Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

 رحيل ملفين فان بيبلز عراب السينما الأفرو أميركية

المخرج المتعدد الهموم حمل قضية السود إلى الشاشة بروح جديدة

السينمائي ملفين فان بيبلز رائد السينما الأفرو أميركية  (أن. سي. بي نيوز)

هناك في السينما الأميركية، تيار ثقافي واجتماعي ظهر في السبعينيات، وعرف باسم Blaxploitation، اندرجت تحته مجموعة أفلام طليعية أنجزها سود (أفارقة أميركيون) إخراجاً وتمثيلاً وكتابةً، وتدور أحداثها في كنفهم. هذا التيار رد الاعتبار إلى السود، وأعطى الصدارة لفئة من الناس لطالما كانوا على هامش السينما، وكانت أدوارهم تقتصر على الشخصيات المساعدة. ملفين فان بيبلز الذي رحل قبل بضعة أيام عن 89 عاماً، كان أحد رموز هذه الظاهرة (التي احتوت على الغث والسمين)، لا بل كثر من المؤرخين يعتبرونه عراب السينما الأفرو أميركية ورائدها. أياً يكن، كانت مساهمته كبيرة في نشوء هذا التيار، علماً بأن نشاطه لم يقتصر على الشاشة، بل أخرج أيضاً مسرحيات، وألّف الموسيقى ومثّل في أفلام ونشر روايات ومارس الفن التشكيلي. كان الراحل فناناً شاملاً متعدد الموهبة. 

لهذا الرجل المولود في شيكاغو والذي درس الأدب، تجربة تكاد تكون كوزموبوليتية. فهو، بعد إتمام خدمته العسكرية، حط رحاله في هولندا، وهناك درس التمثيل، ثم توجه إلى فرنسا، حيث أنجز فيلماً، قبل الاستقرار في أميركا، حيث أصبح أحد أعلام السينما المستقلة.

كان فان بيبلز قد أنجز عدة أفلام قصيرة وطويلة قبل أن يقدم عمله الرائد "أغنية سويت سويتباك الشريرة" (1971). ففي عام 1967، أفلم روايته "حكاية الترخيص ذي الأيام الثلاثة"، وصورها في باريس. الفيلم عن جندي أميركي أسود يرتبط بعلاقة صداقة مع موظفة فرنسية تعمل في متجر. ثم في عام 1970، خرج له في الصالات عمل كوميدي في عنوان "رجل البطيخ" يروي حكاية رجل أبيض شديد العنصرية يعمل في مجال التأمين وينهض ذات صباح ليجد نفسه في جسد رجل أسود. وما يحدث بعد ذلك هو أن أصحابه وزملاءه في العمل وأفراد عائلته ينبذونه. وكان فان بيبلز تولى تأليف موسيقى الفيلم، كما في عديد من أفلامه. 

عنف وجنس

لكن فيلم "أغنية سويت سويتباك الشريرة" المشبع بالجنس والعنف، صمد في الذاكرة كعمل وضع الحجر الأساس للتيار الأفرو أميركي في السينما الأميركية. هذا العمل أراده فان بيبلز حاملاً نفساً نضالياً واضحاً، فيلماً يحمل قضية السود إلى الشاشة. كان جريئاً في توليه الإخراج والإنتاج والتمثيل. وبحسب مجلة "فرايتي" الأميركية، كان سباقاً في إقناع هوليوود بأن أفلاماً "ملتزمة" كهذه قد تُدرّ أرباحاً كبيرة على الاستوديوهات، ذلك أنه بلغت تكلفته 150 ألف دولار، وحقق 15 مليوناً في شباك التذاكر، ليغدو واحداً من أكثر الأفلام المستقلة تحقيقاً للأرباح في التاريخ. 

تبدأ أحداث "أغنية سويت سويتباك الشريرة" في الأربعينيات، حيث يتم استقبال يتيم من أصول أفريقية في ماخور. خلال عمله فيه، بصفته حاجباً، يفقد المراهق عذريته مع إحدى المومسات التي تسميه "سويت سويتباك" نظراً لطاقته الجنسية. عند بلوغه، يتحول هذا الشاب إلى "جيغولو"، ويقدم استعراضات في بيوت الدعارة، إلى أن يتورط رغماً عنه في قضية قتل شرطيين أبيضين دفاعاً عن حياة أحد عناصر الـ"بلاك بانثر". تطارده الشرطة من لوس أنجليس إلى حدود المكسيك، ويلقى القبض عليه مراراً، إلا أن قدراته الجنسية تنقذه أحياناً في اللحظة الأخيرة. في نهاية الفيلم، وخلال عبوره نهر تيخوانا الشهير، يتوعد سويت سويتباك قائلاً: "حذارِ، زنجي خطير سيعود ليصفي حسابته". 

