Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما دلالات إعادة هيكلة الجيش السوداني؟

ارتياح حذر مشحون بشك في إمكانية تلبية المشروع لمطالب "الثوار" والقضاء على ولاء بعض عناصره للنظام السابق

عادت المطالبة بإعادة هيكلة الجيش السوداني من جديد بعد المحاولة الانقلابية الأخيرة نتيجة لما وُصف بتعرض المؤسسة لظروف ومظالم. وجددت هذه الدعوة ما علق بها من إعادة محالين إلى الصالح العام في عهد الرئيس السابق عمر البشير، ثم إعلان رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة الفريق الركن عبد الفتاح البرهان تبنيه مشروع هيكلة الجيش وقوات "الدعم السريع" التابعة له، ويتزعمها نائبه محمد حمدان دقلو (حميدتي) في مارس (آذار) 2020. كما أُضيف إليها دمج الحركات المسلحة حسب ما يسمى "بروتوكول الترتيبات الأمنية" لتلبي ضرورات التنوع الإثني والثقافي والديني والجغرافي، وذلك وفق ما نصت عليه اتفاقية جوبا للسلام في أكتوبر (تشرين الأول) 2020. تتفرع هذه المطالب بهيكلة الجيش من قنوات عدة عسكرية ومدنية، وتصب في معين تطلعات قوى الحراك الثوري.

بين أيديولوجيتين

لم تفارق الجيش السوداني منذ تأسيسه في عام 1925 قوميته بحكم نشأته في كنف بلد متعدد الأعراق، واستطاع أن يخلق توازناً قبلياً بضم مختلف الإثنيات. واستمر بتأسيس نواة الجيش السوداني الحديث عام 1955، وكان يُعرف بقوة دفاع السودان التي تكونت من عدد من الجنود السودانيين تحت إمرة الجيش البريطاني، وبعد استقلال السودان عن نظام الحكم الثنائي الإنجليزي المصري عام 1956 استمر بتحديثه إلى جيش وطني جديد.

وعلى الرغم من الانقلابات العديدة، فإن الجيش لم يتلون أيديولوجياً أو حزبياً، إلا مرتين، المرة الأولى في عهد جعفر النميري الذي جاء إلى الحكم بانقلاب عسكري في 25 مايو (أيار) 1969، إذ حاول ضباط من مجلس القيادة ينتمون إلى الحزب الشيوعي الانقلاب عليه عام 1971، وعُرفت المحاولة بـ"حركة يوليو التصحيحية"، وتسلمت السلطة ثلاثة أيام، ثم انقلب عليها النميري، وأعدم كل قادتها، وبعدها استمر الجيش على قوميته. أما المرة الثانية التي اختلطت فيها الحزبية السياسية بالأيديولوجية العقائدية، فكانت في ظل النظام السابق الذي أضاف إلى قوات الجيش المشارِكة في الحرب الأهلية بجنوب السودان، ميليشيات التيار الإسلامي، وهي "قوات الدفاع الشعبي"، ثم دخل النظام بميليشيات قبلية وكتائب تابعة له في حرب دارفور ضد الحركات المسلحة من أهل الإقليم. أسهم ذلك في إضعاف الجيش كمؤسسة وطنية، مع الإبقاء على امتيازات رجال الجيش المنتمين إلى النظام بصورة صارخة على غيرهم من الضباط من دون انتماءات سياسية، وبالإضافة للدخول في الحروب الأهلية، كان القرار السياسي يُتخذ بواسطة المؤسسة العسكرية متجسداً في شخص البشير، وهذا ما لم يكن غريباً في نظام انقلابي، مما أسس لترسيخ امتيازات الجيش السلطوية. 

