Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا وراء محاولة اغتيال الكاظمي في بغداد؟

هل انتهت لعبة رئيس الحكومة العراقية مع ثعابين السلطة؟

لم يكُن استهداف رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي، أمس، الأول ولن يكون الأخير. فرأس الرجل مطلوب تحت مقصلة خصومه السياسيين من "الشيعة الولائيين"، الذين بدأوا بسلسلة اتهامات له مذ كان مديراً للاستخبارات حتى استوزاره، فهو المسؤول الأول الذي يتهم بأنه وراء التخطيط لاغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني ومساعده أبو مهدي المهندس على طريق المطار الدولي للعاصمة العراقية، بقصف من طائرات مسيّرة متطورة استهدفت موكبهما الأمني إبان حكم الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

"الولائيون"  اتهموا الكاظمي بتسريب معلومات 

حينها لم يتردد­ بعض "الولائيين" في القول إن وراء ذلك معلومات داخلية عن تحرك الموكب، وتم اغتيال أحد عناصر الاستخبارات المسؤولين عن المطار إثر العملية، وهو من مقربي الكاظمي في بيته ببغداد. ثم أُحرج الكاظمي مرات باقتحام المنطقة الخضراء التي تضم مقار الرئاسات والسفارات، ومحاولة تطويق السفارة الأميركية ومقر الرئاسة العراقي، وتكررت مشاهد إحراجه وإفراغ مهمته بقصف متكرر للمنطقة الخضراء وقلب بغداد من قبل عناصر "حزب الله" -الفرع العراقي، قبالة انسحاب أميركي رافق زعامة الرئيس الجديد جو بايدن، فتمكّن "الولائيون" من أن يعدّلوا استراتيجية عملهم ويقلبوا معادلة الحكم ويعيدوا القوات الحكومية التابعة للكاظمي وفي مقدمتهم قوات مكافحة الإرهاب، التي شعرت بحرج بالغ وهي تطلق عناصر "حزب الله" الذين ألقت القبض عليهم وقيّدتهم بعد ثبوت قيامهم بقصف المنطقة الخضراء من منطقة "البو عيثه" في عرب جبور جنوب بغداد. 

تردد الكاظمي ومحاولة التهدئة

لكن الكاظمي كما يصف بعض قيادات الجهاز تراجع عن المضي في مواجهة الميليشيات "الولائية" نتيجة ضغوط سياسية وأطلق سراح عناصرها بل اعتذر لهم، مما جعلهم يتنمرون عليه وعلى الرئاسات ويتصرفون بمنطق دولة داخل الدولة، أو كما يطلق عليه المحللون العراقيون بـ"سيادة اللادولة"، التي أضعفت حكومة الكاظمي وجعلتها عرضة لتلقي ضربات موجعة في ما بعد، كونه سعى إلى مسك العصا من الوسط ولم يضرب بيد من حديد العناصر المتخطية للدولة والمتجاوزة محرماتها، وقد عيل صبر الرجل الذي وصف مهمته في مجلس الوزراء بقوله "أرقص بين الثعابين يومياً، وأبحث عن مزمار للسيطرة عليها"، لا سيما أنه أغرق خطابه بالتوعد من قتلة الناشطين والمتعاونين مع سياسته وأنصار الدولة المدنية المطالبين بعودتها إلى قدراتها في فرض القانون على الجميع.  

محاربة الفساد 

ولم يتمكن الكاظمي إلا من أن يطلق يد الجنرال رغيف الذي يلاحق فساد السلطة ويودع المتهمين من قبل لجان النزاهة التوقيف والتحقيقات القاسية التي ألّبت عليه مواجع النافذين في الحكم ممن يعملون لمصلحة إيران ومشروعها في العراق، ويعطلون الدولة التي تسعى إلى مغادرة ريعيتها وفسادها من دون جدوى. وكما يقول المثل العراقي "الشق كبير والرقعة صغيرة" بعد أن أصبح الفاسدون والخارجون عن القانون نافذين في الجسد العراقي المثخن بالجراح،  وبعد أن تمكنت الميليشيات من أخذ قرارات برلمانية تسوّغ وتعطي الشرعية لوجودها، مما جعل سلطة الكاظمي وسواه من الرئاسات الثلاث تحت رحمتها في معادلة دانها الفكر العراقي وانتقدها كبار السياسيين والمفكرين في البلد الذين وجدوها تعطل قرارات الحكم وتدار بين الدولة واللادولة التي تمتلك الأسلحة، وتستعرض قوتها في شوارع بغداد والمحافظات الرئيسة من دون ردع الدولة أو إدراك قيمتها الاعتبارية والقانونية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

