Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشارع في تونس تاريخ من الصراعات السياسية

التوجس من الانزلاق إلى العنف بات هاجسا يؤرق المواطنين

شهدت تونس احتجاجات معارضة وأخرى مؤيدة لقرارات الرئيس قيس سعيد (أ ب)

مثل الشارع في تونس طيلة عقود، فضاء للتداول والنقاش، وللتعبير عن الرفض، ولمقاومة السلطة، مهما كانت، وأيضاً لفرض توجه سياسي، ولتغيير موازين القوى خصوصاً بعد عام 2011، ويعود التونسيون اليوم إلى الشارع، بين رافض للإجراءات الاستثنائية التي اتخذها رئيس الجمهورية قيس سعيد، ومؤيد لها.

ويعد التعبير عن الاحتجاج في الشارع، حالة صحية في ديمقراطية ناشئة، إلا أن التوجس من الانزلاق إلى العنف، بات هاجساً يؤرق التونسيين، خصوصاً بعد الاحتجاجات الأخيرة في الشارع الرئيس في العاصمة (شارع الحبيب بورقيبة) الذي احتضن مسيرات معارضة وأخرى مساندة للرئيس سعيد.

الشارع في تاريخ تونس المعاصر 

يرى أستاذ التاريخ المعاصر، عبد الواحد مكني، في تصريح لـ"اندبندنت عربية" أن "الخروج إلى الشارع، للتعبير عن الظلم أو لمساندة جهة سياسية بعينها، كان سمة الشارع التونسي، طيلة عقود بدءاً من أحداث 9 أبريل (نيسان) 1938، عندما خرج التونسيون في مسيرات تنديداً بسياسة المستعمر الفرنسي، وفي يناير (كانون الثاني) 1952، فيما سُمي وقتها الثورة التونسية، ضد الاستعمار".

وبعد الاستقلال، عرف الشارع أيضاً حراكاً كبيراً، مثل تظاهرات الخميس 26 يناير 1978، أو ما عُرف بـ"الخميس الأسود"، عندما اصطدم العاملون بنظام الحبيب بورقيبة وقتها، وأيضاً أحداث 3 يناير 1984، فيما يعرف بأحداث الخبز والتي دفعت بورقيبة إلى التراجع عن الزيادات في الخبز والمواد الأساسية الأخرى.

وفي زمن حكم الرئيس السابق، زين العابدين بن علي، عرفت تونس الاحتجاجات الاجتماعية، في الحوض المنجمي سنة 2008، التي تم قمعها بالأمن، ثم أحداث 17 ديسمبر (كانون الأول) 2010 - 14 يناير 2011، والتي انتهت بسقوط نظام بن علي.

في فترة الانتقال الديمقراطي، شهد الشارع عديد التحركات، أهمها إثر اغتيال السياسي التونسي شكري بالعيد، ثم محمد الإبراهيمي (2013)، وهي تحركات مؤثرة في الساحة السياسية بتونس، وأدى اعتصام الرحيل في العام نفسه، إلى تغيير موازين القوى والمضي نحو استكمال الدستور، من قبل المجلس الوطني التأسيسي، وإقامة حكومة وفاق وطني، توجت على إثرها المنظمات الوطنية الأربعة (الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة، وعمادة المحامين، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان) بجائزة نوبل للسلام.

تطور منتظر للحراك ضد سعيد

وفي 25 يوليو (تموز) 2021، شهدت البلاد حراكاً عفوياً في عدد من المدن والأحياء احتجاجاً على أداء حكومة هشام المشيشي، وتم خلالها الاعتداء على عدد من مقرات حركة "النهضة:، ليتخذ الرئيس سعيد إثرها الإجراءات الاستثنائية، تفعيلاً للفصل 80 من الدستور، وعلّق بمقتضاها أعمال البرلمان وعزل رئيس الحكومة، وخرج التونسيون تأييداً لتلك الإجراءات.

والآن، يعود الشارع إلى الغليان والصراع بين قوتين، واحدة مساندة وأخرى رافضة للإجراءات الاستثنائية لرئيس الجمهورية.

ورجح المكني أن يتطور الحراك المعارض لقيس سعيد، ويصبح وازناً في الشارع، خلال الفترة المقبلة، كلما تأخر الإعلان عن خريطة طريق، وتقديم ضمانات كافية للديمقراطية واحترام مكاسب تونس.

