Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الانقسام يضرب الشارع السياسي مجددا في السودان

آلاف المحتجين يحضون الجيش على تولي السلطة ومخاوف من محاولات إجهاض الفترة الانتقالية ومراقبون: رسالتهم تخالف الوثيقة الدستورية

تظاهرات بالسودان تطالب الجيش بتولي السلطة  (اندبندنت عربية – حسن حامد)

دخل السودان حلقة ضيقة باتجاه الانقسام في الشارع السياسي، بسبب المواقف المتباعدة في شؤون الحكم للفترة الانتقالية، التي نتجت عن خروج تظاهرة تضم آلاف المحتجين، أمس السبت، تحض الجيش على السيطرة على السلطة، دعا إليها فصيل متحالف مع الجيش في قوى الحرية والتغيير، يشمل حركات مسلحة تمردت على نظام الرئيس السابق عمر البشير، في وقت دعت فيه جماعات مؤيدة للسلطة المدنية بالبلاد إلى احتجاجات مماثلة، الخميس المقبل. وتعد هذه الأزمة السياسية التي تواجه البلاد هي الأكبر في مرحلتها الانتقالية الممتدة لعامين، لكن ما مآلاتها على استقرار المرحلة الراهنة؟ وما السيناريوهات المتوقعة جراء هذه الأزمة؟ وهل يواجه السودان مخططاً لإجهاض الفترة الانتقالية؟ 

عرقلة الانتقال 

يوضح رئيس المكتب السياسي في حزب الأمة القومي السوداني، محمد المهدي، أن "المجموعة التي قامت بالاحتجاج هم مواطنون سودانيون لهم وجهة نظر في الشأن العام، وبالفعل أوصلوا رسالتهم، لكن يبقى فحوى الرسالة التي تتعارض بكل تأكيد مع الوثيقة الدستورية، ومع روح التوافق الذي تم بتأسيس الشراكة في الحكم، وكذلك تتعارض مع شعارات وأهداف ثورة ديسمبر (كانون الأول)، فضلاً عن ذلك ثبت ارتباط الحراك والاحتجاج الأخير بحزب المؤتمر الوطني المحلول، وحلفائه من المجموعات والأفراد الذين تقاسموا معه السلطة ثلاثة عقود". 

وأشار المهدي إلى أن "قوى الحرية والتغيير تستوعب قضايا الانتقال وفقاً لما نصت عليه الوثيقة الدستورية، وماضية في برنامجها بكل ثبات وتفانٍ، وتسعى لتوسيع قاعدة المشاركة باستيعاب القوى المؤمنة بالثورة لتكون جزءاً من الإعلان السياسي للحاضنة السياسية"، موضحاً، "الغريب في الموضوع أن جزءاً من أطراف السلام التي لها ارتباط مع النظام السابق هي جزء مما يحدث من توتر في المشهد السياسي، إلى جانب بعض الأفراد الذين يغلب عليهم الطابع الانتهازي". تابع، "أفهم أن حركتي العدل والمساواة، وتحرير السودان (جبريل، ومناوي) تمسكان باقتصاد البلاد كله من خلال سيطرتهما على وزارات المالية والتخطيط الاقتصادي، والطاقة والتعدين، والرعاية الاجتماعية، وتشكوان التهميش". 

وأكد رئيس المكتب السياسي في حزب الأمة، أن "ما يحدث هو محاولة لعرقلة مسار الانتقال، لكن على هؤلاء أن يعوا أن الانتقال لديه حراس وأصحاب مصلحة حقيقيون موعدهم الخميس المقبل، فلن يسمحوا بأي نوع من الردة، أو العودة إلى الوراء مهما كلف الثمن". 

اتهام لا صحة له

من جانبه، يقول القيادي في حركة "الإصلاح الآن"، (أحد أحزاب تيار الإسلام السياسي)، أسامة توفيق، "في رأيي إن قوى الحرية والتغيير انقسمت انقساماً خطيراً، فالحاضنة السياسية التي تساند الحكومة الانتقالية خطفت الثورة الشعبية، وتقاسمت الغنائم فيما بينها، لكن ما يحدث الآن أن هناك أزمة دستورية وقعت في البلاد، باعتبار أن الوثيقة الدستورية التي وقّعت بين المكون العسكري وقوى الحرية والتغيير الموحدة أصبحت غير شرعية بسبب هذا الانقسام، فالحاضنة بشكلها الحالي لم تعد تمثل مكونات الثورة، بالتالي لا سبيل أمامها غير الاتفاق مع المجموعة التي انشقت عنها، وهو حق شرعي مكفول وفقاً لشعارات الثورة التي تهدف للعدالة وعدم الإقصاء". 

