Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"سيرة ذاتية" لجورج غروس تتجول بين ألمانيا وموسكو والعالم الجديد

حين ضن الأميركيون بالخبز والعمل على سيد الكاريكاتير التعبيري

الرسام والكاتب الألماني جورج غروس (غيتي)

بقدر ما كان الرسام التعبيري الألماني جورج غروس مبدعاً في الرسم، لا سيما في رسم اللوحات العابقة بالكاريكاتير السياسي والاجتماعي ودائماً من موقع الغضب على ما يحدث في بلاده وأحياناً في بلاد الآخرين، كان مبدعاً في الكتابة أيضاً، بخاصة في ذلك النوع من الكتب التي يمزج فيها بين الرسم والنصوص التي تكاد تكون بدورها رسوماً كاريكاتيرية. ولعل هذا ينطبق أكثر ما ينطبق على الكتاب الذي أصدره في مرحلة متأخرة من حياته بعنوان "سيرة ذاتية" ليضحى على الفور واحداً من كتبه المقروءة أكثر من غيرها من كتبه، ناهيك بأن الكتاب قد تمكن من أن يعطي عن الرسام المناضل صورة مختلفة عن تلك التي كانت له من قبل.

الحياة على حبل مشدود

ويمكن القول إن هذا الكتاب قد تمكن أيضاً وبشكل خاص من تصوير العيش في ألمانيا خلال واحدة من أصعب مراحل تاريخها، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وهي بالتحديد المرحلة الفاصلة بين معاهدة فرساي وصعود النازية الهتلرية. ولا بأس من الإشارة هنا إلى أن غروس وبأسلوبه الساخر والحاد، يعتبر في سيرته، صعود النازية نتيجة للإذلال الذي طال ألمانيا جراء معاهدة فرساي نفسها. وهي وضعية أتاح له تأكيدها بلغته الساخرة والمريرة وصوره المشاكسة تقديم توصيف مدهش من الصعب القول إن أياً من المؤرخين الجادين قد تمكنوا من الدنو منه في كتاباتهم مهما كانت عميقة وتفصيلية.

ثمة صفحات كثيرة في هذه السيرة الفذة يتحدث فيها (الرسام – الكاتب) عن التيار الفني والسياسي الذي كان من أقطابه بخاصة إلى جانب زميليه أوتو ديكس وإميل نولده؛ وهو التيار الذي لحقه الكثير من اضطهاد النازيين الذين اعتبروه منتجاً لفنون انحطاطية هدامة. ونعرف أن ذلك الاضطهاد كان هو في خلفية الهجرة التي ستقود غروس، كما غيره من كبار المبدعين الألمان إلى المنافي. ونعرف أنه قاده هو إلى الولايات المتحدة حيث سيمضي ما لا يقل عن عشرين عاماً نسي في بداياتها أنه واحد من كبار الفنانين الألمان، ليعيش لاجئاً يبحث عن الرغيف كما يبحث طارقاً أبواب الصحف والمجلات عن عمل.

حياة لاجئ بائس

ويصف غروس تلك المرحلة من حياته وصفاً تختلط فيه الضحكات بالدموع والأحلام الخائبة بالواقع المرير. ولقد ضاعف من مرارة واقعه أن الفن الذي كان مزدهراً في الحواضر الأميركية الصحفية والثقافية كان بالتحديد فن الكاريكاتير السياسي، الذي كان له أقطابه ولا يمكنه أن يستقبل الفنانين الأجانب بترحاب، بخاصة أن رسوم غروس كانت ترتبط بنضالاته ضد نازية كان لها أنصارها ذوو النفوذ في العالم الجديد. ومهما يكن من أمر سيقول الفنان إنه تمكن من فرض حضوره في نهاية الأمر فطاب له العيش الأميركي أكثر كثيراً مما كان في الاتحاد السوفياتي قبل ذلك بسنوات.

بؤس شيوعي في موسكو

الطريف هنا أن غروس كان أول الأمر قد قصد موسكو ليعيش فيها بعد أن استتب الحكم للبلشفيين ما بدا مناسباً له وهو ذو الأفكار الشيوعية الذي كان يعبر في فنه عن تلك الأفكار بحماسة منقطعة النظير. لكن الذي حدث، وحتى قبل أن يدخل ستالين على الخط ويدمر كل ما كانت الثورة قد بدأته، كان أن الوضع في روسيا ما بعد الثورة مباشرة خيب آمال غروس كثيراً وجعله يحصي الأيام للخلاص من "دولة الثورة" تلك، ليبحث لنفسه عن مكان آخر يعيش فيه مكتفياً أول الأمر بالعودة إلى وطنه الألماني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الطريف أيضاً أن الصفحات التي كرسها غروس في كتابه للحديث عن رحلته السوفياتية قد استبعدت من الطبعات الأولى للكتاب لأسباب تبقى غامضة، لتستعاد بعد ذلك، وتحديداً بعد أن باتت مواقف غروس من تلك المرحلة السوفياتية رائجة لدى الكثير من الكتاب والمبدعين الذين سيعيشون تلك "التجربة البائسة" نفسها.

