Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مصطفى أبو حسين في رحلة البحث عن نقائض المثل الأعلى

"ليس ثمة ما يدعو للبهجة" مجموعة قصصية تسبر ظواهر الخيبات

لوحة للرسام المصري أدهم وانلي (صفحة الرسام على فيسبوك)

يحذرنا القاص مصطفى أبو حسين منذ السطور الأولى لمجموعته القصصية "ليس ثمة ما يدعو للبهجة" (دار الأدهم)، من أن على قارئه ألا يبحث عنده عن التسلية؛ لأنه لن يجدها، فـ "هُنا تُكْتَب الفاجعة"، بحسب تعبير تضمَّنه مفتتح قصير ودال. ولعل قارئ المجموعة سيُدهش من فداحة بل قسوة تعبير من هذا النوع، إذا كان يبحث عن مسرَّات ضالة، لكنه في الوقت نفسه لن يفتقد المتعة التي هي أحد أسمى غايات الفن.

أظن أن مجموعة مصطفى أبو حسين تحاول كشف الكثير من التناقضات بين النظرية كمفهوم وبينها كممارسة، في ما يمكن تسميته "رحلة البحث عن المثل الأعلى". غير أن المثل الأعلى الإنساني يظل نموذجاً للكمال الجزئي. وأعتقد أن هذا هو ما يعتقده الكاتب، وستدلنا عليه نقائض المثل الأعلى عبر شخصيات قصص المجموعة التي تبدأ بشخصية "هَنَا" المريضة المتوحدة التي تعجز عن مواجهة قبح العالم فتقرر الانتحار. وعبر شخصية الروائية "سميحة توفيق" كتعبير جارح عن أعلى صور الفساد الأخلاقي. وفي شخصية "الشيخ مسعود عبدالله" الذي يعاني عقداً مركَّبة تجاه الدين والمجتمع. فهو متشكك في حقائق الدين وفي الوقت نفسه يؤم الناس في الصلاة. وفي شخصية القاضي الذي يحلم بتطبيق العدل فينتهي إلى أداة تصدر أحكاماً على هوى السلطة. وفي شخصية "عيسى الجمَّال" الصحافي الناصري الفاسد المنافق.

نحاول هنا تناول تلك النقائض البشرية بشكل أكثر تفصيلاً. فشخصية "عيسى الجمال" في القصة التي تحمل اسمه تبدو مثالاً ناصعاً على مظاهر الفساد الأخلاقي داخل جريدة معارضة وعقائدية. بطل القصة الصحافي "عيسى الجمَّال" يمنح إحدى الصحافيات امتيازاً مفتوحاً ويعدها بالتعيين في الجريدة، التي يصفها الراوي بأنها "ناصرية"؛ لأنها تعاشره معاشرة الأزواج. وتتعمَّق مظاهر الفساد الأخلاقي كذلك في كون "عيسى الجمال" ليس هو الوحيد الذي يضاجعها، بل ثمة رجال آخرون في المكان نفسه يعاشرونها معاشرة الأزواج.

وعلى رغم فجائعية المشاهد التي يسردها الكاتب إلا أنها تصادف واقعاً يتجاوز الحقيقة نفسها على رغم أنه يبدو مشهداً متكرراً في أوساط طبقية كانت مرشَّحة لقيادة البروليتاريا والطبقة المتوسطة على السواء.

العدالة الهاربة

أيضاً تتبدى تلك المشاهد في قصة "المستشار ياسر جلال"؛ الشاب الحقوقي الحالم بالجلوس على منصة القضاء ليحقق العدالة الهاربة، لكنه عندما يغرق في براثن السلطة، تفرض عليه سياقاتها القمعية أن يقضي ببراءة ضابط قتل أكثر من ثلاثين متظاهراً. هنا فقط يذكرنا الكاتب بأن أصوات العصافير التي كان "ياسر جلال" ينصت إليها كل يوم قد توقفت. هي في الحقيقة لم تتوقف لكن أذنه التي لوَّثها غبار السلطة لم تعد تلتقط عناصر الكون الرقيقة التي كانت في القصة رمزاً للنقاء. كذلك تتكرر صورة مذرية لقبح الواقع في قصة "اعترافات الروائية سميحة توفيق"، وهي اعترافات تتجاوز حدود التصور لدرجة تبدو معها مبالغات الكاتب لا تخدم القص بقدر ما خدمت الوظيفة الاجتماعية لرسالة يريد لها أن تصل.