أضاف، "أعتقد أن دعوة التوافق الوطني التي تبنتها المجموعة الثانية لقوى الحرية والتغيير، هو نداء يطالب به كل مواطن غيور على البلاد، فضلاً عن الالتزام بما نصت عليه الوثيقة الدستورية بتشكيل حكومة كفاءات (تكنوقراط) مستقلة غير حزبية، لأنه ليس من المنطق أن تكون الحكومة الانتقالية المعنية بإقامة انتخابات عامة، حزبية. فنحن كسياسيين ندعو لحل هذه الحكومة وتكوين حكومة جديدة مستقلة تتمثل مهامها في الإعداد للانتخابات، وإنشاء مفوضية للانتخابات، والقيام بإحصاء سكاني، فضلاً عن تسيير دولاب الدولة". 

واستبعد القيادي في حركة "الإصلاح الآن"، أن "تكون الحركة الإسلامية وراء تظاهرة 16 أكتوبر، حيث لا توجد لافتة واحدة أو هتاف يدلان على ذلك، فهذا الاتهام مجرد رياء لا صحة له، ولا بد أن يبعد الناس عن عملية التخوين"، مؤكداً أنهم "يساندون ويدعون لتوافق وطني كامل يضم كل القوى السياسية الموجودة في البلاد ما عدا المؤتمر الوطني (حزب البشير المحلول)، لكن إذا استمر الانقسام على هذا المنوال، فبلا شك ستكون نتيجة ذلك الوصول إلى احتقان وانسداد سياسي قد يدفع القوات المسلحة السودانية للاضطلاع بمهامها لحماية أمن وسلامة المواطن والبلاد، وهذا ما نخشاه حقيقة". 

انتخابات مبكرة 

في السياق ذاته، قال المحلل السياسي خالد التيجاني، "من الواضح أن المشهد السياسي في البلاد وصل إلى طريق اللا عودة بين أطراف الصراع، بسبب ما حدث من انقلاب على الوثيقة الدستورية، الذي شارك فيه المكونان العسكري والمدني، حيث تواطئا وتجاهلا تشكيل المجلس التشريعي والمحكمة الدستورية والمفوضيات، وغيرها من المناصب المهمة في الجهاز القضائي والنيابة العامة، وهي المؤسسات الأساسية في الفترة الانتقالية لضمان التحول الديمقراطي. فما حدث أن المكونين احتكرا السلطة وفق هذا التحالف والشراكة، بالتالي يتحملان كل الخروق التي حدثت في الوثيقة". 

وأشار إلى "أن الأحداث والتطورات السياسية السالبة سببها احتكار مجموعة صغيرة للسلطة، لكن بشكل عام، فإن انقسامات القوى داخل الحاضنة السياسية ليس جديداً، فقد سبق أن انسحب منها الحزب الشيوعي، وما زال خارج هذه الحاضنة، كما حدث أن جمد حزب الأمة القومي عضويته في المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير، فالأزمة الحالية نتيجة تراكمات قادت إلى تغير مزاج الشارع السوداني بعد أن كان موحداً، فأصبحت هناك عزلة بين الشارع والثلة الحاكمة ممثلة في أحزاب الحاضنة السياسية". 

ورأى التيجاني، أن "واحدة من الإشكاليات التي تسببت في هذا الصراع السياسي، هي مبادرة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك التي أطلقها أخيراً بعنوان (الأزمة الوطنية وقضايا الانتقال – الطريق إلى الأمام)، فقد تبنت مسألة توسيع المشاركة، لكن لم تضع أطر التنفيذ، وكأنها وقعت في شرك يصعب تداركه"، لافتاً إلى أن "القوى التي تطالب بحل الحكومة وتوسيع قاعدة المشاركة في الحكم هي قوى أساسية بينها أهم مكونين في الحركات المسلحة (حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، وحركة جيش تحرير السودان جناح مني أركو مناوي)، وتوجد هاتان الحركتان في السلطة الانتقالية، لكن معلوم أن التحالفات دائماً تتحرك وفق المصالح". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واعترف بأن "ما يمر به السودان من انقسامات هو تهديد مباشر للفترة الانتقالية، وكذلك لوجود الوطن، ما يتطلب سرعة تحصين البلاد من التشرذم بمواجهة قضاياه بشفافية وموضوعية تامّتين"، مشدداً على أن "الصيغة التي صنعت شراكة الحكم ما عادت موجودة، وأن تسارع الأحداث إن لم تكن مقتدراً لمعالجة هذا الخلل، فإن التفاعلات قد تنتج وضعاً جديداً". 

