Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دبلوماسية تونس بين المحاصرة الخارجية والسيادة الوطنية

"الموقع الاستراتيجي لتونس وعمقها الأفريقي المتوسطي العربي يجعلها عرضة للمعارك"

سعيد أبلغ السفير الأميركي استياء تونس من إدراج أوضاع البلاد في جدول أعمال الكونغرس (صفحة الرئاسة التونسية على فيسبوك)

يبدو أن الدبلوماسية الجديدة التي تسلكها تونس بعد 25 يوليو (تموز) 2021، جعلت البلاد تعيش لأول مرة مخاوف من حصار دبلوماسي حقيقي، تقوده بعض البلدان التي يرى قيس سعيد وبعض المراقبين أنها تتدخل في الشأن الداخلي لتونس. ويقول مراقبون إن المؤشرات التي تقود إلى الاعتقاد بأن تونس قد تعيش مضايقات خارجية عديدة، بسبب قرارات قيس سعيد الاستثنائية وتصريحاته المستمرة بأن البلاد دولة ذات سيادة ولا يحق لأحد التدخل في شؤونها، أو تصريحاته المتهكمة على المؤسسات المالية الدولية، وأولى هذه المؤشرات هي تأجيل القمة الفرانكفونية التي كانت ستعقد في جربة التونسية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل بإيعاز من فرنسا وكندا. 

المؤشر الآخر هو اجتماع الكونغرس الأميركي المخصص لتونس الذي عقد منذ يومين الذي أثار حفيظة الرئيس التونسي فاستدعى على أثره سفير الولايات المتحدة الأميركية لدى تونس إلى قصر قرطاج. وأبلغ سعيد، السفير الأميركي دونالد بلوم استياء الدولة من إدراج الأوضاع في تونس في جدول أعمال الكونغرس الأميركي.

سياسة العصا والجزرة 

كما أشار الرئيس التونسي إثر بيان صدر في هذا الشأن إلى أن "العلاقات بين البلدين ستبقى قوية على الرغم من أن عدداً من التونسيين يحاولون تشويه ما يحصل في تونس ويجدون من يصغي إليهم في الخارج".

وفي قراءة لاجتماع الكونغرس الأميركي المخصص لتونس، يقول أستاذ الدراسات الشرقية في كلية سانت جون في جامعة أوكسفورد محمد صالح عمري إن "الانشغال حول تونس يدور حول ثلاثة محاور أساسية"، وقال، "علاقة ما حدث منذ 25 يوليو بإسرائيل، حيث استشهد نائب بأقوال لقيس سعيد اعتبرها معادية لليهود. وتحدث آخر عن اغتيال الزواري وعلاقة تونس بحركة حماس وكذلك عن الإسهام البارز لتونسيين في صفوف داعش".

و يضيف عمري "كما تمت مناقشة ضرورة التصدي العاجل للنفوذ الصيني والروسي في تونس. ووقع هنا الاستشهاد بـ (السجاد الأحمر) الذي طرحته تونس أمام شركة هواوي". 

ويقول أيضاً واصفاً ما حصل في الاجتماع الذي تابعه عمري بعناية "تحدثت ممثلة منظمة العفو الدولية عن تجاوزات قبل وبعد 25 يوليو، وعن مخاوف من الاستبداد، كما أكدت على ضرورة تواصل الدعم الأميركي الاقتصادي والأمني لتفادي أزمة اجتماعية أعمق". 

ويواصل عمري "يبدو أن هناك نوعاً من الحيرة أمام شعبية قيس سعيد وقراراته، وصعوبة في قراءته عموماً، بخاصة بالنظر إلى نوع الحكومة التي عينها". 

ولاحظ أن" الكونغرس يتحدث عن تونس كشأن داخلي أميركي، بل كشأن عائلي"، لكن يبدو أن الكونغرس لم يحسم أمره، بحسب رأيه، "فهناك من الأعضاء من اعتبر راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة سياسياً حكيماً وحليفاً مهماً في التصدي للإرهاب" مواصلاً، "وهناك من النواب من قال حرفياً: نعم للديمقراطية، لا للإخوان".

