بريكست... أزمة متناسلة الفصول

الأزمة البريطانية هذه وثيقة الصلة بأزمة أوسع في العالم الغربي ترتبت على نازع الارتكاس عن العولمة، وإقبال ناخبين على مرشحين يدعون الى تمتين الحدود الوطنية والعودة عن تشريع أبواب الأسواق ورفع القيود عن التجارة. ولكن العودة عن العولمة باهظة الثمن

تظاهرة مطالبة بإلغاء "بريكست" أمام مبنى البرلمان البريطاني في لندن الإثنين 8 أبريل (نيسان) 2019 (رويترز)

 قبل أيام قليلة من الانتخابات البرلمانية الأوروبية، استقالت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، إثر إخفاقها في تنظيم "الانسحاب" من الاتحاد الأوروبي. فالنواب البريطانيون لم يصادقوا على الاتفاق الذي توصلت إليه مع بروكسيل في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 لتنظيم الانسحاب. وبدا أن المؤسسات السياسية في لندن مزعزعة الأركان، وتنهش حرب أهلية داخلية كل من الحزبين البارزين، حزب المحافظين وحزب العمال. وكذلك، بدا أن بريكست مفهوم فضفاض، وعجزت ماي عن تحديده، فكانت مثل من يفسر الماء بالماء، على ما يقول العرب، وأعلنت أن "بريكست هو بريكست"، وبعد أشهر قالت إن القصد به هو الانسحاب من الاتحاد الجمركي والسوق الموحدة في الاتحاد الأوروبي. وسبق أن نبّه باسكال لامي، مدير عام منظمة التجارة العالمية بين 2005 و2013، إلى أن "الانسحاب من الاتحاد الاوروبي ممكن سياسياً، ولكنه على المستوى الاقتصادي أليم وباهظ الكلفة... والاقتراع على بريكزست هو مرآة رجحان كفة الأهواء السياسية على كفة العقلانية الاقتصادية".

ليست استقالتها سوى الحلقة الأخيرة من حلقات تعثر النموذج الليبرالي الثقافي الغربي الذي رفعت لواءه المملكة المتحدة. فكثير من المحللين والباحثين أشاروا إلى أن التصويت على بريكست وثيق الصلة بتغير بنية المجتمع البريطاني وتغير مكانة البلاد الدولية وبمآل النموذج الليبرالي الثقافي وآثار السياسة "النيوليبرالية" الاقتصادية وتضخم دور الإعلام وتخففه من معايير الأمانة الموضوعية، أي بروز ما يسميه محللون وباحثون بـ"عالم ما بعد الحقيقة"، في وقت يوجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تهمة بث "أخبار كاذبة" إلى كل من يخالف رأيه وكل من يستند إلى آراء الخبراء والعلماء. فهو ينقل نهج تلفزيون الواقع إلى عالم السياسة الدولية.

 وإلى خمسينيات القرن العشرين، حين اعتلت الملكة إليزابيث الثانية العرش، كانت المملكة البريطانية لا تزال إمبراطورية مترامية الأطراف، على الرغم من أن مساحتها كانت تتقلص. ولم تتجاوز نسبة "غير البيض" في مجمل سكانها في مطلع الخمسينيات، 10 آلاف نسمة، بينما تبلغ نسبة هؤلاء اليوم أكثر من 13 في المئة من السكان، ويصل البلاد سنوياً 650 ألف مهاجر جديد. وتتوقع دائرة الأبحاث في جامعة "أوكسفورد" أن تبلغ أعداد "غير البيض" في المملكة المتحدة 40 في المئة. ويرى مراقبون أن أبرز سمات عهد الملكة إليزابيث الثانية هو تغير النسيج العرقي السكاني المطرد والمفاجئ. فقبل نحو عقدين من تتويجها ملكة في 1952، كان 1.5 في المئة فحسب من البريطانيين مولودين في الخارج. ولكن في عيدها الخامس والثمانين في 2011، كان 20 في المئة من السكان مهاجرين أو من أبناء وبنات مهاجرين.

وسلّط استفتاء بريكست الضوء على شقاق مجتمعي في المملكة المتحدة. ففي وقت اقترعت المدن البريطانية الكوزموبوليتية الكبيرة للبقاء في الاتحاد الأوروبي، أيدت المدن الصغيرة والمناطق الريفية الانسحاب من أوروبا. واقترع حملة الشهادات العالية لمعسكر "البقاء في الاتحاد"، في حين أن من ليسوا من حملة شهادات، استساغوا "الانسحاب". واختارت الغالبية في اسكوتلندا (62 في المئة) وأيرلندا الشمالية (55.8 في المئة) "البقاء" في الاتحاد الاوروبي. وإلى التباين بين المدن الكوزموبوليتية والمدن الأصغر والأرياف، برز شقاقٌ بين الأجيال في التصويت. فالأكثر شباباً اقترعوا للبقاء في الاتحاد الأوروبي، بينما الأجيال الأكبر سناً صوّتت للانسحاب.

