرات ديسمبر" والشرطة ترد بالغاز المسيل للدموع

منظمات مدنية وشخصيات لا تزال تندد بـ"اتفاق 21 نوفمبر"

أطلقت الشرطة السودانية الاثنين الغاز المسيل للدموع قرب القصر الجمهوري في وسط العاصمة الخرطوم على متظاهرين يطالبون بعودة الحكومة المدنية، على ما أفاد شهود عيان.
وتظاهر آلاف السودانيين في العاصمة ومدن أخرى وهم يهتفون "لا لا لحكم العسكر" و"مدنية خيار الشعب".
وخرج مئات المتظاهرين أيضاً في مدني (186 كيلومترا جنوب الخرطوم) وكسلا 600 كيلومتر شرق العاصمة) على ما أوضح شهود عيان.
وكان الفريق أول عبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني أستولى في 25 كتوبر (تشرين الأول) الماضي على السلطة واعتقل عبد الله حمدوك رئيس الوزراء واعضاء حكومته. لكن بعد إدانات دولية وتظاهرات واسعة تراجع ووقع اتفاقاً مع حمدوك أعاده بموجبه إلى مكتبه.
ويُندّد الكثير من منظّمات المجتمع المدني والوزراء الذين أزيحوا من مناصبهم جرّاء الانقلاب، وكذلك المتظاهرين الذين يُواصلون التعبئة، باتّفاق "21 نوفمبر"، ويتّهمون حمدوك بـ"الخيانة" والبرهان بإعادة شخصيّات من نظام البشير إلى الحكم.
ويؤكد البرهان أن قرارات نوفمبر "لم تكن انقلاباً لكنها خطوة لتصحيح الفترة الانتقالية".

5 مسيرات

وينظر السودانيون إلى شهر ديسمبر (كانون الأول) نظرة تفاؤل وأمل من أجل مستقبل مشرق تسوده الرفاهية، والحرية، والسلام، والعدالة، وهي الشعارات التي اشتهرت بها الثورة السودانية، التي انطلقت في 19 من ديسمبر عام 2018، وأطاحت أطول حكم في السودان امتد ثلاثة عقود، وذلك بعزل الرئيس السابق عمر البشير في أبريل (نيسان) 2019، لكن في نظر غالبية الشعب السوداني، الثورة لم تصل إلى غايتها بإزالة العسكريين من السلطة نهائياً، لذلك تواصل الحراك الجماهيري طيلة السنوات الثلاث الماضية في شكل مواكب ووقفات احتجاجية، واشتدت وطأته بإعلان قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان في 25 أكتوبر (تشرين الأول) حالة الطوارئ وإلغاء الشراكة مع المدنيين، ما اعتبره الشارع وغالبية القوى السياسية انقلاباً عسكرياً كامل الأركان.

ومواصلة لبرنامج التصعيد الثوري ضد إجراءات البرهان الأخيرة، وما تلاها من اتفاق أبرمه الأخير مع رئيس الوزراء عبدالله حمدوك في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) عاد بموجبه حمدوك لمنصبه شرط تشكيل حكومة جديدة من الكفاءات (التكنوقراط)، وضعت تنسيقيات لجان المقاومة وتجمع المهنيين السودانيين، اللذان يقودان هذا الحراك، برنامجاً تصعيدياً خاصاً بهذا الشهر يتضمن تنظيم خمس مليونيات (مسيرات) يبدأ أولها اليوم، السادس من ديسمبر، والبقية أيام 13 و19 و25 و30 من هذا الشهر، للتنديد بالانقلاب العسكري والمطالبة بإزالة المكون العسكري من الحكم وتسليم السلطة كاملة للمدنيين.

