Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تضيع حقوق النقابات السودانية في ملعب التجاذبات السياسية؟

قد ترى أكثر من جهة تقف على طرفي نقيض مصلحة في عدم إقرار القانون النقابي الجديد

أراد النظام السابق في السودان أن تكون النقابات مرتبطة بها خصوصاً في أوقات الاحتجاجات (اندبندنت عربية - حسن حامد)

واجهت النقابات المهنية في السودان النظام السابق بفعالية، ولعبت دوراً في احتجاجات سبتمبر (أيلول) 2013 بعد إعلان الرئيس السابق عمر البشير وقف دعم الوقود وبدء إجراءات تقشفية. واستخدمت القوات الأمنية حينها الذخيرة الحية، ما أسفر عن سقوط عدد كبير من القتلى والمصابين والمفقودين.
أرادت السلطة وقتها أن تكون النقابات مرتبطة بها خصوصاً في أوقات الاحتجاجات. لذلك كانت بعض النقابات خارج ظل الحكومة، وأخرى مرتبطة بها وتعكس مصالحها التي قد تتعارض مع مصالح العمال، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالإضراب أو السياسات الاقتصادية.
وفي ظل التضييق عليها، لم يقتصر التنظيم على الأجسام النقابية فقط، بل إن المهنيين شكلوا جمعيات تعمل بالطريقة ذاتها، وفق قواعد محددة، ونشاط مؤثر، على الرغم من عدم اعتراف النظام السابق بها.
لذلك كانت معركتها مع النظام السابق تبدأ في أن تكون مستقلة، ولكن ذلك لم يتحقق بحكم الانتماءات السياسية الصارخة لبعض النافذين في هذه النقابات، في ظل الإرث التاريخي للعمل النقابي في السودان. فبعد عدد من تظاهرات العمال السودانيين المناهضة للاستعمار البريطاني، أُسست التنظيمات النقابية في شكلها الحديث بهيئة شؤون العمال بالسكة الحديدية في عام 1947. كما كان هناك اتحاد الممرضين ونقابة المعلمين الذي شاركت فيه المرأة كأول التنظيمات التي شاركت بنشاط على الساحة السياسية، وتزامنت مع ظهور الحركة السياسية. وانضمت هذه النقابات إلى الحركة الوطنية في مكافحة الاستعمار. وصدر أول قانون للعمل والعمال في عام 1948، وعُقد أول مؤتمر عمالي في 18 مايو (أيار) 1949، وصولاً إلى إجازة الدستور وقيام الاتحاد العام لنقابات عمال السودان في نوفمبر (تشرين الثاني) 1950. ومر القانون بتعديلات خلال فترات حكم الحكومات الوطنية، إلا أنه حافظ على القانون الأساسي لعام 1948، إلى ما بعد اتفاقية نيفاشا للسلام في عام 2005، التي قضت بتأسيس اتحاد موحد للحركة النقابية في جنوب السودان. وعدلت بعد ذلك حكومة "الإنقاذ" قانون النقابات في عام 2010 ليتحول إلى قانون "المنشأة" الذي يساوي بين كل المهن في جسم نقابي، ما أضعف العمل النقابي وأخرج قطاعات مهمة منه.
 


حراك ثوري

وقال رئيس نقابة أطباء السودان، البروفيسور أحمد عبدالله الشيخ، إنه "عادةً يتم تكوين النقابات عبر الجمعية العمومية وهي المسؤولة عنها، وليس من حق أي حكومة تشكيل أو حل أي نقابة، ولكن هذا حدث في مختلف العهود السياسية، كان آخرها ما تم في عهد النظام السابق إذ أسست الحكومة منشأة ضمت فيها الكوادر الطبية والعمالية وغيرها. لكننا اعترضنا على هذا القرار وكونا جمعيتنا الشرعية في عام 2012، وأدخلنا الكوادر الطبية في المكتب الموحد، الذي ما زال يمارس عمله". وأضاف "حلت الحكومة الانتقالية النقابات التسييرية تمهيداً لقيام نقابة شرعية عمومية عوضاً عن تلك التي أسسها النظام السابق، ولكن بعد انقلاب الفريق عبد الفتاح البرهان في 25 أكتوبر (تشرين الأول)، جمد الأخير كل الجمعيات التسييرية، ولعدم اعترافنا بالانقلاب استمرينا في عملنا بالجسم القديم منذ قيام الثورة في المكتب الموحد الذي يضم لجنة الاستشاريين ونواب الأطباء، إضافة إلى بقية الكوادر الطبية".
وعن دور نقابة الأطباء في الحراك الثوري، ذكر الشيخ أنه "في كل حراك ثوري في السودان منذ احتجاجات عام 2013 وحتى الآن، للنقابة دور وعمل تقوم به في الاحتجاجات السلمية. وفي اعتصام القيادة العامة للقوات المسلحة في عام 2019 أنشأت النقابة بجهد ذاتي عيادات ميدانية ودورات مياه متحركة، إضافة إلى توفير الأكل والشرب والمنابر التي خاطبت منها القيادات الثوار. كما كان للأطباء السودانيين العاملين في الخارج فضل كبير في دعم النقابة داخلياً. وهذا العمل مستمر قبل وبعد الثورة، وفي أيام المواكب عبر توفير معونات عينية ونظام طوارئ وإسعافات أولية".

