الكاريكاتير الفلسطيني... "حنظلة" لا يموت

الرسامون الشباب انتقلوا من التعبير السياسي إلى مشاكلهم اليومية

لوحة للفنانة سلام جمعة تظهر الصراع بين مدارس التحدي التي تهدم باستمرار من قبل الجيش الإسرائيلي (اندبندنت عربية)

بدأت قصته مع فن الكاريكاتير بعد أن أحب فتاة في الجامعة وعجز عن البوح به، فاتجه إلى الرسم على الألواح في القاعات الدراسية، مكتسباً شهرة بين الطلاب، علماً أن الحب لم يكن الدافع الأول، إذ على إثر احتجاج زملائه في الفصل على قضية ما، رسم أستاذ الرياضيات، فجالوا بكاريكاتيره في ساحة الجامعة، فعُوقب من مديرها، غير أنه أحس بقوة فن الرسم، هكذا يروي لنا الفنان رمزي الطويل بداياته.

أما الرسامة سلام جمعة، فبدأت رحلتها منذ قرابة 30 عاماً في تناول الانتهاكات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني، خصوصاً الأطفال في قطاع التعليم، بعد أن عاشت تجارب مختلفة في ظل إغلاق جامعتها والانتفاضة الفلسطينية الأولى.

الحياة الفلسطينية

يحاول الكاريكاتير أن يتطرق إلى كل المحاذير في الحياة الفلسطينية، لكنه كغيره، من أدوات التعبير، يصطدم بقيود تفرضها عليه السلطات السياسية والاجتماعية والدينية، الفنان أسامة نزال يحاول لفت نظر الشارع إلى الكثير من القضايا الاجتماعية، لكنه لا يسلم من انتقادات مجتمعه عدا عن اتهامات التحريض ومعاداة السامية، من السلطات الإسرائيلية، التي اقتحمت مرسمه قبل خمس سنوات، وصادرت مقتنياته، إضافة إلى تهديدات وصلته من تنظيم داعش في ليبيا حين انتقد الإرهاب في إحدى رسوماته.

تقول سلام جمعة التي تعاني اتهامات التحريض خصوصاً بعد معرضها في منطقة الخان الأحمر قرب القدس، حيث أصدرت المحكمة الإسرائيلية العليا أمراً بإخلائها من سكانها الفلسطينيين. إن الإسرائيليين حطموا بعض لوحاتها، معتبرة "إن هذه القيود تجبر الفنانين على اللجوء إلى التمويه للتعبير عن قضاياهم، على الرغم من أنه فن الحرية".

واقع الكاريكاتير الفلسطيني

هذا الفن في السياق الفلسطيني جاء ترجمة للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فبدأ بتناول الوحدة العربية، واللاجئين والشتات الفلسطيني، وقدوم السلطة الفلسطينية وتوقيع اتفاقيات السلام، ليصل إلى الانقسام والمناكفات الداخلية بين الفصائل، والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والأسرى والحدود والقدس.

على الرغم من سيطرة المشهد السياسي على فحوى الرسومات، إلا أن هناك محاولات للتطرق إلى القضايا الاجتماعية، فكاريكاتير أسامة ينتفض للحديث عن الرواتب والطبقية والغلاء للفت الجمهور. ورمزي يكسر الصور النمطية عن الفلسطينيين في الخارج. إذ يرسم تشردهم وفقرهم وقتلهم ودماءهم بأناقة معبّرة، مغايرة عن التأثير الرخيص في نفوس المتلقين.

الألوان والتكنولوجيا

كان الكاريكاتير سابقاً يُرسم بالأبيض والأسود وبالقلم، لكننا حديثاً نادراً ما نرى رسومات غير ملونة، إضافة إلى اعتماد الكثيرين على برامج الرسم التكنولوجية الجديدة، ما يدفع إلى جدال عما إذا كانت تضعف من قوة الكاريكاتير، أم أنها تدعمه؟ الكاريكاتيريست نزال مثلاً، بدأ بالطريقة التقليدية باللونين الأبيض والأسود متأثراً بالفلسطيني ناجي العلي، لكنه أحياناً يلجأ إلى التكنولوجيا لتلوينها تماشياً مع السوق.