وحض المحلل السياسي، للخروج من هذا المأزق، وسد الفراغ والانقسام الواضحين، إلى إعادة تشكيل المعادلة في السلطة الحاكمة من جديد بمعيار المنطق والوجاهة، أو الدعوة لانتخابات مبكرة، وخلاف ذلك فلا محال من الفوضى التي تضرب البلاد وتقضي على الأخضر واليابس. 

اعتصام مفتوح 

في غضون ذلك، دخل المحتجون السودانيون، فجر الأحد، في اعتصام مفتوح أمام مقر مجلس الوزراء بوسط الخرطوم، دعماً للجيش والمطالبة بحل الحكومة الانتقالية، موضحين أن "اعتصامهم سيستمر إلى حين الاستجابة لمطالبهم التي يأتي في مقدمتها حل الحكومة الحالية وتشكيل أخرى من كفاءات وطنية مستقلة تدير البلاد حتى إجراء انتخابات حرة بنهاية الفترة الانتقالية، فضلاً عن العودة إلى منصة تأسيس تحالف الحرية والتغيير، واسترداد الثورة المختطفة بواسطة قوى صغيرة"، وفق تعبيرهم. 

ويضم التحالف الذي أطلق على نفسه منصة التأسيس، حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، وحركة تحرير السودان بزعامة مني أركو مناوي، إلى جانب قوى سياسية مدنية، وقيادات سياسية أبرزها التوم هجو، ومحمد سيد أحمد الجاكومي، ومبارك أردول، وآخرون. 

ويرى التحالف الجديد، أن "الثورة السودانية تم اختطافها من قبل أربعة أحزاب سياسية، وتستوجب العودة إلى منصة تأسيس قوى الحرية والتغيير بغرض توسيع قاعدة المشاركة وخلق حاضنة سياسية عريضة للحكومة الانتقالية الحالية". 

التصدي لـ"الإخوان" 

أكد مقرر لجنة إزالة تمكين نظام البشير، وجدي صالح، في تصريحات صحافية، أن "الشعب السوداني سيتصدى لعودة نظام (الإخوان) البائد"، مشدداً على أن "أهم أهداف الثورة هي تفكيك نظام (الإخوان) الإرهابي، لكن هذه التظاهرات تطالب بحل لجنة التفكيك ومشاركة من قتلوا ونكلوا بالشعب في السلطة الانتقالية". وأوضح أن "هذه الثورة جاءت نتاج تراكم نضالي لثلاثة عقود، ولن تنهزم، كما أنها وحّدت كل الشعب السوداني في أهدافها وشعاراتها". 

ومضى قائلاً، "الوطن على المحك في وحدته وتماسكه، وسقطت ورقة التوت التي كانت تغطي عورة الانقلابيين، بعد أن كشفوا عن أمانيهم بعودة عهد القهر بوسائل النظام المباد ذاتها، والشعب السوداني سيواجهها بوضوح تام"، منوهاً بأن "قوى الثورة سترمي خلفها كل خلاف واختلاف، وستتوحد وتتحد لتكمل ثورتها في مواجهة البدائل الزائفة للانقلابيين وأعداء الانتقال الديمقراطي". 

وأضاف صالح، "واجب علينا جميعاً، نحن قوى الثورة، أن ننتظم للتوقيع في دفتر الحضور الثوري توقيعاً يليق بثورتنا ويردع كل حالم بالانقضاض على الانتقال، فنحن من شوارع الثورة، وإليها، ومشوارها طويل لتحقيق أهدافها، ومعلوم أن الشعب أقوى، والردة مستحيلة". 

خريطة طريق 

وكان رئيس الوزراء السوداني، عبدالله حمدوك، قد أكد في خطاب تلفزيوني مباشر، أول من أمس، أن "الحكومة تسعى إلى توافق بين معسكر الانتقال الديمقراطي يحقق أهداف الثورة"، معلناً وضع خريطة طريق مع الأطراف السياسية لحل الخلاف، كما شدد على ضرورة أن يتم الاتفاق على قضايا الإرهاب داخلياً وخارجياً، وسبل حلها، مؤكداً أهمية تجنب الخطوات الأحادية من كل الأطراف السودانية، ولافتاً إلى ضرورة البدء بالتحضير للانتخابات في السودان، وعدّ الأزمة السياسية الحالية أخطر أزمة تهدد الانتقال، وتهدد البلاد كلها، وفق تعبيره. وكشف عن أن الحكومة ترتب لمؤتمر دولي لمعالجة أزمات شرق السودان، لكنه شدد على أنه لا تهاون مع محاولات إجهاض الفترة الانتقالية. 

المزيد من تقارير