محاولة اغتيال بثلاث طائرات 

وتأتي محاولة اغتيال الكاظمي بثلاث طائرات مسيّرة أسقطت اثنتين منها ونفذت واحدة وهي ملغمة، بحسب وصف بيان الداخلية العراقية، بمثابة تصعيد خطير بهدف وقف أي نوايا لمعاودة ترشيحه لدورة مقبلة لرئاسة الحكومة، لا سيما أنه يحظى بتأييد الكتلة "المرجحة" الأكبر المتمثلة بالتيار الصدري، وأن "الولائيين" فشلوا في الحصول على التقسيم العرضي ذاته "شيعة وسنة وأكراد"، فيما فضّل الصدر قائمة طولية تضم هذه الطوائف معاً، تكون فيها فرصة الكاظمي المرجحة للاستمرار في رئاسة الوزراء، وهذا خط أحمر بالنسبة إلى إيران و"الولائيين" الذين وضعوه في خانه الخصومة بل العداء، ومارسوا كل العراقيل لإبعاده، بخاصة اتهامه بالمشاركة في تزوير الانتخابات وبتواطئه مع جهات خارجية لعبت في نتائج الانتخابات كما يصرحون ليل نهار، عبر نصب "سيرفرات" خاصة غيّرت نتائجها ورجحت كفة الصدريين للفوز بـ74 مقعداً تؤهلهم لترشيح رئيس الحكومة المقبل، على الرغم من زيف ذلك الادعاء، وتضارب الأنباء عن الجهة التي استهدفت الكاظمي في حكومة تسيير الأعمال الحالية، وتأكيد الناطق باسم الداخلية العراقية أن "استهداف رئيس الوزراء عمل إرهابي مرفوض، جملة وتفصيلاً، وأن محاولة الاغتيال تمت من خلال ثلاث طائرات، وأن تحقيقاً واسعاً يجرى الآن لمعرفة الجناة والوصول إليهم من خلال متابعة وتحديد الكاميرات ومناطق الانطلاق فضلاً عن الآلية المستخدمة، مشيراً إلى "وجود جرحى من الموجودين في المنزل يتلقّون العلاج"، من دون الإعلان إن كانوا من أفراد العائلة أو من الحمايات".

انقلاب على الشرعية 

اعتبر بعض النافذين العراقيين ما جرى فجر الأحد الدامي أنه "انقلاب على الحكومة الشرعية"، كما يقول الشيخ ثائر البياتي الذي دعا الكاظمي الى "إصدار قرار بفصل كل من فالح الفياض وأبو فدك من هيئة الحشد واعتقالهما وإعلان حالة الطوارئ وتشكيل حكومة طوارئ وإيقاف العمل بالدستور واعتقال كبار قادة الانقلاب، وكل قادة الميليشيات الولائية"، على حد قوله .

غير أن كل معطيات ما يحدث في العراق حالياً يرجح أن الأمور تتطور بطريقة دراماتيكية، فالصراع الدموي قبالة تراجع فرص الكاظمي التي توصف بأنها باتت ضئيلة، مع انتقاد مرير للاستراتيجية الأميركية في المنطقة بعد تصريح الرئيس الأميركي بوش بقوله "المهمة انتهت"، وبعد مشاهد الغطرسة والتنمر ومهاجمة الشرعية الدولية، كما يقول الباحث مايكل بريجنت.

فوضى محتملة 

أسئلة كثيرة تطرحها محاولة اغتيال الكاظمي، لكن الأهم هو هل ستعرقل تشكيل الحكومة المقبلة، وتثير الفوضى؟ أم ستكون ورقة ضغط للتحرك بسرعة لتشكيلها؟ والأخطر انتقال الصراع إلى الشارع المحتقن الذي انقسم بين مؤيد لنتائج الانتخابات التي توصف بالنزيهة، لا سيما بعد تطابق العد الإلكتروني ونظيره اليدوي، وبين رافض لتلك النتائج مرجحاً تزويرها سيبرانياً من دون دليل قاطع، وهذا ما يثيره "الولائيون" الذين على ما يبدو صُدموا بنتائج غير متوقعة أقصتهم عن أن يكونوا الكتلة الأكبر التي ترجحهم لتشكيل الحكومة، كما اعتادوا الفوز في الدورات الأربع السابقة التي سبقت ترشح الكاظمي كمرشح تسوية سياسية ندموا عليها كثيراً.

ما يسعى إليه "الولائيون"

أُشيع قبل أيام أن جهة نافذة في العراق ترفض مفاوضات أي طرف شيعي مع السنّة أو الكرد خارج وحدة الائتلاف الشيعي الموحد الذي يضم كل الأطراف، أو النزول وحده في الكتلة الأكبر التي يجب أن تكون شيعية تحكم باسم الغالبية المجتمعية للمكون. وأكد الإعلامي النافذ القريب من السلطة أحمد الملا طلال أنه "لن يمر رئيس الوزراء المقبل صدري أو مالكي قح، ولا يفضل ترشيح الكاظمي". فهناك مساعٍ واضحة لإبعاد الرجل الذي أثبت أنه قادر أن يكون مرشحاً قوياً تمكّن من تبديد عزلة العراق الدولية وأعاده إلى محيطه العربي، وشرع في تأسيس قوة ضاربة لمحاربة الفساد، وكل ذلك يربك مشهد الحكم الموالي لإيران والمحقق لمصالحها واستراتيجيتها في العراق، كما يؤكد كثرٌ من المراقبين للشأن العراقي.

المزيد من تقارير