Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تنجح الحكومة الانتقالية في إعادة تشكيل الإعلام السوداني؟

بعض القوانين لم تُقر من قبل البرلمان ولكن وجدت طريقها إلى التنفيذ بواسطة أجهزة الأمن

ظل الصحافيون السودانيون يواجهون قضية حرية الصحافة ومقدرتها على الصمود (اندبندنت عربية - حسن حامد)

ظلت الصحافة السودانية خاضعة على مدى أعوام طويلة إلى تضارب في العلاقة بينها والسلطة السياسية، وشهد الإعلام في عهد النظام السابق على وجه الخصوص، هجمات كانت تقوم بتنفيذها السلطات الأمنية تارة بالمصادرة وأخرى بإيقاف الصحف. وظل تقييد حرية الصحافة والإعلام بقانون الصحافة والمطبوعات هاجساً يؤرق مضجع الصحافيين، فبدت كأحد المطالب الرئيسة لانتفاضة ديسمبر (كانون الأول) 2018، بيد أنها جاءت آخر القوانين المُقترح تعديلها، فوضعت اللجنة الاستشارية لإصلاح قوانين الإعلام مقترحات عدة تتعلق بالإذاعة والتلفزيون والصحافة والحصول على المعلومة. ولكن ورد الخبر معمماً ومبهماً وغير محدد. وأسهمت الشكوى الدائمة من سوء حال الصحافة وزيادة الضغوط على الصحافيين وتهميش الكوادر الإعلامية في الأجهزة المختلفة (الإذاعة والتلفزيون والصحف)، إضافة إلى تبعية مجلس الصحافة والمطبوعات وهيئة البث الإذاعي والتلفزيوني لوزارة الثقافة والإعلام، ما لفت الانتباه إلى وضع الصحافة في عهد ما بعد الانتفاضة وفي ظل الحكومة الانتقالية.

زوال المؤثر

وبعد زوال تأثير اتفاقية نيفاشا وانفصال جنوب السودان عام 2011، أدرج وزير الإعلام السوداني حينذاك أحمد بلال عثمان مشروع قانون للصحافة والمطبوعات عام 2015، يسمح للحكومة باتخاذ إجراءات عقابية ضد الإعلام الإلكتروني الذي وصفه بـ "السلاح الخطير"، وذلك بإنشاء مجلس لرصد ومتابعة ما يُنشر في الإنترنت، إلى جانب العمل على توفير المعلومة وتسهيل الحصول عليها وتداولها.

وفي يونيو (حزيران) 2018، أجاز مجلس الوزراء مشروع تعديل قانون الصحافة والمطبوعات، وأرسله إلى البرلمان للمصادقة عليه، ومنح بموجبه الحكومة ولاية كاملة على الصحافة، فسّرها إعلاميون وقانونيون بأنها تكريس لسلطة الدولة. ومن بنود المسودة كان السماح لمجلس الصحافة السوداني الذي يتبع لرئاسة الجمهورية، بإيقاف الصحافي عن الكتابة وتعليق صدور الصحف 15 يوماً. وخلت تلك التعديلات من المواد التي تؤكد حق الحصول على المعلومات الذي ذُكر في مشروع 2015، وحماية الصحافي أثناء ممارسته لمهنته.

كل تلك الإجراءات أسهمت في مواجهة الصحافيين السودانيين لواقع مقدرة صمود الصحافة في ظل النظام السابق، فضلاً عن بحثهم في قضية حرية الصحافة. كما نشأت موجة من إصدار القوانين وتعديلها باسم تنظيم العمل الصحافي، التي سرعان ما كانت تتحوّل إلى إجراءات مقيِّدة. فبعض القوانين لم تُجَز من قبل البرلمان ولكن وجدت طريقها إلى التنفيذ بواسطة أجهزة الأمن. فعند إصدار قوانين 2009 التي نصت على إمكانية حظر أي صحيفة لمدة ثلاثة أيام، تبعها إصدار عدد من القوانين تزيد مدة الحظر إلى عشرة أيام. أما قوانين 2013، فركزت على تهديد دور الطباعة بالإغلاق أو بالعقوبات المادية في حال المخالفة، ما جعل معظم المطابع مسكونة بالأمن وتمارس الرقابة القبلية على الصحف.