وحددت تنسيقيات لجان المقاومة مسار مواكب مليونية السادس من ديسمبر لمدن العاصمة الثلاث التي تحمل شعار اللاءات الثلاث (لا شراكة، لا تفاوض، لا شرعية مع العسكر)، وستكون نقطة تجمع ثوار الخرطوم في شارع الستين ومحطة "7"، والخرطوم بحري في شارع المؤسسة، وأم درمان في شارع الأربعين، مؤكدة ضرورة الالتزام بالسلمية، وتوحيد الهتافات، والالتزام بالاحترازات الصحية بقدر الإمكان ولبس الكمامات، وعدم الاحتكاك مع القوات النظامية، فضلاً عن التنسيق مع العيادات الميدانية المتحركة في حال أي إصابة.

لكن، كيف ينظر المراقبون السياسيون إلى مسار هذه المليونيات ودلالاتها ومدى تأثيرها على المشهد السياسي؟ وهل يمكن أن تصل هذه الاحتجاجات لأهدافها في ظل المؤشرات الماثلة؟

الهبوط الناعم

قال الناطق الرسمي في الحزب الشيوعي السوداني، فتحي فضل، "لقد رفع حزبنا منذ نوفمبر 2020 شعار استنهاض الحركة الجماهيرية الواسعة لإسقاط الحكومة القائمة، وهي دعوة ليست مربوطة بما حدث من انقلاب في 25 أكتوبر، وقد تركز نشاطنا كله، أكثر من سنة، على العمل من داخل القواعد لتوحيد القوة الحية لإطاحة هذه الحكومة التي كانت تتجه نحو تنفيذ مشروع الهبوط الناعم الذي يعد خيانة للميثاق الذي وقعته القوى الوطنية في يناير (كانون الثاني) 2019، ومن هذه الزاوية، حاولنا العمل مع القوى السياسية داخل قوى الحرية والتغيير الحاضنة السياسية للحكومة السابقة، لكن لم نتمكن، بالتالي انسحبنا من هذه الحاضنة، واتجهنا نحو الطريق الثوري الذي نعلم أنه مليء بالمصاعب، إلا أنه، حسب قناعتنا، الطريق الصحيح، وهو ما ثبت أخيراً".

وتابع فضل، "الشراكة مع المكون العسكري منذ البداية فرضت علينا، كقوى سياسية داخل قوى الحرية والتغيير، بطريقة فيها خيانة واضحة، فضلاً عن الضغط الخارجي، لكن ثبت تماماً أنها شراكة فاشلة، ومعلوم أن أي شراكة بين عسكريين ومدنيين لن تستمر، وفي تقديرنا أنه لم يكن هناك خلاف بين المكونين حول السياسات، بل كان حول السلطة، لذلك، نحن في الحزب الشيوعي نرحب ترحيباً كبيراً بالحراك الثوري الذي تشهده العاصمة الخرطوم ومدن السودان المختلفة هذه الأيام، ونسهم فيه مساهمة فعالة، وصولاً إلى مرحلة العصيان المدني الكامل الذي بالتأكيد سيؤدي إلى إسقاط الحكم القائم".

أضاف الناطق الرسمي في الحزب الشيوعي، "لقد وضح بما لا يترك مجالاً للشك بعد هذا الانقلاب، أن اللجنة الأمنية لنظام البشير السابق هي التي قادت الفترة الانتقالية وأعاقت وصولها إلى أهدافها، إذ لا توجد خطوة واحدة لتحقيق شعارات الثورة باستثناء خلع البشير، وبعض ما تم من خطوات في لجنة إزالة التمكين، لكن، كانت الحريات محدودة، والدليل على ذلك عدد الشهداء الكبير منذ توقيع الوثيقة الدستورية بين المكونين العسكري والمدني في 17 أغسطس (آب) 2019".

