Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جولان الواوي تجمع بين نون النسوة والنشوة انتقاما للمرأة

البطل الذكوري يجمع أحذية النساء ضحاياه في صندوق ومخيمات اللجوء سوق نخاسة

"نساء" لوحة للرسام المصري صلاح طاهر (صفحة الرسام على فيسبوك)

تنفتح الكاتبة الأردنية، الفلسطينية الأصل، جولان الواوي، المقيمة في كندا، في راويتها الرابعة "نون النشوة"، الصادرة حديثاً في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب (سلسلة الإبدع العربي)، على قضايا المرأة العربية وأزماتها المعقدة في المجتمعات الشرقية المعاصرة التي تتشابه في كثير من ظروفها وملابساتها وموروثاتها التي لا تخلو من الذكورية. وهي تكاد تتماثل في نظرتها الرجعية إلى النساء، وتتطابق في آليات تعاملها معهن على أرض الواقع، وذلك على الرغم من الذي يجري ترديده بين الحين والحين، على الصعيد النظري من دعاوى الإنصاف والعدالة ونبذ التمييز، وشعارات التمكين والمساواة البراقة.

وتنطلق صاحبة "سراديب الذاكرة" و"مقصلة الورد" و"يوميات زوجة مهملة" في روايتها الجديدة، بدءاً بعنوانها الدال "نون النشوة" حتى آخر كلمة في صفحاتها التي تناهز الثلاثمئة، من مقومات إبداعية وجمالية في المقام الأول لإبراز هذه المعاناة النسوية العميقة المركبة من خلال مصائر أربع شخصيات نسائية محورية يشكلن أحداث الرواية ومشاهدها المأساوية الدائرة في الأردن خلال السنوات القليلة الماضية.

وتتكئ الكاتبة، من جانب آخر، على ركائز حقوقية وقانونية لفضح الممارسات المسيئة بحق المرأة، من خلال خبراتها كدارسة للحقوق ومتخصصة في القانون. وتستند في الوقت ذاته إلى تشريح الدوافع والحيثيات النفسية لهذه الأوضاع الحاكمة للنساء والرجال على السواء، مستفيدة من اهتمامها بالمداخل النفسية لقراءة الأدب وفهم الحالات الإنسانية في الإبداع وفي الحياة على السواء، ومن عملها مدربة معتمدة في مجال التنمية البشرية.

رصيد الشقاء

في "نون النشوة" تستخدم الكاتبة لفظة النشوة في العنوان بدلاً من مفردة النسوة، في إشارة أولية، تتكشف تفاصيلها تدريجياً، إلى فهم ذكوري راسخ للمرأة بوصفها أداة للمتعة الجسدانية، من جانب واحد يصب في مصلحة الرجل، ويغذي فكرة إرضائه، زوجاً كان أو رفيقاً أو عابراً، أو حتى سابياً لها، وفق أساليب الرق الحديثة، التي راحت تبررها الحروب والثورات والصراعات المسلحة، مهدرة آدمية الفتيات والسيدات اللاتي يتجرعن المرارة في مخيمات اللاجئين من الحرب السورية على سبيل المثال، ويرتضين بالهرب منها مقابل أي تنازلات.

تطرح الكاتبة من خلال شخصياتها التخييلية جوانب من أفكارها وخبراتها ومعايناتها ويومياتها، مكسبة الرواية سمة الواقعية الجديدة، لا سيما بوجود شخصيات روائية نسائية مهتمة بالتاريخ (رهف)، والمحاماة والقضايا الحقوقية والدراسات الاجتماعية والنفسية (مجد)، والصحافة والكتابة والتأليف (هبة)، وهي مجالات اهتمامات مؤلفة الرواية. وكذلك وجود راوية عليمة تسرد التفاصيل والأسرار الخفية المحيطة بالشخصيات.