بداية التحالف

ما دعا إلى المطالبة بإعادة هيكلة الجيش السوداني وظل يُنادى به عند كل نازلة وحادثة، هو أنه خلال احتجاجات ديسمبر (كانون الأول) 2018، وبعد سقوط البشير ظلت بقايا جهاز الأمن ومنسوبيه وفلول النظام السابق تمارس عنفاً تجاه العزل. وعلى الرغم من وقوف الجيش إلى جانب المتظاهرين وحمايتهم في موقع الاعتصام من ممارسات المؤسسة الأمنية السودانية وما ارتكبته من عنف تجاههم، فإن القوات المسلحة حُملت المسؤولية بعد أحداث فض اعتصام القيادة العامة للقوات المسلحة في 3 يونيو (حزيران) 2019. ولا تزال القوات التي اقتحمت مقر الاعتصام باستخدام الأسلحة الثقيلة والخفيفة والغاز المسيل للدموع، قيد التحري. 

وظهرت فداحة ذلك التدخل في تسببه بمقتل أكثر من 100 متظاهر ومئات الجرحى، وعشرات الضحايا رُميت جثثهم في نهر النيل، وتصاعدت على أثرها المطالبات وبلغت مداها، ثم جاءت الحركات المسلحة إلى الخرطوم بانتظار ترتيب أوضاعها الأمنية، حسب اتفاقية جوبا للسلام أكتوبر 2020. كانت الدعوة في البداية من المكون المدني في مجلس السيادة الانتقالي أعلنها رئيس الوزراء عبدالله حمدوك في مناسبات عديدة وخلال لقاء الوفود الغربية التي أمّنت على هذه المطالبة، باعتبار أن كل الأحداث السابقة مسؤول عنها المكون العسكري، كما تبنى الدعوة الشق العسكري وظهرت في تصريحات رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبدالفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو، بيد أن البرهان بصفته القائد العام للقوات المسلحة انطلق من مبدأ عسكري استراتيجي يحصر الهيكلة مهنياً في تخطيط وتنظيم وتشكيل القوات المسلحة وفق المبادئ والنظم العسكرية، إذ لم يُشر إلى استهداف أي مكون سياسي، وقال إن هدفه هو تطوير القوات المسلحة. وفي منتصف نهاية أكتوبر 2019، أصدر قرارات بإعادة هيكلة الجيش السوداني، قضت بإلغاء نظام رئاسة الأركان المشتركة الذي اتبعه حكم عمر البشير، والعودة للعمل بالنظام القديم "هيئة الأركان".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نقاط الخلاف

النقطة الخلافية الأولى هي دوافع مكوني مجلس السيادة ومطالباتها بإعادة هيكلة الجيش، أن القوى المدنية في المجلس تتهم المؤسسة العسكرية باحتفاظها بعناصر من النظام السابق، وتفصل بين هذا الاتهام والبراءة منه شعرة رفيعة، فبالإضافة إلى التصنيف الواضح لمنسوبي النظام السابق وإحالتهم إلى الصالح العام عبر "لجنة إزالة تمكين نظام الثلاثين من يونيو"، يبدو صعباً في مؤسسة مثل الجيش تحديد الانتماء لضباط استمرت خدمتهم في المؤسسة العسكرية لثلاثين عاماً. الجدير بالذكر أن نظام "الإنقاذ" عند مجيئه عام 1989 قام بإحالة مجموعة كبيرة من الضباط إلى الصالح العام بدعوى أنهم لا ينتمون إلى الحركة الإسلامية السودانية، وبالإضافة إلى الحزبيين منهم في فترة رئاسة الصادق المهدي للوزراء في فترة الديمقراطية الثالثة، وبعضهم منذ عهد النميري، كان منهم من تدرج في الجيش من دون انتماءات حزبية.

أما المكون العسكري فينطلق من دوافع تتعلق بإطار الجيش العام، وضعف المؤسسة بعد مصادرة ممتلكات مؤسسات الجيش من قبل لجنة إزالة التمكين، بالإضافة إلى وضع الضباط الاقتصادي وفقدان الضباط باختلاف رتبهم لامتيازات عديدة، وهو ما يؤدي إلى تململهم ومحاولتهم الانقلاب على نظام الحكم. وهذا ما عبر عنه البرهان بأن المحاولة الانقلابية الأخيرة كانت نتيجة حتمية لهذه المظالم.

