Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الفيلم المصري الذي انتظر "اكتشاف" الناقد الفرنسي قبل احتلال الصدارة

"العزيمة" شريط شعبي أول في تاريخ سينما الحارة بالمحروسة

فيلم "العزيمة" كان مجهولا قبل إعادة اكتشافه في ستينيات القرن العشرين (يوتيوب)

من غرائب الأمور في السينما المصرية ذات التاريخ المليء بالغرائب على أي حال، أن هناك فيلماً أساساً من إنتاجها المتنوع والعريق، كان يبدو مجهولاً لدى المصريين إلى حد ما، قبل أن يعيد "اكتشافه" عند بدايات ستينيات القرن الـ 20 الناقد الفرنسي الذي اشتغل ردحاً من الزمن على تاريخ السينمات العربية لحساب منظمة "يونيسكو" جورج سادول، فتلقفه النقد المصري الذي كان ينظر نظرة إكبار إلى هذا الناقد والمؤرخ السينمائي، ليحوله إلى أيقونة حقيقية في السجل الذهبي لسينما وادي النيل.

الأول في استفتاء مؤدلج

وهو فعل ذلك إلى درجة أنه في أواخر العام 1996، أي قبل ربع قرن تماماً من الآن، جرى في مصر تحت رعاية الكاتب سعد الدين وهبة، رئيس مهرجان القاهرة السينمائي الدولي آنذاك، استفتاء حول أهم 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية.

في ذلك الاستفتاء، تم اختيار فيلم "العزيمة" لكمال سليم بوصفه الأول بين تلك الأفلام الـ 100، متقدماً على تحف سينمائية راسخة القيمة مثل "المومياء" و"الأرض" و"شباب امرأة"، والغريب في الأمر أنه في الوقت الذي يحتل فيه "العزيمة" المركز الأول، لا نجد في القائمة أياً من أفلام أخرى حققها هذا المبدع المبكر، إذ ندر أن انفرد فيلم واحد لمخرج مهم بمكانة في اللائحة، باستثناء فيلم "المومياء" لشادي عبدالسلام، لكن السبب بالنسبة إلى الأخير واضح، فالمومياء كان الفيلم الروائي الطويل الوحيد الذي حققه، أما كمال سليم فحقق نحو دزينة من الأفلام بين عامي 1937 و1945، عام وفاته التي حلت بشكل مفاجئ يوم الثالث من أبريل (نيسان) من ذلك العام.

ومن هنا يمكن الاستنتاج أن "العزيمة" كان استثناء سعيداً في المسار الفني والمهني لذلك الرائد الذي مهما قلنا عن بقية أفلامه ستظل له مكانة أساس في تاريخ السينما العربية لكون "العزيمة". وكما نظر إليه جورج سادول تحديداً منبهراً به وبما فيه من حس "بروليتاري" ونزعة تكاد تكون "اشتراكية"، أول فيلم شعبي تدور أحداثه في حارة شعبية ويرسم بعض ملامح الصراع الطبقي ويتناول مشكلات اجتماعية مثل البطالة والسقوط الأخلاقي، إلى جانب احتفائه بالتضامن بين أبناء الحارة وثورتهم ضد المستغلين وغير ذلك من أبعاد بدت للناقد الفرنسي المغرق في شيوعيته المتطابقة مع أحلام سينمائية تفاقمت في بلده كتراث متأثر بسينما الجبهة الشعبية التي كانت تحكم فرنسا قبيل الحرب العالمية الثانية، فهل نقول هنا إن القيمة الأساسية لـ"العزيمة" إنما نبعت من تلك النظرة الأجنبية؟

استنكار جيل جديد من النقاد

الحقيقة أن نقاداً مصريين وغيرهم سوف يأخذون هذه النظرة بعين الاعتبار لاحقاً وبعد استفتاء العام 1996 الشهير، وفي مناسبات عدة تمكنوا فيها من إزاحة "العزيمة" عن عرشه ولو بشكل معتدل فلم يعد الفيلم الأفضل في تاريخ السينما المصرية، بل تدنى درجات عدة ليصبح واحداً من أفضل 20 فيلماً، بخاصة أن كثراً من النقد، بل حتى من السينمائيين الذين اعتبروا متابعين لكمال سليم، إن لم يكونوا تلامذة له، أنكروا على الفيلم "اشتراكيته" و"نضاليته" ومسألة الصراع الطبقي، ناسفين في طريقهم رأي جورج سادول معتبرين الفيلم نوعاً من محاولة إنسانية ودعوة لتضامن شعبي لا أكثر ولا أقل، وهي نظرة تعكس اليوم النظرة الأكثر إنصافاً إلى شريط تبدو الحارة فيه مزيفة بعد كل شيء، وتبدو الحبكة مفتعلة والتمثيل يسير على خط النوع المسرحي الذي كان سائداً حينها، وكلها عناصر لم يهتم الناقد الفرنسي بها مكتفياً بالتفرس في بعد أيديولوجي قد يكون من الصعب اليوم القول إن كمال سليم كان يقصده أو يحاول حتى الدنو من الرغبة في التعبير عنه. في نهاية الأمر اعتبر "العزيمة" عملاً ينتمي إلى النيات الحسنة أكثر من انتمائه إلى تراث السينما النضالية الحقيقية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يوم رُحّل من فرنسا

