Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قرية مصرية تراثية تعود إلى الحياة بعد 70 عاما من الإهمال

المعماري حسن فتحي جسد نموذجاً للعمارة البيئية التي تخدم البسطاء

حظي معمار المهندس المصري حسن فتحي في قرية القرنة في مدينة الأقصر (جنوب مصر) باهتمام بالغ من قبل الدراسات الأكاديمية المتخصصة في مختلف الجامعات العالمية، لما سطر له الراحل في كتابه "عمارة الفقراء"، الذي كان بمثابة صرخة مفكر وفنان موهوب تدعو إلى الاهتمام بدعم البسطاء بمدن سكنية آدمية ومتكاملة فيها لمسات فنية من وحي البيئة المحطية.

عدسة "اندبندنت عربية" حرصت على زيارة قرية حسن فتحي في مدينة القرنة بالتزامن مع نجاح منظمة "اليونسكو" بالتعاون مع وزارة الثقافة المصرية في ترميم المرحلة الأولى من القرية بعد أكثر من 70 عاماً على إنشائها.

حسن فتحي شيخ المعماريين في مصر  

ولد حسن فتحي في 23 مارس (آذار) من عام 1900 في مدينة الإسكندرية (شمال العاصمة) لأسرة ثرية، ظهرت موهبته منذ الصغر في الاهتمام بالحرف اليدوية والبيئية، إلى أن تخرج في كلية المهندس بجامعة الملك فؤاد الأول، وكرس اهتمامه في تحسين حياة الفلاحين في الأراضي والأملاك التي تمتلكها أسرته الثرية، فأنشأ لهم منازل بيئية ومدارس ومساجد.

يعد حسن فتحي الذي رحل في عام 1989 مهندساً موسوعياً، فلم تقتصر موهبته على الهندسة فحسب، بل امتدت إلى الموسيقى والكتابة المسرحية، إلا أن مشروع مسيرته تمثل في عمارة خدمة الفقراء الذي بدأه في شبابه وحورب فيه من قبل الإقطاعيين قبل ثورة 23 يوليو (تموز) عام 1952، ما دفعه للسفر إلى اليونان ليؤسس معهداً للتصميم والإنشاء، إلا أن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر أقنعه بالعودة إلى مصر لدعم مشروعه الإنساني في "عمارة الفقراء".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أصبح حسن فتحي منذ مطلع السبعينيات رمزاً للعمارة الوطنية البيئية التي تخدم البسطاء عبر التصاميم التراثية المنظمة، أشرف خلال تلك المرحلة على مشاريع معمارية كثيرة في مناطق متفرقة من الأقاليم المصرية، وامتد إشرافه على مشاريع في دول عديدة، بينها، الولايات المتحدة، ونيجيريا، وباكستان، والجزائر، وفلسطين، والعراق".

قصة قرية القرنة

تقع قرية حسن فتحي بالقرنة غرب مدينة الأقصر، عاصمة مصر القديمة، وكانت تنتشر في تلك المنطقة آلاف المقابر الفرعونية، التي كان يتخذها بعض الأهالي من البسطاء مسكناً لهم حتى أواسط الثلاثينيات، إلى أن اكتشفت السلطات المصرية بيع بعضهم الجداريات الفرعونية للأجانب، فصدر قرار الحكومة المصرية في عهد الملك فاروق عام 1945، بتهجير سكان المقابر الأثرية إلى قرية جديدة، حتى تتمكن بعثات الآثار الحكومية من أرشفة الآثار فيها وحصرها.

اختار الملك فاروق المهندس النابغة حسن فتحي الذي ذاع صيته في التشييد المعماري لخدمة الفلاحين عبر مجمعات سكنية متكاملة، خصصت ميزانية مليون جنيه (قرابة 60 ألف دولار حالياً)، في موقع بعيد من المواقع الأثرية وقريب من الأراضي الزراعية وشريط السكة الحديدية.

وتعامل حسن فتحي مع المشروع على أنه تتويج لأفكاره ومسيرته المعمارية، فبدأ المرحلة الأولى منه ببناء 70 منزلاً، طوع عبرها الخامات البيئية لخدمة التشييد، وظهر جلياً تأثره بالعمارة الإسلامية والنوبية التي تظهر في القباب المزخرفة، والسقوف الخشبية بدلاً من الحديد والألواح الأسمنتية، وخصص لكل منزل حوشاً بباب منفصل للماشية، حرصاً على السلامة الصحية لقاطني المنزل.

شيد فتحي ثلاث مدارس في قرية القرنة، الأولى للأولاد والثانية للبنات، أما الثالثة فكانت مدرسة تراثية لتعليم الحرف اليدوية، التي كانت موهبة طفولته، وكان يؤمن بأن الصناعات اليدوية إحدى وسائل تحسين حياة الفلاحين الاقتصادية إذا جرى تسويقها، تخصصت هذه المدرسة في تعليم صناعة الألباستر والغزل والنسيج وصناعة منتجات الخوص والنخيل. وأقام مسجداً جامعاً في مدخل القرية، حظي بأجمل النقوش الإسلامية، تأثر فيه بالفن الطولوني والفاطمي، كما لم يغفل الجانب الترفيهي، فأنشأ قصر ثقافة فريداً في تلك المنطقة النائية، يضم مسرحاً على الطراز الروماني.

ودعا حسن فتحي في كتابه العالمي "عمارة الفقراء" إلى ضرورة ربط المعمار بالتراث والبيئة، مشيراً إلى "أن الانسلاخ عن التراث في التشييد والبناء بحجة الحداثة والتغيير خطأ فادح، يدفع إلى ضياع الهوية ويكبد عملية المعمار خسائر جمة"، ويعد الكتاب مرجعاً لأفكاره التي تمزج ما بين المعمار والفن والاشتراكية.

تطوير بعد 70 عاما من الإهمال

تفقدت وزيرة الثقافة المصرية إيناس عبدالدايم منتصف سبتمبر (أيلول) الحالي، انتهاء المرحلة الأولى من مشروع إحياء وترميم المباني التراثية لقرية المهندس حسن فتحي بالتعاون مع منظمة "اليونسكو"، التي خصصت مبلغ 750 ألف دولار لدعم المشروع. وأشارت إلى أن مشروع إحياء وترميم المنشآت ذات الطابع المعماري المتميز في القرنة يعد إنجازاً جديداً للثقافة المصرية، مشيرة "أن القرية نموذج ومرجع عالمي للعمارة البيئية التي اقتصرت على الخامات المحلية المتوفرة لضمان استمرارية القرية"، لافتة "أنها أحد أشكال ترسيخ الهوية، كما أشارت إلى أنها ستصبح مزاراً ثقافياً وسياحياً عالمياً".

من جانبه، قال المهندس محمد أبوسعدة، رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري والمشرف على ترميم القرية، "إن عملية الترميم في المرحلة الأولى استغرقت قرابة 24 شهراً، لكونها مهمة شاقة لترميم المباني المنهارة في القرية بما يتناسب مع القيمة المعمارية"، مشيداً بدعم هيئة "اليونيسكو" للحفاظ على الطراز المعماري والبيئي المصري لرائد فن العمارة المهندس حسن فتحي".

المزيد من منوعات