واقع مماثل

وعلى الرغم من أجواء الحريات بعد الانتفاضة، إلا أن الصحافة السودانية في فترة الحكومة الانتقالية تواجه اضطراباً، يبرّره المسؤولون في وزارة الثقافة والإعلام بسيطرة أعضاء من النظام السابق على مفاصل الإعلام، إذ ذكر الرشيد سعيد، وكيل أول وزارة للإعلام، أن "سيطرة عناصر من النظام السابق هي التي حالت دون تطور الصحف والأجهزة الإعلامية". وهذا يبيّن أن أزمة الصحافة ليست في نظام الحكم فقط، وإنما في السياسات المتبعة سواء في عهد عسكري أو انتقالي.

وفي ظل الفترة الانتقالية، وبانتظار ما يمكن أن تحظى به الصحافة من حريات، سلّمت اللجنة الاستشارية لإصلاح قوانين الإعلام فى السودان، سعيد مشروع ثلاثة قوانين، تشمل مشروع قانون الصحافة والمطبوعات ومشروع قانون هيئة الإذاعة والتلفزيون ومشروع قانون حق الوصول إلى المعلومات. وأوضح سعيد أن هذه القوانين التي ستدرسها وزارته قبل تحويلها إلى الصياغة القانونية، هدفها ضبط النشاط الصحافي وتوفير البيئة الديمقراطية السليمة. والجدير بالذكر أنه لم يتم نشر مسودة هذه التعديلات، ولم تُعرض على الصحافيين والرأي العام ووسائل الإعلام للتشاور حولها، وهو نفس ما كان يحدث في ظل النظام السابق. بيد أن ما تسرّب بحسب تصريحات مقتضبة هو أنه "سيتم ربط القانون الداخلي للإعلام بالقوانين الدولية مثل المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 وقرار الأمم المتحدة لحماية الصحافيين لعام 2015، وأن مصادرة الصحف لا تتم إلا بسلطة القاضي، وأن قانون حق الحصول على المعلومات سيكون من خلال ترسيخ بروتوكولات "يونيسكو" كجزء في هذا القانون".

استقلالية وحرية

وقال الخبير الإعلامي علي شمو إن إصلاح العمل الإعلامي في الإذاعة والتلفزيون جارٍ ليغدو كنماذج عالمية مثل "بي بي سي" وغيرها مثلما طُرح، "فإن السر في نجاحها لتصير مستقلة هو التمويل حتى تحمي نفسها من التدخل الحكومي". وأضاف "ينبغي أن تحصل هذه الأجهزة التي تعبّر عن الشعب على مشغّلين مستقلين أحرار، وأن يقتصر دور الحكومة على وضع الشروط العامة واستخراج الترخيص والتزام المبادئ والنُظم العامة وعدم الخروج عن القانون".

وأوضح أن الصحافة السودانية الحديثة منذ نشأتها، التي بدأت بصدور صحيفة "السودان" عام 1903، بدأت كصحافة مستقلة ولم يحدث أن تبعت لوزارة الإعلام في يوم من الأيام. ولم يكُن يُتوقع أن يحدث ذلك في أكثر عهد ينادي بالحريات". ويرى شمو أن أفضل قوانين الصحافة هو  قانون عام 2009 الذي جاء بعد توقيع اتفاقية السلام (نيفاشا 2005)، وشاركت فيه "الحركة الشعبية لتحرير السودان"، و"كان ذلك القانون بحاجة لتعديل فقط". وكذلك "قانون الإفصاح عن المعلومات لعام 2005 وعام 2009، ففي نصوصهما أن الصحافي من حقه الحصول على المعلومات من أي مسؤول. وفي حال الرفض، تتم مقاضاة المسؤول. وميزة هذا القانون أنه أتى بعد التوقيع على اتفاقية نيفاشا، وما تبعها من انفتاح على الآخر ومحاولات ترسيخ بعض الحريات".