أما نقطة الخلاف الثانية فتدور حول تطبيق الهيكلة، إذ ترى القوى المدنية ضرورة تصفية الجيش من عناصر النظام السابق، بالإضافة إلى إدخال الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق السلام، ومنها الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة مالك عقار، بينما تنتظر قوات جناح عبدالعزيز الحلو الوصول إلى اتفاق نهائي. ومنها حركة تحرير السودان جناح مني أركو مناوي، بينما قوات جناح عبدالواحد محمد نور تنتظر توقيع قائدها على الاتفاق. وهناك قوات العدل والمساواة وغيرها من الحركات المنشقة. ومع عدم اعتراض المكون العسكري على دخول الحركات المسلحة ضمن الجيش، إلا أنه يضع الأولوية لقوات الدعم السريع التي يوجد بينها وبين القوى المدنية جفاء متزايد، إذ لا تخشى دمجها في القوات المسلحة فحسب، وإنما إحلالها بدل القوات البرية.

خدمة الديمقراطية

وحسب ما ذكر البرهان عقب المحاولة الانقلابية الأخيرة، بأن تأخر الهيكلة هو الذي أضر بالقوات المسلحة، وأن وضع القوات المسلحة في الهيكل التنظيمي لما بعد الفترة الانتقالية وفي إطار الديمقراطية، يحصن المؤسسة من الانقلابات العسكرية، ولعل هذا ما دعا منذ البداية إلى إيجاد نوع من التحالف المدني العسكري لتحمل أعباء المرحلة الانتقالية التي وقع عليها في 17 أغسطس (آب) 2019 على أن تستمر 39 شهراً، إن لم تُمدد بعد انقضائها. ربما يقف دمج "قوات الدعم السريع" عقبة في الطريق لإكمال الهيكلة، خصوصاً مع تسييس المكون المدني للمشروع، ولكن يمكن أن تعود هذه القوى على الرغم من عدم الود بينها وبين قائد قوات "الدعم السريع"حميدتي، إلى حفظها لموقفه عندما رفض قمع المتظاهرين وحمايتهم خلال اعتصامهم في القيادة العامة، لدرجة الهتاف له بأنه هو من أخاف الإسلاميين وجعلهم يولون من ساحة الاعتصام. كما أنه ومع خدمته في النظام السابق، لكنه لا يتبنى أيديولوجية الإسلاميين، وما جمعه بالبشير هو صراعهما ضد القائد السابق لقوات الدعم السريع موسى هلال، ومصالحه الاقتصادية. كما أنه علق عقب إعلان البرهان عن هيكلة الجيش بأن "على القوى السياسية التوقيع على ميثاق شرف لحماية الديمقراطية في البلاد"، وهو تعبير عن فكرة "الجيش في خدمة الديمقراطية". ولذا لا يستطيع المدنيون ردّه، لأسباب تتعلق بحمايتهم، كما لا يستطيعون إنكار أنه نادى في أكثر من مناسبة بضرورة تسريع العملية الانتخابية، في حين يرون أن البلاد ليست مؤهلة لقيامها بانتخابات قبل إزالة تمكين النظام السابق تماماً. 

ترحيب حذر

قابل الشعب السوداني قرار إعادة هيكلة الجيش بارتياح حذر، مشحون بشك في إمكانية تلبية المشروع لمطالب الثوار والقضاء على ولاء بعض عناصره للنظام السابق، وما إذا كانت هذه العملية ستتم بناءً على الكفاءة الوطنية، وليس على أساس النفوذ الحزبي مثلما فعل النظام السابق. وبين ترحيب الشعب الحذر، وحماس المكون العسكري، ترى القوى المدنية أن الإسراع في هيكلة الجيش بكل مكوناته العسكرية والأمنية، بالإضافة إلى القوات الموازية قد تعوق مهام الحكومة الانتقالية الموكلة إليها بتحقيق الأمن والاستقرار وإعادة الأوضاع إلى طبيعتها إيذاناً بحكم مدني قائم على الانتخابات.

المزيد من تحلیل