يمكننا أن نتصور كاتبة تبيع جسدها وترتبط بأجهزة أمنية تتلصص على الناس في الفرائض والنوافل. لكننا كيف نصدق أن تلك الروائية هي التي تشرح لنا كيف أصبحت مومساً ولماذا، ثم كيف تحاول تبرير سلوكها ببعض المقولات الفلسفية، فتستشهد مرة بفرويد وأخرى بشيللر وثالثة بشوبنهاور الذي تأخذ عنه مقولة شهيرة: "الصحافي كالكلب، يبدأ في النباح كلما تحرَّك أمامه شيء". وتبدو محاولة إدانة الواقع متصلة اتصالاً وثيقاً بما يتعسف الكاتب من أجل إيصاله للقارئ حيث يلقي بعبء هذا الخلل الأخلاقي إلى فساد نظام الحكم الذي دشَّنته ثورة 23 يوليو (تموز) 1952. وهي كلها تصورات ذهنية تخدم موقفاً سياسياً، وليس جمالياً. لذا بدت خلواً من التلقائية التي تميز الفطرة النقية للمبدع في تدفقها من دون أن تكون في ذلك تعمل لمصلحة أو ضد فكرة أو نظام. فالفن ليس عقائدياً، كما أنه ليس مجانياً أيضاً. لكنه يظل مقيماً في انحيازات يجب أن تبقى على الدوام انحيازات جمالية.

نجد المفارقة نفسها أيضاً في قصة "مسعود عبدالله... الشيخ التعس" وهي عن شخص يقف على المنبر ويؤم الناس ويخطب فيهم، بينما تتأجج شكوكه يوماً بعد يوم في فكرة الدين جملة. ويستمر الصراع هكذا طيلة القصة بين الأقنوم الاجتماعي المنسوج بصرامة حول شخصية الشيخ باعتباره نموذجاً للفضيلة، وبين شكوك تتأجَّج يومياً وتختتم متوالياتها بإدمانه الزنا لدرجة جعلته يعتدي على عاملة النظافة في المعهد الديني الذي هو رئيسه ورجله الأول. ما يعكس مساحة هائلة من التناقضات تكشفها معرفته الدينية والفلسفية، ويدفع الشيخ في النهاية إلى القول بأنه كان يبحث عن السعادة لكنه لم يجدها، ليظل قوس الاغتراب مفتوحاً.

قضايا ملتبسة

وأظن أن التصورات الكلية للعالم أهم ما يميز المجموعة ولا أقول التصورات المطلقة، فحسب هيغل، يعني الروح المطلق في الفن الحقيقة العليا. والكاتب ليس إلها للحقيقة العليا بطبيعة الحال، لكنه في الوقت نفسه ابن الحقيقة المجردة التي يتم استظهارها عبر المفاهيم الجمالية. من هنا تتبدى تصورات الكاتب متعيَّنة عبر أحداث وأشخاص يطحنهم الفعل أو الدينامية وليس السكونية. وهذا يمكن رصده عبر حركية المشهد القصصي التي قد تكون مفرطة وملتبسة في بعض الأحيان. لكن ربما استطاعت اقتباساتها الفلسفية أن تفسر الكثير من غموض الأحداث والتباسات الواقع، على رغم أنها قد تشكل أحياناً عبئاً جمالياً على النصوص. يتمدد هذا الصخب العقائدي في قصة "ليس ثمة ما يدعو للبهجة" حيث الصراع الذي يتفجر بين الراوي "مختار خليفة" وبطل القصة "عادل أمين" الذي تتقاطع شخصيته في كثير من الأحيان مع بطل رواية "اللص والكلاب"، لنجيب محفوظ. فكلاهما يبدأ حياته بتأثير أفكار يبثها غيره معتقداً أنها طريق الخلاص، بل طريق الانتقام من الفاسدين ورجال السلطة. ثم يكتشف أنه اعتمد على آلهة تخذل عُبّادها كما يعبر إداورد سعيد في "صورة المثقف". يعلن "مختار" صراحة أنه يؤمن بالفلسفة التروتسكية، ويحكي عن مقتل تروتسكي على يد العميل فرانك جاكسون بتكليف من ستالين. في الوقت نفسه يعتقد "مختار" أن صديقه عضو في تنظيم "الإخوان المسلمين"، بحيث يسمي تمثال عبد الناصر "الصنم"، لكنه ينكر في العلن انتماءه إلى أي جماعة. يمتهن "عادل أمين" الكثير من المهن الشريفة والوضيعة تحت وطأة الحاجة، وينتهي به الأمر إلى العمل في موقع إلكتروني مقابل حذف كل ما كتب عن إحدى الدول. فيقبل على الفور لأن ثمة راتباً كبيراً ينتظره.