أما بالنسبة إلى بند مسؤولية رئيس التحرير المُشار إليه في هذا التعديل، فأوضح شمو أنه وفقاً لقانون 2009، كان ينص على أن "رئيس التحرير هو المسؤول الأول عن الأداء والتحرير للصحيفة، ويكون مسؤولاً بموجب مبادئ المسؤولية التقصيرية أو الجنائية عن كل ما يُنشر في الصحيفة مع عدم الإخلال بأي مسؤولية قانونية أخرى ربما تقع على الصحافي أو الكاتب أو واضع الرسم أو الطابع أو الناشر". وأضاف أن التعديل يُفترض أن يكون جزءًا من قانون الصحافة، بأن يُعهد بتنفيذ سياسة الصحيفة إلى رئيس التحرير أو المالك أو الناشر في إطار تعريف متفق عليه لهذه السياسة ووفقاً للقانون.

صحافة عابرة للحدود

ابتداءً من أول قانون سوداني للصحافة عام 1930 وحتى 1973، لم يُغيّر القانون إلا مرة واحدة، واستمر ذلك الوضع حتى عام 1989 بمجيء حكومة "الإنقاذ" التي بدأت أعوام حكمها الأولى بتغيير قانون الصحافة في تسعينيات القرن الماضي، واستمرت على تلك الحال. وفي هذا الخصوص، قال عادل الباز، رئيس تحرير صحيفة "الأحداث الإلكترونية"، "سارت اللجنة المكونة من أجل تطوير العمل الصحافي على خطى الإنقاذ ذاتها التي كانت تعتقد أن إصلاح الصحافة يتم عبر القانون، فأصدرت قانون الصحافة في 1996 وظلت تعدّله كل عامين أو ثلاثة حتى بلغت جملة التعديلات سبعة، وكل تلك المحاولات لم تصلح الصحافة بل زادتها سوءاً".

ولم تشمل القوانين السابقة الصحافة الإلكترونية ما عدا تعديلات 2018، التي جاءت بإدخال الصحافة والنشر الإلكتروني في قانون المهنة، وقبلها كانت تُعامل قانونياً مثل الصحافة الورقية، إذ لم يذهب مشروع القانون الذي قدّمه وزير الإعلام الأسبق أحمد بلال عثمان قُدماً، ولكن في مقترح التعديل الحالي لهذا القانون، أُدخلت الصحافة الإلكترونية فيه جنباً إلى جنب مع الصحافة الورقية، بل اختُصت ببعض المحاذير. وفي هذا الشأن، أوضح الباز أن "ما تسرّب من القانون الجديد لا يشي بجديد، فالمقترحات ذاتها كانت موجودة في آخر مسودة لقانون الصحافة في عهد الإنقاذ وكان الهدف من ذلك السيطرة على الصحافة الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي، على الرغم من أن هناك قانون المعلوماتية وهو سارٍ ومطبق الآن. ولا يمكن تنظيم الصحافة الإلكترونية بقانون داخلي إذ إنها صحافة عابرة للحدود يستحيل تحجيمها بقانون محلي".

وتابع "أما الإذاعة والتلفزيون، فهما لا يحتاجان إلى قانون لأنهما أصلاً مستقلان تماماً في ظل القانون الحالي، بل يحتاجان إلى دعم مالي ومهني وفكرة أن يكونا مستقلّين عن الحكومة مثل بي بي سي وغيرها، فذلك حلم لا سبيل لتحقيقه الآن". و"أفضل ما تسرّب في القانون الجديد هو تحرير الصحافة من القيود المتعلقة بإجراءات الإصدار، وتلك قفزة مهمة تجاه حرية الصحافة والتعبير".