ولكن الأهم من كل ذلك، بحسب عمري، أن "الجلسة تبرز بوضح تخوف الإدارة الأميركية من خروج تونس من دائرة النفوذ الأميركي. ولذلك سياسة العصا والجزرة التي تسلكها أميركا تجاه تونس متواصلة، وفي كل ذلك دروس للتونسيين في واقع دولي ومحلي يعاد تشكيله أمام أعينهم وربما، وهذا الأهم، على حسابهم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من جهة أخرى يقول عمري في تصريح خاص "هناك سعي أميركي عبر عنه أعضاء الكونغرس في نفس الجلسة للتنسيق مع الاتحاد الأوروبي باعتباره الشريك التجاري الأول لتونس بغاية مزيد من الضغط"، موضحاً "في الحوار ذكرت ليبيا ولم تذكر الجزائر" معتقداً أن "هذا مهم لأن الولايات المتحدة ربما تريد تحييد الجزائر وإضعاف موقفها في نفس الوقت بفصلها عن الوضع التونسي. وهذا يجعلني شخصياً أعطي قيمة أكبر لمستقبل العلاقات التونسية الجزائرية كإطار لتقوية الطرفين" أي التونسي- الجزائري.

عمق أفريقي متوسطي عربي 

من جهة أخرى يرى المحلل السياسي مراد علالة في تصريح خاص "محاصرة تونس دبلوماسياً ليس بالأمر الجديد هي كانت محاصرة قبل الثورة وبعدها بالخصوص" مضيفاً "المحاصرة تشتد عندما تضعف الجبهة الداخلية وتتأزم الأوضاع، و هنا لا بد من احترام قواعد اللعبة، فمن يؤسس لعلاقات دولية مع الأصدقاء والشركاء في الخارج لا بد أن يكون مستعداً للضغط وللإكراهات والإملاءات وللمزايدات، وإلى كثير من الممارسات التي ترتقي أحياناً إلى التدخل المباشر الفج".

ويفسر علالة "يعود هذا ربما إلى الموقع الاستراتيجي لتونس، فتونس تتوسط المتوسط ولها عمقها الأفريقي المتوسطي والعربي والانفتاح على أوروبا، لها أيضاً شراكات تاريخية من خلال الحضور في المنظمات الإقليمية كالاتحاد الأفريقي والجامعة العربية والاتحاد من أجل المتوسط والمنظمة الفرانكفونية فتونس من بين المؤسسين لها"،  بالتالي طبيعي جداً، بحسب علالة، بأن "تكون تونس عرضة في كل المعارك التي تخاض داخل أو حول هذه المنظمات".

ويواصل "الجبهة الداخلية عندما تضعف وتعصف بها الأزمات تعرض البلد إلى الخطر، هذه الأيام الجميع ينظر إلى تونس و كأنها جسم عليل يمكن السيطرة عليه"، لكن حسب تعبيره "مهم جداً أن نقبل بالانتقادات مثلما ننتشي بعبارات الإعجاب، لكن من دون المس بطبيعة الحال من مقومات السيادة التونسية".

كما يرى علالة أنه "يجب الانتباه إلى أن التنافس على أشده بين الطيف السياسي الفرنسي وطبيعة الحال العلاقات الدولية لفرنسا، بخاصة مع ما تسمى بمستعمراتها القديمة هي في المزاد الانتخابي، وهذا ما يفسر تدخلها في الشأن التونسي"، مواصلاً "بالتالي نفهم أن ما حصل في تأجيل القمة الفرانكفونية فيه ما هو متعلق بتونس وفيه ما هو متعلق بفرنسا أو بدول أخرى، كدولة مالي والنيجر وعديد من الدول التي تمر بأوضاع داخلية خاصة". 

السيادة الوطنية 

ويرى علالة أنه "ليس من حق الكونغرس الأميركي أو أي برلمان من برلمانات العالم أن يناقش ملف أي دولة مستقلة ذات سيادة، وأن يتكلم باسم الشعب" كما يطالب علالة من البعض من أبناء بلده "الكف عن الإساءة إلى بلادهم" كما دعا أن يكون الخطاب التونسي مسؤولاً وراقياً في جميع المستويات أي على المستوى الرسمي والشعبي أو من طرف المنظمات، لكن من دون المس بالسيادة الوطنية. 

من جانبه يرى الدبلوماسي السابق عبدالله العبيدي، أن ما يحصل من جهة الدبلوماسية التونسية يعد أمراً صحياً، موضحاً "على الأقل أول مرة بعد الثورة يكون لتونس موقف دبلوماسي موحد وقوي، بعد ما شهدناه من دبلوماسية موازية لدبلوماسية الدولة مارسها طرف سياسي". 

من جهة أخرى يعتقد العبيدي أن اجتماع الكونغرس الأميركي لا قيمة له، مفسراً "لأن تونس دولة ذات سيادة والولايات المتحدة الأميركية لم تعد تلك القوة التي لها دور كبير في العالم" مؤكداً "على تونس أن تتوجه نحو شراكات حقيقية مع دول تحترم سيادتها، فنحن نعيش في عالم ليبرالي ولا سلطان لأي دولة على أخرى".

المزيد من تقارير