استياء واستفزاز

في المقابل، أوضح رئيس أركان القوات البحرية السودانية سابقاً الفريق أول ركن فتح الرحمن محيي الدين صالح، أن "مطالب المتظاهرين الحالية الرافضة للشراكة مع المكون العسكري مسألة مستحيلة وتعجيزية في الوقت نفسه، فهي تقرأ من زاوية واحدة، وهي أنهم يريدون انقلاباً عسكرياً يزيح المكون العسكري الحالي من السلطة، وهذا أمر غير ممكن، بخاصة أنه بعد قرارات 25 أكتوبر، أصبحت القوات المسلحة السودانية متحدة خلف قيادتها، إذ كانت هذه القوات قبل هذه القرارات في حال استياء تام جراء التعامل السيئ والاستفزاز الذي تتعرض له من المكون المدني، ما ترك احتقاناً كان سيؤدي إلى تحرك بعض المكونات العسكرية لاستعادة الموازين، لكن بعد قرارات البرهان، غير وارد حدوث أي تحرك، ولا بد من الإشارة إلى أنه في حال حدث انقلاب عسكري، لن يسمح قادته بمشاركة المدنيين كما أخطأ البرهان، لأن الفترة الانتقالية يجب أن تحكم بواسطة العسكريين، وأن يأتي المدنيون للسلطة من خلال انتخابات حرة".

الاحتمالات الأسوأ

أضاف صالح، "من الاحتمالات الأسوأ التي لا نتمنى حدوثها تمرد إحدى الفصائل المسلحة وإعلان انضمامها للشارع، ما سيؤدي إلى اندلاع حرب ضروس، ليس على السودان فحسب، بل تشمل كل نطاق الإقليم. لكن، لا أتوقع توافق أي من هذه المكونات الموقعة على اتفاقية جوبا للسلام مع المتظاهرين في شعاراتهم، فكل قيادات هذه الحركات تشارك الآن بفاعلية في السلطة، واستمرار التظاهرات لن يكون له تأثير على النواحي كافة باعتبار أنه ليس للمتظاهرين هدف محدد، كما أصبحت التظاهرات محصورة في مناطق محددة ولا تأثير لها في حركة الحياة اليومية التي تسير بشكل طبيعي، فجميع الناس يتحركون لتدبير أمورهم بسهولة ويسر في ظل فتح الجسور التي تربط مدن العاصمة المثلثة أمام حركة السير، وكذلك الأسواق".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبيّن رئيس أركان القوات البحرية، أنه لولا انحياز المكون العسكري للثورة لما كان سقط البشير، موضحاً أن العسكريين ليست لديهم مصلحة في تأخير الانتخابات العامة المقررة منتصف 2023، أو منع قيامها لسببين، الأول عدم رغبتهم في السلطة، والثاني أن كل المشاركين في الفترة الانتقالية ليس لهم حق الترشح، لكن الذين لهم مصلحة في تأخير أو منع قيام الانتخابات هي الأحزاب التي ليست لها قاعدة جماهيرية، وهي معروفة لدى الشعب السوداني، إذ لم تقم طيلة هذه الفترة بأي خطوات عملية استعداداً لهذه الانتخابات، سواء من ناحية عقد مؤتمرات قاعدية أو برامج ندوات، وغيرها.

ست مليونيات

وشهدت الفترة التي تلت إعلان قرارات 25 أكتوبر، تنظيم ست مليونيات تعرضت الأربع الأولى منها إلى عنف مفرط أدى إلى سقوط 43 قتيلاً، نتيجة لاستخدام قوات الأمن السودانية الرصاص الحي لتفريق المحتجين من أماكن تجمعهم، بينما لم تشهد المليونيتان الأخريان اللتان أعقبتا توقيع الاتفاق الثنائي بين البرهان وحمدوك، استخدام عنف مفرط، كما شهدته المليونيات الأربع الأولى، ويرجع ذلك للتغييرات الكبيرة التي طاولت بعض قيادات الجيش والأجهزة الأمنية والشرطية، إذ تم إعفاء مدير الاستخبارات العسكرية في الجيش ياسر عثمان، ومدير جهاز الأمن جمال عبدالمجيد، وتعيين بديلين عنهما اللواء محمد صبير مديراً لجهاز الاستخبارات العسكرية، والفريق أحمد المفضل مديراً لجهاز الأمن والاستخبارات، إلى جانب إعفاء مدير الشرطة الفريق أول خالد مهدي إبراهيم الإمام ونائبه الصادق علي إبراهيم، وتعيين بديلين عنهما، كل من فريق شرطة حقوقي عنان حامد محمد عمر مديراً عاماً للشرطة، ولواء شرطة مدثر عبدالرحمن نصر الدين عبدالله نائباً له ومفتشاً عاماً.