لكن تلك الواقعية لا تخلو من اللمحات السحرية، ومن اللغة الشعرية الرومانسية المشحونة بالفلسفة والتجريد والتأمل، ومن النزعة الفانتازية التي تغلف الرواية وأحداثها، والتي تتجلى بشكل أساسي في التصرفات المتعلقة بشخصية "سعيد"، الذي يناديه البعض بـ"حسام"، وهو الرجل المحوري الذي تلتقي عنده الشخصيات النسائية الأربع (رهف، مجد، هبة، مريم) كبطلات للرواية. يضم سعيد فردة حذاء لكل واحدة منهن في صندوق يحتفظ به ويكتشف بعد وفاته أو قتله على يد زوجته "رهف"، بعد افتضاح سلسلة خياناته وبذاءاته. وقد تعرض سعيد لكثير من الهزات النفسية منذ نشأته في طفولته كذكر وحيد في بيت لا تسكنه غير النساء، مروراً بوقائع قاسية وضغوط كبيرة، الأمر الذي يسوغ أفعاله غير السوية، وعنفه الإجرامي ضد النساء، اللاتي يحرص على الاحتفاظ بتذكار منهن بعد إيذائهن (فردة حذاء)، بداية من محاولته اغتصاب ابنة الجيران، ونهاية بمتاجرته الدنيئة بالفتيات والسيدات اللاجئات إلى الأردن جراء الحرب السورية.

الصندوق الأسود

يظل صندوق الأحذية النسوية، الذي تبدأ به الرواية، وتنتهي عنده، بمثابة الإطار الحاكم لعلبتها المسرحية، ولعبتها الدرامية الساخرة، فهو الجامع لأدلة انتصارات "سعيد" على النساء التعيسات، وهو الشاهد على خطاياه، وعلى دفعه عمره ثمناً لما اقترفته يداه: "أربعة أحذية في صندوق أسود لأربع نساء في ذاكرته، سلبهن أغلى ما لديهن: طفولتهن، شبابهن، حريتهن، حزنهن الجميل، مواسم تفتحهن، وحتى أوطانهن. نزع أحذيتهن الجميلة، ثم هرب بها إلى ركن قصي، ليحضن نشوته باحتضانها".

وقد ساعدت ندرة شخصيات الرواية على بناء الأحداث وترابطها من دون ترهل أو تفكك، والغوص في أعماق كل شخصية بأناة واصطبار، والتطرق الواعي الحساس لإشكالاتها وتناقضاتها وخيوطها المتشابكة، والتقصي الهادئ للعلاقات التي تربط بين الشخصية والآخرين. ويبقى "سعيد" دائماً هو القاسم المشترك مع النساء الأربع اللاتي يضم أحذيتهن في صندوقه الغامض. وبسبب أفعاله إزاءهن، وإزاء غيرهن من الضحايا، فقد تعرض في النهاية للضرب المبرح في الشارع من جانب مجهولين، ومن ثم لقي حتفه في بيته متأثراً بإصابته. وأكدت زوجته "رهف" أنها هي التي قتلته انتقاماً: "راقبت العتمة وهي تلتهم أنينه، وظلت صامدة في مواجهة انتفاضات جسده، حتى جحظت عيناه، وشخص بصره. بعد عشرين سنة من الخيانة، خمدت أنفاسه أخيراً، لكن تأخر القصاص لم يخمد في قلبها نشوة الانتقام، وأية نشوة؟".

تشكل "الخيانة" الشق الأعظم من المعاناة التي تصورها الرواية كقضية نسوية وإنسانية في آنٍ، وهي لها صور متعددة، فهناك الخيانة الزوجية، والعاطفية، وخيانة الصديقات والأصدقاء، وخيانة الوطن، وخيانة المرء لنفسه، والجسد لصاحبه. وفي حين يبقى "سعيد" نقطة مركزية ثابتة، فإن الشخصيات النسائية تبرز تنوعاً في علاقة كل واحدة منهن به، ما يوسع دائرة القضايا المعنية بالمرأة من خلال حكاية كل شخصية معه، ومع غيرها من النساء، فلكل أنثى رواية منفصلة، داخل جسد الرواية الأم.