حالات استبطانية

وبعد أن يقبل بالأمر لا تمضي إلا شهور قلائل حتى تم طرده فيعود إلى ما كان عليه بعد أن خسر ما هو أغلى من المال، أقصد المعنى الأخلاقي لفكرة الشرف. وتظل القصة الأولى "هَنا وشغل السيما" بين أرفع قصص المجموعة لأنها تستدرك ما فات الكاتب من حالات استبطانية تأملية في قصص صاخبة بأبطالها وأحداثها. فـ "هَنا" وحيدة مكتئبة، تقدس وحدتها، فهي بلا أم ولا أب، وهي في ذلك تقطع طرق معتقداتها القاسية بمقولات ديكارت حول المعرفة الحسية وتنتهي إلى نفي وجود العالم، وكأنها تبحث عن أسباب لتكريس عزلتها عن هذا العالم، باعتباره بالأساس لا يقوم إلا في المخيلة. يجمع الراوي بالبطلة حبهما للسينما ويتعارفان من طريق الـ"فيسبوك"، وتتمدد العلاقة من دون أن يرى أي منهما الآخر لأسباب كثيرة. لكنهما عندما تواعدا انتحرت "هَنَا"، وكأن الموت هنا تعزيز لفكرة ديكارت أو أنها رديف للمثال الأعلى لدى أفلاطون.  

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا شك أن مجموعة مصطفى أبو حسين "ليس ثمة ما يدعو للبهجة" منذ سطورها الأولى تبدو على درجة معتبرة من الفرادة. إنها مجموعة تنوعت فيها أساليب التناول، بحيث أننا نعثر على النمط القصصي وقواعده الصارمة في مقاطع شتى، ثم نجد الكاتب يضرب بتلك القواعد الصارمة عرض الحائط في القصة نفسها. يختار الاسترسال في السرد أحياناً ويختار الكتابة التلغرافية في مواقع أخرى. ويتكلم بصوت الراوي مرات وبصوت المروي عنه مرات أخرى. ويبدو حكيماً أحياناً، وطائشاً في معظم الأحيان. يستخدم لغة شفافة ونقية ومتماسكة وجزلة في الكثير من المواضع ويستخدم لغة الشارع بطاقاتها التعبيرية المثيرة والتداولية بالمعنى الوظيفي أيضاً. يستخدم قاموساً من الحكمة الساخرة وقاموساً من اللغة الداعرة المنتقاة من بين أقذع الألفاظ. فالمؤكد أن مصطفى أبو حسين لم يتأت إلى هنا لإجراء تمارين على الكتابة، أو ليتعلم الكتابة في رؤوس قارئيه.

مجموعة "ليس ثمة ما يدعو للبهجة"، هي الرابعة لكاتبها بعد "حكايات الولد الليلي"، "دعه يمر"، و"ذقن أبو الهول... فيلم وردة وأوهام بيكون".

المزيد من ثقافة