Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المشروع العمراني الهتلري الذي "نفد البرلينيون بجلدهم منه"

"جرمانيا" ألبرت سبير كادت تشوه العاصمة الألمانية وتدمرها

هتلر وسبير يعاينان المشروع العمراني لمدينة برلين (غيتي)

عبثاً يحاول المرء اليوم أن يبحث عن اسم "المهندس العمراني" ألبرت سبير في أي موسوعة أو كتب جدية تؤرخ للعمران في القرن العشرين مع أنه كان ملء السمع والبصر في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، وكان يعتبر سيد المعماريين في ألمانيا الهتلرية. لكن إغفال اسم سبير لم يكن بسبب نازيته بل تحديداً لأنه في الحقيقة لم يكن مهندساً معمارياً حقيقياً. بل كان "عصامياً" علم نفسه بنفسه كما كان يحلو له أن يقول، ولم تكن "شهادة تخرجه" سوى ارتباطه بالديكتاتور النازي وكونه واحداً من منادميه في سهراته ومن محبذيه في آرائه وأفكاره. وفي أنظمة مثل النظام النازي كان الولاء طبعاً لا الكفاءة ممر المرء إلى النجاح. فإذا كان ألبرت سبير قد ارتبط بهتلر مما أمن له نجاحاً كبيراً خلال عهد هذا الأخير لم يجعله فقط سيداً للمعماريين، بل كذلك مشرفاً على نسف كل تلك التيارات العمرانية التي كانت قد ازدهرت في ألمانيا منذ بدايات القرن العشرين، لا سيما من خلال مدرسة البوهاوس وإنجازاتها، إذا كان ذلك الارتباط مكن سبير من ذلك، فإن نهاية هتلر كانت نهايته هو كذلك، إذ ما إن انتهت الحرب باندحار النازيين غير مأسوف عليهم، حتى راحت تطل على العالم محاكمات نورمبرغ لبقاياهم ومحاكمة سبير بينهم والحكم عليه بالسجن عشرين سنة.

جانب إيجابي من الحرب

والحقيقة أنه إذا كان سبير قد تمكن من إنجاز بعض المشاريع البائسة الداخلة في خط الجماليات النازية قبل الحرب، فإن الحرب نفسها كانت بمجرد اندلاعها، قد قضت على واحد من أحب مشاريعه إلى قلبه وإلى... قلب سيده. ففي بدايات عام 1939 وبمناسبة العيد الخمسيني لولادة "الفوهرر" طلع سبير بفكرة مشروع قد يبدو اليوم جنونياً، لكنه كان بالنسبة إلى هتلر أكثر من طبيعي ومنطقي. أولاً، لأنه سيكون هدية الألمان إليه في عيد ميلاده، وثانياً لأنه سيبدل اسم برلين إلى جرمانيا. وثالثاً، لأنه سيغير معالم تلك المدينة التي كانت تزعجه كوزموبوليتها وكونها كانت تضم كثراً من الغرباء. كان إذن ينظر إلى مشروع سبير نظرة مميزة، لا سيما أن هذا كان يمضي سهرات بكاملها وهو يحدثه عنه، وعن أن المدينة ستكون باسمها الجرماني وألمانيتها الخالصة وتخلصها من مبان ومعالم وشوارع بأكملها تحمل "ذكريات بالغة السوء"، ستكون مؤهلة لتصبح عاصمة العالم بعد أن تتمكن النازية من السيطرة على ذلك العالم وتسلم صولجان القيادة الكبرى هذه إلى هتلر.

إنجازات موءودة

يمكننا طبعاً أن نتخيل كم أن ذلك المشروع أطرب هتلر حتى وإن لم يكن سبير قد انتبه إلى ضرورة أن يصبح اسم المدينة "هتلرشتادت" مكتفياً بأن يطلق اسم الزعيم على تلك الساحة الضخمة التي أقيمت في نهاية تلك الجادة الضخمة التي تسير على محور شرقي– غربي يمتد على طول نحو سبعة كيلومترات من بوابة براندباوم إلى الساحة المسماة سحة أدولف هتلر، والتي كانت، لحسن حظ أهل برلين، القسم الوحيد تقريباً الذي أُنجز من المشروع قبل اندلاع الحرب التي كان من الطبيعي أن توقفه. وفي المقابل يمكننا أن نتخيل كم كان البرلينيون الحقيقيون، بمن فيهم أنصار هتلر أو حتى المهادنون له أو الساكتون عن أفعاله خوفاً أو بلا مبالاة، كم كانوا سعداء حين اضطرت السلطات وقد أرغمتها الحرب على ذلك، إلى توقيف استكمال المشروع وهي واثقة من أنها سوف تستأنفه لاحقاً حين تنتهي الحرب بانتصارات نازية مدوية فيكون هتلر مستحقاً لهذا الانقلاب العمراني بفضل انتصاراته المأمولة بقدر ما يستحقه لشخصه الكريم وخمسينيته. ولربما يمكننا أن نقول هنا، إن أهل برلين راحوا يتنفسون الصعداء حين انكفأت ورش العمل الجبارة وانغمست السلطات في المجهود الحربي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