مقاومة التحرش

هكذا، تكشف قصة "رهف" مقاومة المرأة للتحرش في صغرها، ونجاحها في صد كل محاولات الرجل افتراسها، فقد أفلتت من يد "سعيد"، ولم ترتضِ به سوى كزوج، إلى أن انتهت علاقتهما باكتشافها خياناته، وعمله كنخاس في سوق النساء. وهنا تتجه إلى إثبات ذاتها بالتفوق العلمي والجامعي في دراسة التاريخ، لتقاوم الانكسار، كما تسيطر عليها فكرة قتل زوجها، لتنتصر لنون النسوة، وتكتسب احترام المجتمع. وفي تلك اللحظة، تلتقي بالمحامية والحقوقية والأخصائية الاجتماعية "مجد"، صاحبة الحذاء الثاني، التي يحاول "سعيد" اغتصابها أيضاً، لتمثل طرفاً آخر للتفوق النسوي، لكن "مجد" لا تسلم من التلوث، بعد أن تكتشف خيانة زوجها "سفيان"، فتتجه إلى إيذاء نفسها، والانتقام من كل النساء. ومنهن البطلة الثالثة "مريم"، فتاة مخيم اللاجئين، التي يقع الاختيار عليها لتكون زوجة لوالد "مجد"، وتوافق العروس على الزواج من رجل في عمر جدها، مضطرة لكي تهرب من جحيم المخيم، في صفقة تفضح كل التشوهات النفسية في المجتمع: "المخيم لطخة سوداء، لا يعبأ العابرون فيه بحلال أو حرام. تنمو فوقه أوكار الدعارة، باسم الستر على أنصاف الإناث. لا يختلف عن سوق نخاسة، غير أنهن بتن سبايا في يد الصديق لا في يد العدو. أنصاف نساء، أفقدتهن الحرب كل ما يمكن أن يغري الحياة فيهن، ولم يعد لهن متسع غير تسول زوج يستر عليهن".

وفي حين عبرت العروس "مريم" عتبة المنزل، أملاً في أن يمكنها الخروج من المخيم من العثور على أخيها الهارب إلى تركيا، سقط من إنسانية "مجد" ردم لا يمكن لشيء أن يرممه. ويلتقي "سفيان"، زوج "مجد"، بالبطلة الرابعة "هبة"، وهي الصحافية والكاتبة التي يفتتن بها من خلال الصور التي يلتقطها لها، كما أنه يتعلق بـ"مريم" عند مساندته لها لمحاولة استخراج أوراق ثبوتية لها تساعدها في مغادرة البلاد للبحث عن أخيها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع تشابك الأحداث، وتعقدها، يتم الوصول إلى الصندوق الأسود حال تعرض "سعيد" للضرب المبرح بهدف قتله، وتقود كل فردة حذاء نسائية في الصندوق إلى حكاية صاحبتها ومأساتها الخاصة، وهي دائماً حكاية عن الحب والحرب، ليس فيها أنصاف حلول: "في الحب والحرب، لا توجد أنصاف خيارات. لا يمكن أن ترضى المرأة بنصف رجل، كما لا يرضى الحر بنصف وطن. الذين تقبلوا ذلك تعثروا بقية أعمارهم بلعنة الأنصاف، وماتوا مقهورين بغير هوية".

وتتحول سيرة "سعيد" ومقتله إلى قضية رأي عام، فالأمر أكبر بكثير من الانتقام الشخصي. وهنا، تنجح الرواية في فرض أزمات شخوصها الخاصة وتحويلها من حالات فردية إلى هموم مجتمعية مشتركة، تتجاوز حتى طابعها النسوي لتصير شأناً إنسانياً جماعياً. وفي هذا السياق التعميمي، يجري التعامل الفني مع كل التفاصيل الصغيرة بذكاء شديد، كما في ذلك الاستثمار الفلسفي التأملي مثلاً لعدم امتلاك فتاة المخيم "مريم" أوراقاً ثبوتية، حيث تقول "مجد" لها مستطردة: "من منا لا يشعر بأنه مجرد ظل؟ من منا لا يخرج من خيباته فاقداً لكل ملامحه، وينسحب مثل ظل لا تفاصيل تميزه عن الآخرين، ولا علامات تدل على بقائه حياً؟".

المزيد من ثقافة