فقدان الثقة

وعلى الرغم من أن اتفاق البرهان وحمدوك الأخير، طوى الأزمة السياسية التي استمرت قرابة الشهر، حيث شهدت وساطات دولية ومحلية وإقليمية مورست خلالها ضغوط على المكون العسكري، أدت إلى توقيع هذا الاتفاق الذي يتضمن 14 بنداً، لكن لم يجد الاتفاق القبول والتأييد الواسعين من قبل الشارع السوداني لفقد ثقته في العسكريين الذين حكموا السودان 52 عاماً مقابل 12 عاماً حكماً مدنياً منذ استقلال البلاد في 1956.

واعتبر الاتفاق "الوثيقة الدستورية" لعام 2019 (تعديل 2020) المرجعية الأساسية لاستكمال الفترة الانتقالية مع مراعاة الوضعية الخاصة لشرق السودان والعمل المشترك على معالجتها بصورة ترضي أهل الشرق وتضمن الاستقرار، مع تعديل الوثيقة بالتوافق بما يحقق مشاركة سياسية شاملة وواسعة لمكونات المجتمع السوداني كافة باستثناء حزب "المؤتمر الوطني" المحلول، لافتاً إلى أن "الشراكة القائمة بين المدنيين والعسكريين هي الضامن لاستقرار وأمن السودان، لذلك اتفقا على تنفيذ الشراكة بروح الثقة والالتزام التام بتكوين حكومة مدنية من الكفاءات الوطنية المستقلة (تكنوقراط)، وضمان انتقال السلطة في موعدها المحدد إلى حكومة مدنية منتخبة".

إدارة الفترة الانتقالية

أيضاً، أكد الاتفاق إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، كما تعهد الطرفان بإدارة الفترة الانتقالية بموجب إعلان سياسي يحدد إطار الشراكة بين القوى الوطنية (السياسية والمدنية) مع المكون العسكري والإدارة الأهلية ولجان المقاومة وقوى الثورة الحية وقطاعات الشباب والمرأة ورجالات الطرق الصوفية، وتعهد الجانبان أيضاً، بموجب الاتفاق، بالعمل على بناء جيش قومي موحد وتنفيذ اتفاق سلام جوبا واستكمال الاستحقاقات الناشئة بموجبه وإلحاق غير الموقعين على الاتفاق وبدء حوار موسع وشفاف بين القوى السياسية والمجتمعية وقوى الثورة الحية، يؤسس لقيام المؤتمر الدستوري والإسراع في استكمال مؤسسات الحكم الانتقالي بتكوين المجلس التشريعي والمحكمة الدستورية وتعيين رئيس القضاء والنائب العام، يتبعها تكوين المفوضيات ومؤسسات الانتقال الأخرى ومباشرة مهامها فوراً وفق جداول زمنية محددة.

كذلك، شمل الاتفاق السياسي التحقيق في الأحداث التي جرت أثناء التظاهرات من إصابات ووفيات وسط المدنيين والعسكريين وتقديم الجناة إلى المحاكمة، وضرورة إعادة هيكلة لجنة تفكيك نظام الـ30 من يونيو (حزيران)، مع مراجعة أدائها في الفترة السابقة، ودعمها بالكوادر المؤهلة في التخصصات والخبرات اللازمة بما يمكّنها من أداء عملها بصورة ناجزة وعادلة، مع تفعيل لجنة الاستئنافات ومراجعة قراراتها وفقاً لدرجات التقاضي المقررة قانوناً.

المزيد من متابعات