دور هتلر في الصياغة

صحيح أن ألبرت سبير هو الذي صاغ المشروع ووضع مخططاته، لكن الوقائع التاريخية تقول لنا إن هذا المشروع نفسه كان قد خطر في بال هتلر منذ سنوات طويلة. ومن هنا كان واضحاً حين عين ألبرت سبير أوائل عام 1937 "مفتشاً عاماً للعمارة وتجديد عاصمة الرايخ" أنه كان يعرف تماماً ماذا يريد منه. وكان سبير مدركاً من دون أن يهمس له سيده بكلمة، ما الذي يتعين عليه فعله: كان يتعين عليه أن يسبر أفكار هتلر ومن "ثم" يشتغل على "إقناعه" بإعطاء الضوء الأخضر لمشروع "جرمانيا". كان في إمكان هتلر أن يوحي بذلك وفي إمكان سبير أن يتصرف طبعاً وكأنه هو صاحب الفكرة. ونعرف أن شيئاً مثل هذا كان قد حدث قبل فترة حين عهد هتلر إلى ذلك "المهندس" الشاب الذي بالكاد كان تجاوز منتصف ثلاثينياته بالإشراف على الهندسات العمرانية والبشرية لتلك الاستعراضات النازية الضخمة التي أقيمت عام 1936 في مدينة نورمبرغ نفسها التي سوف يحاكم فيها بعد عشر سنوات... يومها لم يحتج هتلر إلى أكثر من جملة أو جملتين فيحول سبير تلك "الأمنية" إلى واحد من أضخم الاستعراضات في تاريخ ألمانيا. وكذلك كانت إرادة هتلر هي التي جعلت سبير مسؤولاً عن إقامة الجناح الألماني في المعرض الدولي الذي شهدته باريس عام 1936 نفسه. ومن هنا حين صاغ سبير مشروع "جرمانيا" وشرع في تنفيذه تحت الرعاية اليومية لصاحب عيد المولد، كان نجمه في صعود وكان يمكنه أن يؤكد أن الهندسة يمكنها أن تكون ولاء و"فهلوة" لا علماً ولا شهادات جامعية بالضرورة!

مركز هتلري للعالم

من الواضح من خلال مراجعة الوثائق المتعلقة بتصميمات المشروع أن هتلر إنما يريد أن يتحقق له مشروع عمراني يتفوق على منطقة الشانزليزيه الباريسية بأكملها. ومن هنا كان التصميم الإجمالي الذي وضعه سبير يتألف من خمس جادات ضخمة تشغل في مجملها نحو خمسين كيلومتراً تتشكل دائرياً لتتقاطع معها جملة من جادات ثانوية تمثل معها نوعاً من شبكة طرقات شديدة الانتظام وتتحلق معاً من حول تلك الجادة الرئيسة الممتدة من محطة الشمال إلى محطة الجنوب، وتنتشر على جوانبها شتى المؤسسات الحكومية والوزارات والمعاهد العليا على أن يتوزع ذلك كله من حول الساحة الضخمة المركزية التي يقوم فيها القصر الاستشاري (الرئاسي) في مواجهة المبنى الضخم المسمى "القاعة الكبرى" حيث يمكن لأكثر من مئة ألف شخص أن يُجمعوا حين تدعو الحاجة والرغبات الفوهررية ليستمعوا معاً إلى زعيق الزعيم وهو يخطب فيهم. ما يعني أن خطابات هتلر ستكون حين ينجز المشروع في وسط برلين تماماً وقد صار اسمها جرمانيا وصار عاصمة للنازية حين تصبح هذه سيدة العالم.

وتنفس البرلينيون الصعداء

في نهاية الأمر لم ينجز سبير من مشروعه سوى تدمير الجانب الغربي من المباني المحاذية لذلك المحور الذي أنجز شقه بأكمله. والحقيقة أن الشهور التي سبقت توقف المشروع شهدت عشرات الألوف من أهل برلين وهم يقفون حزانى يتفرجون على الآلات العملاقة وهي تدمر تلك المباني ويتساءلون عن المعجزة التي سيكون في إمكانها وقف إزالة المعالم التاريخية للمدينة. ولقد جاءت تلك المعجزة على شكل اندلاع الحرب العالمية الثانية التي كان هتلر يرى فيها البداية المؤكدة لإنجاز مشروعه الكوني، وبالتالي كان من الطبيعي أن يتوقف تنفيذ المشروع "الجرماني" العمراني في انتظار أن يأتي الانتصار النازي سريعاً فيستأنف حتى اللحظة التي تقوم فيها جرمانيا مكان برلين ويقف الفوهرر خطيباً معلناً سيادته على العالم. لكن ذلك لم يحصل طبعاً، وعلى الرغم من أن البرلينيين شعروا بالضائقة أيام الحرب وربما بالذل أيام الهزيمة مع أنهم كانوا من أقل الألمان مناصرة لهتلر وللنازية، فإنهم تنفسوا الصعداء حين توقف تدمير برلين "احتفاء بمولد الفوهرر" ثم طبعاً حين انتحر هذا وحوكم معاونوه ومن بينهم ألبرت سبير (1905 – 1981) الذي سيبقى حتى نهاية حياته حزيناً لعدم تنفيذ مشروع عمره...

المزيد من ثقافة