ولد كمال سليم الذي لم يعش سوى 32 سنة في 1913 ابنا لأسرة مصرية من أصول قوقازية، وأولع بالقراءة والتمثيل منذ صغره، إذ نراه بحسب ما يروي زميل دراسته الفنان صلاح طاهر، اختار طريق السينما منذ كان في الدراسة الابتدائية والثانوية، وهذا ما جعله يقرر السفر إلى فرنسا لدرس فن السينما، لكن الرحلة توقفت به في مرسيليا لسبب خارج عن إرادته، وهو أن يوم وصوله صادف اغتيال الرئيس الفرنسي بول دوميه، فاعتقلت السلطات الفرنسية كافة الأجانب الذين لا أوراق لديهم، وكان كمال سليم واحداً منهم فأعيد مرحّلاً إلى مصر. غير أن ذلك لم يوهن عزيمته، إذ نراه يخوض اللعبة السينمائية من طريق صداقاته، فلعب دوراً صغيراً في فيلم يدعى "ابتسامة الشيطان".

فرصة العمر من أستديو مصر

غير أن بدايته الحقيقية كانت عام 1937، إذ أتيح له أن يحقق فيلمه الأول "وراء الستار" من تمثيل عبدالغني السيد ورجاء عبده وتحية كاريوكا وعبدالسلام النابلسي، لكن الفيلم لم ينجح على الرغم من كونه غنائياً استعراضياً من النوع الذي كان رائجاً، وهنا مرة أخرى قرر ألا ييأس، ثم أتاح له قيام أستوديو مصر فرصة عمره، إذ حقق بعد ذلك بسنتين فيلم "العزيمة" انطلاقاً من سيناريو كتبه بنفسه.

وعلى الرغم من أن الفيلم لم يحقق جماهيرياً ما كان متوقعاً له من نجاح، فإنه سرعان ما كانت له مكانة في مسار فن السينما في مصر، مما أتاح له أن يحقق خلال السنوات القليلة التي عاشها بعد ذلك نحو 10 أفلام، من المؤكد أن أياً منها لم يرق فنياً أو فكرياً إلى مستوى "العزيمة"، لكن كلاً منها عرف كيف يؤسس على طريقته لتعاط معين مع المواضيع التي سادت السينما المصرية بعد ذلك.

الثقافة في خدمة السينما

واللافت في ذلك الحين هو أن كمال سليم استغل ثقافته الأجنبية الواسعة ومعرفته باللغات ليحقق أفلاماً مقتبسة عن روائع أدبية أجنبية، فحقق "البؤساء" انطلاقاً من رواية فيكتور هوغو الشهيرة، و"شهداء الغرام" عن "روميو وجولييت" لشكسبير، وكان على وشك إنجاز فيلمه الـ 11 "قصة غرام" مقتبساً عن "مرتفعات ويذرنغ" لإميلي برونتي حين توفي بشكل مفاجئ ربيع 1945 كما أشرنا.

أما أفلام كمال سليم الباقية فهي "إلى الأبد" (1941) و"أحلام الشباب" (1942) و"قضية اليوم" (1943) و"حنان" (1944) و"المظاهر" (1945) و"ليلة الجمعة" (1945). إضافة إلى أنه كتب ثلاثة سيناريوهات أخرجها مخرجون آخرون هي "الدكتور" من إخراج نيازي مصطفى، و"لوكاندة الأنس" إخراج جمال مدكور، و"ليلى بنت الفقراء" لأنور وجدي.

حكاية غرام وراء الستار

إذن من بين كل تلك الأعمال يبقى "العزيمة" عمل كمال سليم الأساس، وقامت ببطولته يومها فاطمة رشدي التي كتب لها أيضاً سيناريو "إلى الأبد" وأخرجه فكان ثالث أفلامه. ونذكر هنا أن قصة حب كبيرة قامت بينهما، انتهت بزواج لم يعمر طويلاً على أي حال.

بالنسبة إلى "العزيمة" الذي احتل المكانة الأولى في قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، لا بد من أن نذكر أن الناقد الفرنسي جورج سادول كان واحداً من أوائل الذين اكتشفوه أوائل الستينيات بعد أن كاد يكون منسياً طوال الفترة التي تلت موت مخرجه، فأعجب به واعتبره واحداً من أفضل الأفلام في تاريخ فن السينما، ليس في مصر فقط بل في العالم، وكان واضحاً أن ما أثار إعجاب سادول في الفيلم حسه الشعبي، وخوضه في القضية الاجتماعية والصراع الطبقي، أكثر بما أعجبته لغته السينمائية وعناصره الفنية التي لا شك ستبدو لمتفرجي اليوم غاية في التبسيط المقترب من السذاجة في بعض الأحيان. ومهما يكن فإن "العزيمة" هو الفيلم الذي أسس لمدرسة واقعية كان من أبرز تلامذتها لاحقاً صلاح أبو سيف وتوفيق صالح وجيل الثمانينيات.

المزيد من ثقافة