Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا تبقى من "انتفاضة تشرين" اللبنانية في الذكرى الثانية؟

ثمة حراك سياسي يسعى إلى الانتخابات النيابية المقبلة في جبهة موحدة وسط ظروف اقتصادية صعبة

"منكمل باللي بقيوا"، هو لسان حال المجموعات التي انتظمت قبل وخلال وبعد انتفاضة 17 تشرين اللبنانية منذ عامين، إذ لم تبق مصيبة إلا وحلت منذ اندلاعها، فقد كان من المتوقع قمع السلطة للثوار وتماديها في الملاحقة، حتى إن عدداً منهم فقدوا عيونهم بسبب التصويب المباشر من قوى الأمن، وغيرهم أصيبوا بأجزاء متعددة من أجسادهم. كل هذا لم يخفف حينها من وهج الانتفاضة التي اتهمت مراراً وتكراراً بأنها ممولة من دول وسفارات وجمعيات.

عراقيل ومعوقات

بعد فترة قصيرة من بدء الانتفاضة بدأت ما درج على تسميتها "طوابير الذل"، وهي وقوف المواطنين لساعات بانتظار الحصول على أموالهم المحجوزة في البنوك، ولم تنته بعد مع الوقوف أمام محطات البنزين اليوم. هذه الفترة شهدت صعوداً صاروخياً للدولار الذي كان عام 2019 يساوي 1500 ليرة لبنانية ليتجاوز الـ 20 ألف ليرة في الذكرى الثانية للثورة.

في الربع الأول من عام 2020 وبعد أشهر قليلة على الثورة انقض فيروس كورونا على العالم كله، وأقعد الناس بالكرة الأرضية في بيوتهم، وكذلك الثوار اللبنانيين الذين ظلوا بين الحين والآخر يخرجون في أعداد قليلة لمطالبة ما أمام المصارف أو بيوت السياسيين أو مجلس النواب، ويُقمعون.

 أين أصبحت الثورة؟

قد تصلح مناداة فيروز في أغنيتها "وينن" عندما نبحث عن نبض الثورة، بعد أن خمدت ربما تحت طبقات من الخيبة. بعضهم هاجر للبحث عن مستقبل أو حياة كريمة بالخارج بعدما حل الانهيار الاقتصادي، وآخرون فقدوا أمل التغيير، وغيرهم رُهبوا وهددوا فانكفأوا، ومنهم من انشغلوا بتأمين لقمة العيش والدواء والمدارس التي أصبحت هماً يومياً يقض المضاجع. وغابت يوميات الثورة عن نشرات الأخبار، وباتت صفحات وسائل التواصل لعدد من المجموعات التي كانت ناشطة أثناء الثورة متوقفة منذ أشهر عدة، في وقت لم توحد الثورة صفوفها بعد فبدت مشتتة أمام منظومة سياسية متماسكة على الرغم من اقتتالها، متجذرة في كل إدارات البلد على الرغم من فسادها.

لبوا النداء!

إلا أن نداء 13 أبريل (نيسان) الذي أطلق هذا العام جمع بعض أركان الثورة في جبهة تتحضر للانتخابات النيابية، معتبرة أنها فرصة لخرق المنظومة الحاكمة عبر مشروع "إنقاذي للبلد". وتقوم اليوم الذكرى الثانية على اندلاع الثورة. من هذه المجموعات "بيروت مدينتي" التي قال منسق المناطق فيها طارق عمار لـ "اندبندنت عربية"، "إنها خاضت مع مجموعات الثورة معارك طلابية ونقابية وحقوقية عدة، منها معركة نقابة المهندسين التي أظهرت فوزاً ساحقاً على المنظومة الحاكمة وعملاً منظماً يشكل منهجاً يحتذى"، واعتبر "أن ما يميز مبادرة (بيروت مدينتي) هي القدرة على نقل تجربتها في التنظيم والعمل التشاركي وإدارة الانتخابات، إذ عززت تطبيق مفاهيم العمل التشاركي الديمقراطي والقبول بالخيارات لأوسع شريحة من المشاركين بشكل عملي تطبيقي خارج عن الشعارات. على سبيل المثال، هي المرة الأولى التي يتم فيها اختيار مرشح نقيب المهندسين من خلال مناظرة علنية تلتها عملية تصويت من قبل مئات المهندسين".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعن العوائق التي واجهت الثورة، اعتبر عمار أنها تتجلى في "ممارسة السلطة عبر تغطيتها للهجمات المتكررة على المتظاهرين من قبل شبيحة أحزابها، وكذلك إحجام محكمة التمييز عن استكمال الدعاوى العديدة التي تقدم بها ناشطون تعرضوا للضرب ومن بطش القوى الأمنية، والاستدعاءات المتكررة للناشطين وتوقيفهم وسجنهم لفترات طويلة، كلها خلفت آلاف المصابين والمدعى عليهم. هذه المعركة الأساس مع هذا النظام الذي وجد في آفة كورونا فرصة ليلتقط أنفاسه، ففرغت الطرقات وقام على إثرها بتكسير الخيم وإخلاء الساحات".