واستبعد أستاذ التاريخ المعاصر، أن "تتمكن حركة الشارع هذه المرة، من قلب موازين القوى، في المدى القريب، لافتاً إلى أن المجموعات المعارضة للرئيس، قيس سعيد، ليست عفوية وهي منظمة ومؤطرة حزبياً من قبل حركة النهضة وعدد من الأحزاب الأخرى إلا أنها لن تتمكن من كسب المعركة". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الشارع رسالة مباشرة للحكومات

الشارع السياسي في تونس له تاريخ، وهو أيضاً فضاء عمومي للتداول وله أبعاد ثقافية واجتماعية، ويقول أستاذ علم الاجتماع السياسي، جلال التليلي، في تصريح خاص "إن التحركات في الشارع لها رمزية وتُمكن من توجيه رسائل معينة إلى السلطات أو إلى الرأي العام في الداخل أو في الخارج".

ويشير التليلي إلى وجود تحركات مؤطرة حزبياً ولها غايات سياسية، إما للدفاع عن مشروعية ما، وهو ما ظهر عام 2014 بين "نداء تونس" وحركة "النهضة" أو للتنديد بتقصير لجهة سياسية حاكمة وتحركات اجتماعية مطلبية تنامت بشكل لافت بعد 2011، وتعكس وضعاً تنموياً واقتصادياً متدهوراً.

ويضيف المتخصص في علم الاجتماع السياسي، أن هذه التراكمات أدت إلى ما حدث في 25 يوليو 2021، ومنذ ذلك التاريخ حاولت الحركات السياسية، تعبئة الشارع سواء لمساندة تلك الإجراءات أو لمعارضتها.

ويتوقع أن تعرف المرحلة المقبلة، المزيد في نسق التحركات الاجتماعية في العاصمة، وستأخذ طابع الاستعراض، خصوصاً إذا ما دعا رئيس الجمهورية إلى حشد الشارع كرد فعل على معارضي قراراته.

ويؤكد التليلي أن الديمقراطية في تونس لن تنجح من دون قاعدة اقتصادية اجتماعية تضمن الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية. وخلُص إلى أن التحركات مستقبلاً قد تشهد أعمال عنف، داعياً إلى الحكمة في التعاطي مع الاحتجاجات، والاحتجاجات المضادة من قبل أجهزة الأمن.

مئات الاحتجاجات شهرياً

في غضون ذلك، يتولى المرصد الاجتماعي التونسي، والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، رصد مختلف التحركات الاحتجاجية في الشارع التونسي، ويقدم تقارير شهرية، حول تلك التحركات، وفي آخر تقرير له، أحصى المرصد، أكثر من 440 تحركاً احتجاجياً في الشارع خلال شهر أغسطس (آب) 2021، أغلبها ذات صبغة اقتصادية واجتماعية، نظراً إلى الانكماش الاقتصادي وتنامي نسبة البطالة.

وتضيف نجلاء عرفة، منسقة المرصد الاجتماعي التونسي، في تصريح خاص، أن الرصد يتم عبر مختلف وسائل الإعلام، وأيضاً الوسائط التكنولوجية، ومواقع التواصل الاجتماعي.

وأكدت أن المرصد يتلقى يومياً عشرات المطالب، التي يتم تصنيفها إلى مطالب اجتماعية واقتصادية وسياسية، مؤكدة أن عملية الرصد مؤشر اقتصادي مهم، لوضع منوال تنموي يتماشى ومطالب المحتجين.

وخلصت إلى أنه منذ 2008، انحصرت أغلب الاحتجاجات في الشارع على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يعني أن الوضع التنموي في تونس، لم يتحسن طيلة السنوات الأخيرة، مؤكدة أنه لا يمكن الفصل بين الجانب السياسي والاجتماعي، لأن السياسات التي تضعها الحكومات، هي التي تنعكس سلباً أو إيجاباً على أوضاع التونسيين. 

وأشارت إلى أن الطبقة السياسية في تونس، لم تُولِ الاهتمام اللازم للجوانب الاقتصادية والاجتماعية بينما انهمكت في صراعاتها السياسية.

المزيد من تقارير