طفولة بائسة

على عكس العديد من أقرانه من الفنانين الألمان الذين عاشوا خلال المرحلة الفاصلة بين القرنين التاسع عشر والعشرين، وكانوا في معظمهم من أبناء أسر بورجوازية مرفهة، كان جورج غروس المولود في برلين عام 1893 ابناً لأسرة فقيرة. من هـنا عاش في طفولته، كما يروي لنا في سيرته الذاتية، حياة بؤس منعته حتى من استكمال تعليمه أو دراسة الفن التشكيلي كما يجب، على الرغم من بروز مواهبه باكراً. لذلك التحق بالعمل لدى رسام من المنتمين الى تيار "اليوغندستيل" الذي كان على الموضة في ذلك الحين، وكان يسعى لتكريس دور ألماني في تيارات الفن الحديث. ولقد ساعده عمله عند ذلك الرسام على اكتساب بعض المال الذي مكنه من الانتساب إلى أكاديمية درسدن الملكية، حيث اهتم بصورة خاصة بدراسة فنون اليابان وأعمال دومييه وتولوز لوتريك وغويا. والحقيقة أن تأثير هؤلاء فيه ظل ماثلاً في أعماله حتى أيامه الأخيرة، وهو تأثير أعطى لأعماله على الـدوام طابــع فن الملصق، ووجـهه بشكل خاص نحو دراسة وممارسة فن الكاريكاتير. غير أنه على الرغم من تميز رسـومه الأولى عجز عن نشرها في أي من صحف تلك المرحلة، ما قاده إلى ارتياد المقاهي وممارسة حياة بوهيمية كان خلالها يبيع الرسوم الكاريكاتيرية للمارة.

سنوات باريسية

وهكذا تمكن، مرة أخرى، من جمع مبلغ صغير من المال مكنه من السفر إلى باريس في ربيع 1913 حيث كان يريد تمضية عدة سنوات. غير أن الحرب العالمية الأولى فاجأته فإذا به يجند في القوات الألمانية ويصطدم مباشرة بمآسي الحرب. وهو من خلال رصده تلك المآسي وحياة الجنود ومخاوفهم، تمكن من تحقيق تلك السلسلة من الرسوم ذات الطابع الكاريكاتيري التي عبرت عن أهوال الحرب، وجعلت له، حين راحت تنشر، مكانة كبرى بوصفه فناناً مناهضاً للحرب يعلن مناهضته تلك في رسوم تمتلئ بجثث الجنود والأيدي المبتورة، وتكشف التفاوت الطبقي بين الجنود وضباطهم، وتصرخ منادية بعبثية الحروب.

ولقد تمكن غروس في تلك الآونة من نشر العديد من رسومه في الصحف ما لفت إليه أنظار السلطات فاعتقلته في مأوى للجنود العصابيين، معتقدة أن ذلك الاعتقال سوف يردعه عن الاستمرار في تحقيق رسومه، فإذا به يواصل راسماً هذه المرة أنواعاً جديدة من الجثث (جثث الجنود الأحياء) ومن أهوال الحرب.

مناهضة الروح العسكرية

وانتهت الحرب وكان غروس قد بدأ يصيب من الشهرة ما سهل عليه عيشه بعد ذلك، بل أسس مع كارل إبشتاين مجلة هزلية قاسية، ثم انضم إلى تيار الدادائية على غرار زميله أوتو ديكس، الذي ارتبط اسمه به بعد ذلك. وعلى الرغم من اتهام السلطات له بالخيانة والطعن في ذات صاحب السلطة العليا، فإنه عرف دائماً كيف يفلت وكيف يواصل رسومه التي اختلط فيها الاجتماعي بالسياسي، فإذا بها تصبح معبرة عن آلام وإخفاقات جيل بأسـره من الألمان، من دون أن تعتبر أعمالاً متحفية أساسية. وقد استمرأ تلك اللعبة، فإذا به يحول كل طاقاته لتحقيق رسوم مناهضة للروح العسكرية ولكل نزعة شوفينية قومية. ومن هنا اعتبر غروس الرسام الأكثر هزءاً من الواقع الاجتماعي خلال السنوات المجنونة، والمشاكس الأول في الفن الألماني. فكان من الطبيعي له، حين وصل النازيون إلى السلطة، أن يهرب من ألمانيا، فتوجه إلى الولايات المتحدة ونال الجنسية الأميركية، لكنه في اللحظة نفسها انتهى كفنان، فقد تبين له بوضوح أن فنه لم يعد يساوي شيئاً إذ انقطع عن جذوره ومصادر إلهامه. ومن هنا ظلت تلح عليه فكرة العودة إلى ألمانيا، حتى حققها أخيراً في 1959 معتقداً أنه سوف يستعيد مكانته وقدراته الفنية، لكنه سرعان ما رحل يوم 6 يوليو (تموز) من العام نفسه منسياً أول الأمر، قبل أن يعاد اكتشافه مع الفورة الألمانية، فيعتبر واحداً من كبار الفنانين الذين أثروا في رسامي الكاريكاتير والملصق في القرن العشرين.

المزيد من ثقافة