Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صورتان للبنان في عامين والثابت هو المافيا والانهيار

"الثورة" الشعبية السلمية صمدت طويلاً في وجه "الثورة المضادة"

صورة الاشتباك الطائفي المسلح في بيروت في مقابل صورة الثورة السلمية العابرة للطوائف والمناطق (أ ب)

المشهد اللبناني بدا خلال عامين في صورتين متناقضتين: صورة "الثورة" الشعبية السلمية العابرة للطوائف والمذاهب والمناطق، التي انطلقت يوم 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، وملأت الشوارع والساحات في لبنان لمحاسبة الفاسدين والمطالبة بتغيير التركيبة السياسية. وصورة الاشتباك الطائفي المسلح يوم 14 أكتوبر 2021 في منطقة الطيونة على الطريق لتطويق قصر العدل من جانب متظاهرين من مذهب واحد أرسلهم "حزب الله" وحركة "أمل" للضغط على المسؤولين من أجل "قبع" المحقق العدلي في تفجير مرفأ بيروت، طارق البيطار.

والثابت في الصورتين هو المافيا الحاكمة والمتحكمة، فهي واجهت الثوار بكل وسائل "الثورة المضادة" من عنف واحتواء وتحايل واللعب بالعصبيات الطائفية والمذهبية. وهي ارتبكت أمام إصرار "الثنائي الشيعي" على تغيير المحقق العدلي قبل البحث في أي موضوع، فتعطل مجلس الوزراء، وعجزت الحكومة حتى أن تكون "إسفنجة لتخفيف الاصطدام" كما وصفها رئيسها، نجيب ميقاتي، مع أن دورها أن تكون مركز القرار. والثابت أيضاً في الصورتين هو استمرار الانهيار السياسي والاقتصادي والمالي والاجتماعي، بحيث وصل اللبنانيون من الطوائف والمذاهب والمناطق كلها إلى "جهنم"، كما توقع الرئيس ميشال عون. والصورة الخطيرة بينهما هي صورة الانفجار الرهيب الذي دمر المرفأ وبيروت يوم 4 أغسطس (آب) 2020.

"الثورة" الشعبية السلمية صمدت طويلاً في وجه "الثورة المضادة"، لكن من الصعب أن يبقى الناس في الشارع لسنوات من دون تحقيق أي مطلب. وكان لا بد من أن تتوقف في النهاية. أولاً بسبب كورونا. وثانياً بسبب نقاط ضعف فيها واستعجال "الحصاد" في مرحلة "الزرع". وثالثاً لأن الخوف منها كان أكبر من قدرتها على التأثير، بحيث اجتمع عليها كل أطراف السلطة المتفقين والمختلفين. وفي الأساس، فإن إسقاط التركيبة الحاكمة كلها كان مهمة مستحيلة بالاعتصام في الساحات والرهان على الانتخابات، غير أن الفشل لم يكن كاملاً. فهو قاد إلى مراجعة للمسار والتعلم من الأخطاء، وبينها الرهان على العفوية واللاقيادية. وها هي قوى "الثورة" تتجمع في تنظيمات شبابية خارج الأحزاب التقليدية، وتستعد لخوض الانتخابات النيابية، على أمل التوصل إلى تفاهم بين عدد كبير من التنظيمات على خوض المعركة ضمن جبهة موحدة. والرجاء ألا تصبح "الثورة" مجرد ذكرى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والمشكلة ليست في الاشتباك الطائفي المسلح الذي وضع البلد على حافة حرب أهلية فحسب، بل في استخدام الشارع للاعتراض على قاضٍ بعد رد القضاء دعاوى "الارتياب المشروع"، و"كف اليد" أيضاً. فاللعب بالقضاء بناءً على إدعاءات لا دليل عليها حول لجوء المحقق العدلي إلى "التسييس" وتلقيه "الأوامر من السفارات"، هو قمة التسييس. ومطالبة "الثنائي الشيعي" بتغيير المحقق هي عملياً رغبة في تغيير الحقيقة في المسؤولية عن جريمة التفجير. لا، بل إن الهدف المباشر للنزول إلى الشارع وتعريض البلد لمخاطر حرب أهلية تعب منها اللبنانيون، ولا أحد يريدها، ولا مجنون يذهب إليها في بلد ينهار، هو تغيير الموضوع كله. أولاً، لجهة نسيان آلاف الشهداء والجرحى وعشرات آلاف المنازل المهدمة، والانشغال بإثارة العصبيات الطائفية والمذهبية. وثانياً، على الطريق إلى الهدف الجيوسياسي الكبير، وهو تغيير لبنان بعد أن أصبح عملياً عضواً في "نادي" الممانعة ضمن المشروع الإمبراطوري الإيراني. وليس أمراً قليل الدلالات أن تخفض الحكومة رأسها وتصبح خارج القرار والفعل عند أول مشكلة.

والسؤال هو أي واحدة من الصورتين المتناقضتين تعكس حقيقة لبنان؟ صورة "الثورة" الشعبية العابرة للطوائف والمذاهب والمناطق المُصرّة على المواطنة في دولة مدنية ديمقراطية؟ أم صورة الاشتباك الطائفي والمحاصصة المذهبية في السلطة والإيحاء بأن الحرب الأهلية ممكنة في أي وقت؟

الجواب الواقعي هو الصورتان معاً. ومن المخيف بناء الحسابات على عامل واحد هو التبدل في موازين القوى لتغيير البلد بحيث لا يعرف نفسه.

لكن الأوضاع في لبنان والشرق الأوسط أشد تعقيداً مما يتصور المراهنون على موازين القوى من دون موازين المصالح. والمنطقة متغيرة بموازين قوى ومصالح محلية وإقليمية ودولية، وباقية منطقة رمال متحركة.

المزيد من تحلیل