ضد قانون "المُنشأة"

وعن كيفية تطور نقابة الأطباء ودورها، قال الشيخ "أقمنا ورش عمل ومؤتمرات حددنا فيها المتطلبات لرفعة العمل الطبي الذي انهار بسبب نظام "الإنقاذ"، وتدخله السياسي في العمل الطبي، ما أسهم في انهيار المنشآت والبُنى التحتية. كما ناقشنا قانون النقابات ورفعنا التوصيات لوزارة العمل وكانت نقطتنا الأساسية في القانون الجديد هي رفض النقابة الرجوع للعمل ضمن قانون "المنشأة" الذي صاغته "الإنقاذ"، كي لا تُهضم حقوقنا وحقوق بقية النقابات الأخرى، وينبغي أن يكون لكل نقابته".
وزاد "استطعنا خلال الفترة الانتقالية تحقيق مطالب الأطباء وحل مشكلة نواب الاختصاصيين التي وُرِثت من النظام السابق، وحالياً النقابة الشرعية هي الراعية للجرحى وتتكفل بعلاج كل المصابين وتوفير المستلزمات في كل مستشفيات البلاد".
وعن مواصل الإضراب، أوضح رئيس نقابة أطباء السودان أنه "منذ اليوم الأول للانقلاب العسكري في 25 أكتوبر، أعلنت النقابة الإضراب وهو مستمر حتى الآن، وحسب قانون النقابات فإن الإضراب قانوني، ولكنه إضراب عن الحالات الباردة فقط، وليس الحالات الطارئة أو شبه الباردة، فأقسام الحوادث تعمل خلال 24 ساعة".
وتابع "تجري النقابة خلال كل الاحتجاجات، إحصاءات للجرحى والقتلى، وآخرها إحصاء مسيرة 13 نوفمبر، التي أشارت إلى وجود 33 مصاباً في مستشفى شرق النيل، و35 مصاباً في مستشفى أم درمان، و28 مصاباً في مستشفى رويال كير، و17 مصاباً في مستشفى إبراهيم مالك، و3 في مستشفى الساحة، وأن عدد الوفيات بلغ 6". وأضاف "لم يخلُ عملنا طوال هذه الفترة ومنذ تكوين النقابة، من تعرض أعضائها لاعتقالات ومضايقات من قِبل القوات النظامية، وفي 13 نوفمبر كان العسكر يدخلون على الأطباء في المستشفيات ويتفحصون هواتفهم بحثاً عن رسائل أو مقاطع وصور للتظاهرات، وكانت تتم بطريقة تعيقهم عن أداء عملهم".