عرض الفيلم في سياق اجتماعي وسياسي خاص جداً... 3 سنوات بعد اغتيال مارتن لوثر كينغ وفي خضم حرب فيتنام التي تركت آثاراً بالغة في النفوس كانت ستظهر بوضوح في السنوات اللاحقة. في موازاة ذلك، ثقافة جديدة كانت تكرست في وودستوك، ثقافة الاحتجاج والرفض. في هذا الجو من العنف والظلم والعنصرية ضد السود، قرر بعض أرباب الاستوديوات الهوليوودية إفساح المجال لسينمائيين من أصول أفريقية للتعبير عن أفكارهم كنوع من متنفس. وكان فان بيبلز أحد هؤلاء، إلى جانب غوردن بارك ومايكل شولتز. وأقل ما يقال إن الفيلم نال ما يستحقه من انتباه لدى عرضه في الصالات، خصوصاً أن فان بيبلز استطاع أن يقدم رؤية فنية متكاملة، حيث الخطاب السياسي لا يهمل أياً من الجوانب الفنية. أسلوبياً، لجأ إلى "جماليات" الفيلم الأندرغراوند، وبعضها يأتي مباشرةً من السينما البورنوغرافية. بعض الجهات صنفت الفيلم بورنوغرافياً، لكن استطاع المخرج أن يعطي لهذا القرار صبغة سياسية، مروجاً فكرة أن الرجل الأبيض لا يريد للأفرو أميركي أن يشاهد هذا الفيلم. 

تغييرالمعادلة

قبل السبعينيات، كانت الأفلام التي يظهر فيها سود تحمل بصمات أنغلوساكسونية، سواء في إيقاعها، أو خطابها، كما أكد فان بيبلز في لقاء معه يوم عرض "أغنية سويت سويتباك الشريرة" الذي جاء ليغير تلك المعادلة. وأضاف يقول: "الفئة التي ننتمي إليها خضعت لغسيل دماغ كبير، وكل ما تعرفه عن السينما هو اللون الأبيض. يجب أن نبدأ من هنا. الثورة في هذا المعترك. أن نثور لا يعني أن ننهض ونتبادل الأفكار". هذا الفيلم وغيره من الأفلام التي أخرجها فان بيبلز في السنوات اللاحقة (يبلغ عددها 17)، قدمت بانوراما شاملة عن حياة السود في أميركا.

أفلام تحمل في داخلها وعياً سياسياً واجتماعياً غير مسبوق. جريئة على مستوى الشكل، لا تهتم بالصواب السياسي، صريحة، وأحياناً مباشرة فيها كمية من الفضول وروح التجديد. صوّر فان بيبلز المجتمع الأفرو أميركي مجموعة أناس يعيشون في غيتو، ولكن من دون مظلومية أو إدانة مباشرة، بل مع رغبة دائمة في الخروج من هذا النفق وتحسين الأحوال وتوجيه رسالة إلى السلطات بضرورة ضم هذه الفئة المهمشة إلى بقية سكان القارة الجديدة. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذا كله قد يبدو عادياً اليوم، في ظل خطاب التنوع السائد أميركياً في كافة مجالات الحياة الحيوية، بدءاً من السياسة، وصولاً إلى الفن. إلا أنه كان خطاباً ثورياً قبل نصف قرن، حينما أطلقه فان بيبلز وغيره من الفنانين الملتزمين من أصول أفريقية. لا يمكن نكران التأثير الذي مارسته هذه الأفلام في العقلية التي كانت ستنشأ في العقود اللاحقة. من كوانتن تارانتينو الذي استوحى فيلماً كاملاً هو "جاكي براون" من تيار الـBlaxploitation إلى باري جنكينز السينمائي الأسود الذي نال "أوسكار" أفضل فيلم ("مونلايت"، 2016)، مروراً طبعاً بالمخرج سبايك لي، الأكثر دفاعاً عن صوت السود في السينما الأميركية المعاصرة، استطاع فان بيبلز فتح البوابة للآخرين كي يدخلوا منها ويفرضوا حضورهم في الصفوف الأمامية ليس فقط ككومبارس في الحفل الهوليوودي الضخم. هذا على الرغم من عدم اعترافه بالإرث الذي تركه، إذ نفى في لقاء مع "نيويورك تايمز" أن يكون له أي فضل، فهو "يفعل ما يحلو له فحسب، من دون أن يشغل باله بما سيخلفه من بعده". اليوم، يرحل تاركاً نصيحة قيمة للسينمائيين الشباب: "صباح كل يوم أطالع الصحيفة، وإذا لم أجد اسمي في صفحة الوفيات، فأحرك مؤخرتي للعمل".

المزيد من ثقافة