ويضيف، "الوضع المعيشي الصعب والفقر أضعفا قدرتهم على العمل السياسي، حيث الناس مشغولون في تأمين لقمة عيشهم، وعدد كبير من أعضاء (بيروت مدينتي) لم يعد قادراً على التطوع لفترات طويلة، مما استدعى إعادة النظر بخطط واستراتيجيات العمل".

في المقابل يوضح عمار، "أن (بيروت مدينتي) تركز الآن على التوسع المناطقي، إذ نرى أنه من الضروري أن ينتظم الناشطون في أحزاب سياسية للانتقال للمرحلة المقبلة، ألا وهي تسلم مراكز القرار عبر الفوز في الانتخابات النيابية، وقد وضعت المبادرة رؤيتها للتغيير المبنية على السياسة المحلية وهي المساحة المشتركة بين الناس، سواء كانت طريقاً أم مياهاً أو أي خدمة عامة مشتركة. ومنها ننطلق إلى التشبيك مع السياسات على المستوى الوطني، لهذا نركز اليوم على لقاءات في مختلف المناطق من طرابلس إلى كسروان إلى النبطية حيث تتشابه القضايا وتختلف الأساليب".

ويعتبر "أن هذا العمل ينتج برنامجاً سياسياً يضعه الناس، وبالتالي يظهر أشخاصاً قادرين على حمل هذا البرنامج والترشح في النيابة أو في البلدية"، وأشار إلى "أن (بيروت مدينتي) سيكون لها مرشحون ومرشحات ليس فقط في العاصمة وإنما في مناطق متعددة، في النيابة والبلديات بالتنسيق مع المجموعات المتحالفة، بحيث تعطى الأفضلية للعمل الحزبي المنظم بدلاً من الفردية والزعامة الفردية".

في سياق متصل، تعمل مجموعة "وطني هويتي" التي أعلن عنها في نداء 13 نيسان (ويضم 16 مجموعة كانت ناشطة في الثورة) في اتجاه تسمية معارضة لبنانية. ويقول أحد مؤسسيها "إن النداء يقف في وسط إلى يمينه الكتائب ومجموعات أخرى، وإلى يساره الحزب الشيوعي وشخصيات مثل شربل نحاس وأسامة سعد وشخصيات ومجموعات أخرى، إذ الهدف العمل على توحيد هذه الصورة ليكون الجميع ضمن تحالف انتخابي موحد لخوض الانتخابات على لوائح مشتركة". ويشير إلى "أن الحركة الاعتراضية والنادي العلماني على مستوى الطلاب استطاع تحقيق انتصار كبير في أغلب الجامعات، إضافة إلى نقابة المحامين ونقابة المهندسين"، مضيفاً "أن هذا المناخ يدل على حال تغيير كبيرة في المجتمع اللبناني، ولا يمكن أن تتطور في صندوق الاقتراع إلا إذا توحد هذا المشهد ببرنامج ومشروع واحد ولوائح موحدة".

الثورة تغيرت أشكالها

من جهتها، اعتبرت نعمت بدر الدين، وهي من مؤسسي "حركة وعي"، أن الثورة "ليست فقط بأعداد مليونية في الشارع وتظاهرات يومية وتحركات أسبوعية، فقد أخذت أشكالاً مختلفة من اعتصامات وحمل ملفات أمام القضاء والذهاب أمام بيوت السياسيين والتحركات بمواضيع المصارف ودعم المودعين، وقضايا مختلفة في ظل أزمة اقتصادية كبيرة تنعكس على حياة الناس الاجتماعية والاقتصادية والصحية والبيئية". وعن أهم إنجازات الثورة تقول بدر الدين، "إنها كسرت حاجز الخوف ورفعت نسبة الوعي والمواجهة، إذ أصبح النواب والوزراء يخشون المساءلة، بل يخافون حتى الذهاب إلى المطاعم"، كما تشير إلى "أن الثورة حققت إنجازات مختلفة في الانتخابات النقابية والطالبية، آملة أن ينعكس على الانتخابات النيابية على الرغم من أن الموضوع مختلف لأن الأشخاص في النقابات والجامعات لديهم مستوى وعي معين".

وحركة وعي هي اختصار "وطن علماني يجمعنا" أسست عام 2018 قبل ثورة 17 تشرين، وكانت جزءاً من "بدنا نحاسب" سابقاً.

وانخرطت "حركة وعي" في الثورة وكانت تعمل على مشاريع عدة كملفي الليطاني والاتصالات بشكل مكثف، بحيث كان يوجد بشكل شبه أسبوعي تحرك أو بيان أو مؤتمر فيما يخص وزارة الاتصالات. وتخوض الحركة الانتخابات بالتعاون مع عدد من المجموعات والحركات والأحزاب السياسية الناشئة، وتشير بدر الدين إلى أن أعضاء الحركة من كافة المناطق اللبنانية بناء عليه قد يكون هناك أكثر من مرشح بأكثر من منطقة، كما تخوض الانتخابات في منطقة النبطية، "ونعمل على نواة لائحة، والعنوان الأساس أننا لن نخوض الانتخابات إلا في لائحة واحدة فقط للمعارضة في مواجهة المنظومة، لأن أي تعدد للوائح سيشرذم حال المعارضة، ويزعزع الثقة بين الناخبين الذين يبحثون عن مشروع بديل".