قوة ضغط

وعن الخلاف حول القانون الجديد للنقابات، أكد عضو اللجنة القانونية لـ "قوى إعلان الحرية والتغيير" عمر سيد أحمد، أن "الخلاف الأساس يكمن في كون القانون يقوم على المنشأة أم الفئة. وكانت وزيرة العمل لينا الشيخ في حكومة رئيس الوزراء المعزول عبدالله حمدوك الأولى، اقترحت قانوناً لكن النقابات اعترضت عليه إذ رأت أنه يكرس لقانون "المنشأة". وطرحت النقابات إضافة إلى "تجمع المهنيين" والتنظيمات السياسية قانوناً آخر بديلاً له، تبنته وزيرة العمل في حكومة حمدوك الثانية المُقالة، تيسير النوراني، وعُرض على مجلس الوزراء باسم "قانون النقابات الموحد لعام 2021" إلا أنه شابته 9 نقاط خلافية ولم تتم إجازته". وشدد سيد أحمد على أن "حرية العمل النقابي مكفولة بموجب قانون العمل الدولي ومن حق النقابات تكوين جمعيتها العمومية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف "كانت النقابات تعمل بلجان تسيير، وحل هذه اللجان قطع الطريق أمام تنظيم العمل. وإلى أن يُعاد ترتيب المشهد السياسي وفق قوانين ديمقراطية، فإن الوضع سيظل ضبابياً، ويمكن أن يؤثر على كفاءة النقابات لأن عدداً منها مرتبط بمعاش الناس".
من جهته، ذكر البروفيسور، الواثق كمير في ندوة بعنوان "النقابة والسياسة... دور الحركة النقابية في الانتقال"، التي نظمها فرع الحزب الشيوعي السوداني في تورونتو، بكندا أن "التنظيم النقابي بوصفه رابطة تنشئها مجموعة مستخدَمين يتقاضون أجراً لتوحيد جهودهم بهدف خدمة وحماية مصالح الأعضاء وفق اعتراف قانوني، يهيئ لها وضعاً يُمكنها من تحقيق مطالبها باللجوء إلى استخدام كل الوسائل والأدوات المشروعة لحل منازعات العمل، بما في ذلك التفاوض الجماعي وحق الإضراب، فإن هذه المواصفات لا تنطبق على تجمع المهنيين الذي هو أشبه بـ "التحالف السياسي" منه إلى "التجمع النقابي"، ونشأ على أساس مفهوم النقابات "الموازية". ولكن عمر سيد أحمد رد على ذلك بالقول إن "التداخل بين العمل المهني والسياسي، تم تجاوزه لأن الحقوق النقابية جزء من الحقوق السياسية، ولكن هناك نقابات يبدو فيها العمل السياسي واضحاً مثل نقابة المحامين لعدم وجود مخدم أسوةً بالأطباء والمهندسين، وكل النقابات باعتبارها قوى منظمة أكثر من غيرها وتعتمد على قواعدها فيمكن أن تمثل قوة ضغط".

تكريس الهيمنة

وبينما يحتدم الجدل حول أشكال النقابات التي سيقرها مشروع القانون الجديد، نجد تأثيراً آخر على "اتحادات المزارعين" خصوصاً "اتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل" الذي ظل يعاني من سيطرة قانون "المنشأة"، وأعرب عن عدم إنصافه في ظل الحكومة الانتقالية، وظل بعيداً عن التمثيل فيها والاهتمام بمشكلاته. وأصدر ذراعه السياسي "تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل"، بياناً احتج فيه على البطء في معالجة مشكلات المشروع الزراعي الأول في السودان "مشروع الجزيرة"، وترشيح مديري الإدارات من خلال "تجمع قوى إعلان الحرية والتغيير" من دون الرجوع إلى الاتحاد، الأمر الذي اعتُبر بمثابة محاصصات حزبية. وذكر البيان أن "السير في معالجة مشكلات المشروع بهذا التدخل يفضي إلى تكريس هيمنة وسيطرة القطاع الخاص والشركات التعاقدية والرأسمالية الطفيلية التي بسطت يدها على كل المشروع، وأن حكومة الثورة لا تريد وضع يدها على المشروع ولا علاج مشكلاته التي أصبحت عائقاً أمام التطور المطلوب للمشروع وإنسانه". وطالب "تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل" بـ"استعادة أصول المشروع وممتلكاته ومحاكمة المفسدين ورفض استمرار السياسات القديمة وإلغاء قانون عام 2005، وإرجاع 50 في المئة من أصول المشروع"، معتبرين "عدم تنظيم العمل وإصدار قانون جديد بمثابة تماهٍ مع خط النظام السابق، وكذلك مع سلطة الفترة الانتقالية التي تسعى إلى تنفيذ توصيات البنك الدولي، وأن هذه السياسات وممثليها همهم الأول هو السيطرة على أرض المشروع وموارده".

انجلاء المشهد

هذا الوضع يلخصه استمرار معاناة النقابات في عملها في ظل ظروف صعبة امتدت منذ أيام النظام السابق، وبينما ترنو التنظيمات النقابية بنظرها إلى القانون الجديد، فإنها ستواجَه بعاملَين مؤثرَين، الأول في حالة استمرار المكون العسكري مسيطراً على الحكم، فإنه ربما يعطل القانون الجديد حتى لا تحصل النقابات على وضع ديمقراطي يكون نواة لزعزعة النظام. أما العامل الثاني فهو في ظل عدم حماس القوى الحزبية لتفعيل القانون الجديد، ويمكن أن يعكس ذلك خشيتها من التعرض لكشف حجمها الحقيقي، كما يمكن أن تعارضه بذات الذريعة التي ظلت تتهرب بها من التقدم خطوة نحو الانتخابات. وعليه ربما تواصل النقابات عملها كأجسام شرعية وفقاً للجمعية العمومية لكل نقابة، ومن دون أجسام دستورية تمثلها لحفظ حقوقها المهنية والسياسية، إلى أن ينجلي المشهد السياسي السوداني كاشفاً عن شكل حكم واضح.

المزيد من تقارير