أما سلام فترى التكنولوجيا داعمة للجمالية ومطورة لها بالألوان، إضافة إلى التحكم بحجم اللوحة ودقتها. ويبقى آخرون معتبرين أن الفكرة وطريقة تجسيدها أهم من الألوان ووسيلة الرسم.

لا يطعم صاحبه خبزاً

فن الكاريكاتير يترجح تعريفه ما بين حدّي الصحافة والفن التشكيلي، فكل يريد أن ينسبه إلى اختصاصه. لكن المشكلة ليست أين يندرج؟ بل في التحديات التي يواجهها كقلة الصحف، وتخلي بعضها عن زاوية الكاريكاتير، وقلة الرسامين والرقابة الموجودة، إضافة إلى أنه "لا يشتري خبزاً"، فكلهم يعملون في مهن أخرى متخذينه هواية وشغفاً وأداة للتعبير. عدا أن عدم الخضوع للسياسة التحريرية يدفع بالرسامين إلى النشر الإلكتروني على منصات التواصل الاجتماعي، على الرغم من انعدام مردوده المادي، مكتفين بإيصال رسالتهم إلى العدد الأكبر من الناس حول العالم.

وبفضل الوسائط التقنية التي جعلته معولماً، أصبح أكثر تأثيراً، كما حدث عندما نشرت الصحيفة الفرنسية "تشارلي إيبدو" رسومات اعتبرها البعض إساءة إلى الدين الإسلامي.

يقول رمزي إن لوحاته الأربع بعنوان الأولمبياد الفلسطيني كانت من الرسومات التي لاقت ردود فعل كبيرة في الشارع الفلسطيني وخارجه، إذ جسدت تأقلم الفلسطينيين مع اقتحامات الجيش الإسرائيلي المدن الفلسطينية في الانتفاضة الثانية ما بعد العام 2000، إضافة إلى لوحة رسمها للثورة المصرية في العام 2011 وتناقلها النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي قبل ربع ساعة تقريباً من تنحي الرئيس المصري آنذاك حسني مبارك.

الحكاية القديمة

بالطبع سلام ورمزي وأسامة ليسوا أول من بدأ فن الكاريكاتير في فلسطين، فظهوره كان قبل أكثر من مئة عام، وبالتحديد من خلال الصحف. حيث الكاريكاتير كان ينتقد بشكل واضح القيادة العربية والخلافات الداخلية، إضافة إلى معاناة الفلاحين الفلسطينيين، ووعد بلفور. وكانت بداياته مع خليل بيدس، في مجلة النفائس في العام 1908، وصحيفة أبو شادوف التي كانت من آخر الصحف الكاريكاتيرية التي صدرت في العهد العثماني في العام 1912.

غير أن هذا الفن بدأ يواجه مشاكل كبيرة إبان عهد ما بعد النكبة في العام 1948، ما أثر سلباً في تطوره، شأن الصحافة آنذاك، ليعاود انطلاقته في العام 1968 بالتزامن مع صدور صحف كالقدس والفجر والشعب وغيرها داخل فلسطين وخارجها، والتي أفردت مساحة جيدة له.

وعلى الرغم من بروز أسماء كثيرة في هذا الفن، إلا أنه كثيراً ما يرتبط بناجي العلي وشخصية "حنظلة" الحاضرة في كل رسوماته، ممثلة طفلاً عمره 10 سنوات، أُجبر على ترك وطنه كما تركه ناجي، وسيبقى صغيراً لا يكبر، مرتدياً الملابس المرقّعة، حافي القدمين دلالة على فقره، مديراً ظهره للناس، حتى يعود إلى فلسطين ليسترد حريته، العلي قدم قرابة 40 ألف رسم، قبل أن يغتال في لندن في العام 1987.