إصلاح جذري

وأثارت حزمة مقترحات مشاريع قوانين الإعلام الجديدة ردود فعلٍ واسعة، لجهة التحفظات من واقع تبعية الأجهزة الإعلامية لوزارة الثقافة والإعلام، وفي ذلك أوضح عبد الحميد حسن محمد علي، المستشار بوزارة الثقافة والإعلام لــ"اندبندنت عربية"، أن "الإعلام في ظل الحكومة الانتقالية، وكنتاج لثورة شعبية ضد النظام السابق الذي كان من أهم أسلحته تكبيل الإعلام وحرمان المواطنين من حق التعبير، فطبيعي أن تأتي قوانينه بإصلاح جذري". وأضاف، "مقترحات القوانين الجديدة تعتمد على ما جاء في الوثيقة الدستورية بهدف بناء السلام، وركزت على تمثيل الحركة الشعبية لتحرير السودان والمرأة ضمن لجنتها لمناقشة الحقوق كافة، وذلك يتواكب مع مرحلة التحول الديمقراطي"، وذكر أنه لتعديل قرارات النظام السابق "قمت باقتراح، ربما يرى النور قريباً، وهو حرية الإعلام الخارجي التي كان يضع عليها النظام السابق قيوداً كثيفة، وكان يصادر معدات الصحافيين الأجانب ويقوم بطرد بعضهم ويضيّق على المراسلين لوكالات خارجية، وذلك بأن يكون هناك مكتب إعلام خارجي في مطار الخرطوم يسهّل عملهم ويُمنح لهم حق السماح بالتجول".

وأكَّد المستشار استقلالية الإذاعة والتلفزيون كما نفى أن يكون مجلس الصحافة والمطبوعات تابعاً لوزارة الثقافة والإعلام، وأكد أنه يقع تحت إشراف الوزير فقط ولا يستطيع أن يُملي عليه شيئاً، كما نفى أن يكون الإعلام في هذا العهد يسير على خطى الحكومة السابقة، "في ظل النظام السابق كان هناك قانون المعلوماتية الذي يتيح للحكومة المحاسبة على أي نشر إلكتروني لا يروق لها، وما جاء في المقترح الجديد هو أن تُعامل الصحافة الإلكترونية مثل الصحافة الورقية وتلتزم بقانونها".

وتابع، "أما حق الحصول على المعلومة، فمن حق الصحافي الحصول على المعلومة، ومن حق الوزير أن يصرِّح أو يرفض التصريح بما يتسق مع سياسات الدولة، وليس في هذا ما يُعبِّر عن أن هذه الحكومة تشبه النظام السابق الذي كان يعتقل الصحافيين ويغلق دور الصحف ويصادرها من المطبعة من دون سابق إنذار"، و"الحكومة الحالية لا تتدخل في العمل الصحافي إلَّا بقدر المسؤولية الوطنية، والجهاز الإعلامي الحكومي يُساءل أيضاً وفقاً للقانون".

استقلالية غير مؤكدة

أما كيف ينبغي للحكومة أن تستجيب لمطالب الحريات الصحافية وحرية التعبير، فيرى متابعون أن تكون الاستجابة مخالفة لما فعلته الحكومة السابقة، وترتقي لعهد ما بعد الثورة وتتواءم مع الإقبال على التحوّل إلى نظام ديمقراطي، بينما يرى آخرون الاستفادة من القوانين السابقة والاكتفاء بتعديلها فقط. وفي الخيارات، قُدّمت مبادرات تمكّن الناشرين من تأمين دورهم ومعداتهم، نظراً إلى تغوّل النظام السابق على الصحف من خلال المطابع، فالوضع الحالي من شأنه أن يسمح للحكومة الانتقالية بأن تعمل على رفع سقف الصحف تحريراً وأداءً وعائداً. وتتلخص الأولوية الأولى في التمويل، إذ يشكو الناشرون من ضعف البنية التحتية للإعلام، ولم تتم الإشارة إلى ذلك في مقترحات مشاريع التعديل الجديدة من قريب أو بعيد. كما لم يُشَر إلى زيادة مدخلات الإنتاج الإعلامي والمعدات بعد رفع الحظر وانتهاء العقوبات الدولية.

في الواقع أن حزمة مقترحات مشاريع قوانين الإعلام الجديدة يمكن أن تقابلها استجابة وتمرير للقوانين، لكن في ظل التبعية لوزارة الإعلام، تكون آفاق الوصول إلى صحافة مستقلة أمراً غير مؤكد.