 وينبّه الصحافي بن جودا في مقالة طويلة ذاع صيتها وصارت بمثابة مرجع يشير إليها باحثون وخبراء في الشؤون الاستراتيجية، إلى أن رفض الهجرة هو وراء الرغبة في الانسحاب من أوروبا. وخلُص جودا بعد مقابلة المئات في البلدات الصغيرة إلى أن الاقتراع كان بمثابة احتجاج على تغير البنية الإتنية والدينية في المملكة المتحدة، وكان لسان حال الأكبر سناً "لم نعد نعرف بلدنا... لم تعد إنكلترا تشبه نفسها". والشكوى في المدن الصغيرة والبلدات مدارها على "كثرة السود... أو الأتراك أو البولنديين... أو المسلمين أو اليهود". وأسهمت الحملة الإعلامية من أجل "الانسحاب" في إذكاء المخاوف من المتحدرين من "غير البيض"، ودار كلام الحملة المضللة على هيمنة ألمانيا على الاتحاد الأوروبي، واستتباعها الإنكليز متسترة بقناع أوروبا، وتدفق الأتراك الوشيك على المملكة المتحدة بعد ضمهم في القريب العاجل إلى الاتحاد.

ويشير جوناثن هوبكين، أستاذ العلوم السياسية المقارنة في "لندن سكول أوف إيكونوميكس"، إلى جانب آخر من الأزمة، إذ يرى أن ما أفضى إلى استفتاء بريكست هو غياب الثقة في خبراء الاقتصاد الذين عجزوا عن استباق أزمة 2008 المالية. وهو يذكّر بحادثة ذاع صيتها في الكلية، حيث يُدرِّس: في حفل تدشين مبنى، خرجت الملكة البريطانية عما درجت عليه من تحفظ، وسألت الأساتذة الجامعيين الحاضرين عن أسباب عدم استباقهم الأزمة.

وتفشى غياب الثقة في الخبراء الاقتصاديين إلى الخبراء في المجالات كلها. فبريكست هي عملية احتجاج على الخبرة والخبراء، على ما تلاحظ جيسيكا رياينش، أستاذة التاريخ الأوروبي المعاصر في جامعة لندن. وهذا وثيق الصلة بما سمته صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية بـ"عصر غياب الكفاءة" في محاولة لفهم بلوغ دونالد ترمب السلطة، واستخفافه بآراء الخبراء والباحثين. ويرى أناند مينون، أستاذ السياسة الأوروبية والعلاقات الدولية في "كينغ كوليدج" اللندنية، أن احتساب السياق التاريخي وازن في فهم أزمة بريكست. فالمملكة المتحدة لطالما كانت معادية للاندماج الأوروبي. فعلى خلاف دول الاتحاد الأوروبي، وهذه نظرت إلى الاندماج الأوروبي على أنه مشروع اقتصادي لبلوغ غايات سياسية وإرساء السلام إثر الحرب العالمية الثانية، اعتبرت المملكة المتحدة أن الاندماج هذا هو مشروع اقتصادي لغايات اقتصادية فحسب من دون أي بُعد سياسي. ولكن هل انتفت حاجة بريطانيا الى هذا المشروع الاقتصادي؟

والأزمة البريطانية هذه وثيقة الصلة بأزمة أوسع في العالم الغربي ترتبت على نازع الارتكاس عن العولمة، وإقبال ناخبين على مرشحين يدعون الى تمتين الحدود الوطنية والعودة عن تشريع أبواب الأسواق ورفع القيود عن التجارة. ولكن العودة عن العولمة باهظة الثمن في وقت بلغ الترابط والتداخل التكنولوجي بين أنظمة الإنتاج مبلغاً ضخماً. وتتزامن أزمة بريكست مع أزمة تعصف بالاتحاد الأوروبي، مع بروز القوى الشعبوية، ومع بروز ديمقراطيات غير ليبرالية في وسط أوروبا، وتقهقر الطبقات الوسطى التي قوضتها السياسات التقشفية "الاوروبية". ولكن أزمة بريكست ساهمت في شد أواصر الاتحاد الأوروبي، فانحسرت الأصوات المطالبة بالانفصال. ولكن الانتخابات البرلمانية الأوروبية قد تحمل الجديد.

المزيد من دوليات