Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المعمار أبولودور الدمشقي... بصمة شرقية في تاريخ روما

أبدع في التخطيط العمراني وتصميم الأسواق والجسور والمكتبات والحمامات والمعابد والمسارح

العامود التراجاني في روما (غيتي)

لا يخفى على أحد تأثر العمارة الرومانية بالعمارة المشرقية عموماً والسورية على وجه التحديد، فقد لعبت سوريا دوراً كبيراً في عهد الامبراطورية الرومانية، إذ انتقل إلى روما في تلك الفترة كثيرون من السوريين، حاملين معهم ثقافتهم وفكرهم وفنهم.

 واعتمد عليهم الرومان في عددٍ كبيرٍ من شؤون المعرفة، وكانت العمارة إحدى وجوه هذه المعرفة، بدليل أن كثيرين من المؤرخين في الغرب يؤكدون تفوق وأسبقية سورية على روما، ومكانتها كمثال يُحتذى في العمارة والفنون البصرية من قبل الرومان الذين أخذوا الكثير من التقاليد السورية، بخاصة في بناء القوس والقبة.

واستخدم الرومان معماريين شرقيين في تصميم أبنيتهم وإقامة قبابهم، وكان على رأسهم كبير بنائين تراجان "أبولودور الدمشقي" الذي حمل معه الإرث البنائي السوري وأنشأ أجمل القناطر والقباب والأبنية في روما.

معمار دمشقي

اسمه الأصلي باليونانية "أبولّودوروسApollodorus "، وجاء هذا الاسم من تأثر أوساط النخبة في دمشق بالثقافة اليونانية التي أصبحت لغة المخاطبة والكتابة لدى هذه الفئة منذ عهد السلوقيين، وتقابله في الآرامية "زبدنبو" (وهو اسم شاع استعماله في سوريا بعد الإسكندر)، وبالفرنسية "Apollodore de Damas"، أما في المراجع العربية "أبولودور الدمشقي".

كان أبولودور مهندساً ونحاتاً سورياً- يونانياً من دمشق، برز في زمن ازدهار الإمبراطورية الرومانية، وكان له تأثير مهم في الطراز المعماري للإمبراطورية، حتى إنّه ألّف عدداً كبيراً من الأطروحات التقنية في الهندسة العسكرية وآلات الحصار، ونقل الكثير من المعارف النظرية في ما يختص بالتقنيات الإنشائية المتقدمة، ونفذها بشكل غير مسبوق في مشاريعه المختلفة في روما، كما أعطى للحمّامات الملكية الرومانية (Thermae) نموذجاً وشكلاً نهائياً، اتّبعه المعماريون من بعده.

لكن المعمار الذي أبدع في التخطيط العمراني وتصميم الأسواق والجسور والمكتبات والحمامات والمعابد والمسارح، وتفنّن في تصميم العناصر المعمارية من أعمدة وأقواس وأبراج وقباب ونصب تذكارية وغيرها، لا عمائر موثقة له في بلده، إلاّ ما ترجّح له بعض المصادر التاريخية عن احتمالية إسهامه في بناء معبد جوبيتر (جامع بني أمية اليوم) في دمشق، استُدل على ذلك من نقش يحمل اسمه وُجد على أحد الأعمدة المتهدمة.

كبير البنائين

كان أبولودور صديقاً مقرباً من تراجان (ترايانوس) الذي كان محامياً عسكرياً في سوريا، وعندما أصبح امبراطوراً على روما استقدم أبولودور إليها ليصبح مستشاره الخاص في مجال الإنشاءات ومرافقه في حملاته للسيطرة على داسيا (رومانيا اليوم) التي عُرف وسطها وقتها بـ "المثلث الذهبي" لاحتوائه على الذهب والفضة والمعادن النفيسة الأخرى.

 وكان لأبولودور الفضل في نجاح تراجان العسكري فيها، إذ بنى له في زمن قياسي جسراً ضخماً سهّل عملية نقل القوات الرومانية، وعززه بالإمدادات والدفاعات اللازمة.

وبعد الانتهاء من الحروب، تحوّل أبولودور من الهندسة العسكرية إلى الهندسة المدنية، فابتكر سلسلة من الإنشاءات الفريدة التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بتاريخ روما وحاضرها، فبنى فوروماً ضخماً يحتوي على مجمع الأسواق ودار العدل والعمود التذكاري والمعبد والبازيليك، كما بنى أقواس النصر في انكونا وبينفينتو، وينسب إليه أيضاً تصميم "البانثيون" و"فيلا أدريانا" في تيفولي في عهد هادريان، لكن لا توجد أدلة تؤكد ذلك.

 

أول جسر في أوروبا

كان أول ما بناه أبولودور لتراجان جسراً حجرياً ضخماً فوق نهر الدانوب في مدينة "دروبيتا تورنو سيفيرين" جنوب غربي رومانيا، الذي كان يهدف إلى ربط المقاطعات من الجنوب إلى الشمال لتحويلها إلى مقاطعة داسيا الرومانية.

الجسر الذي بلغ طوله أكثر من كيلومتر، بُني باستخدام أقواس خشبية مركبة على دعائم تمتد على مسافة 800 متر، إذ تطلّب بناؤه 20 دعامة حجرية مربّعة مصنوعة من مواد صلبة خاصة، من الحجر والطول المخلوط بالملاط الكلسي. أما الجزء العلوي، فيتكون من عوارض من خشب البلوط بارتفاع 3 أمتار وبوابتين مقببتين في الطرفين الجنوبي والشمالي.

اكتمل بناؤه في فترة قصيرة لا تتجاوز العامين، واعتُبرت عملية بنائه ووضع ركائزه في مياه النهر الغزيرة تحدياً كبيراً، الأمر الذي أدى إلى كثير من التساؤلات حول الأساليب والمواد المستخدمة في البناء التي ساعدت في تعزيز مقاومته لقوة التيار المائي والعوامل الأخرى، وقد عُزيت هذه المقاومة لاستخدام مزيج الإسمنت الخاص والملاط (المونة)، ومواد ذات خواص هيدروليكية تتميز بتصلب قوي وسريع عند ملامسة الماء.

أُزيل سطح الجسر في عهد الإمبراطور هارديان ولا تزال بعض آثاره باقية.

فوروم تراجان

يقابل "الفوروم" عند الرومان، "الأغورا" أو الأكروبوليس عند الإغريق، والفوروم عبارة عن مجمع معماري متعدد الأغراض والمستويات، يقع في منطقة مفتوحة تؤطرها الأعمدة، وهي ذات موقع مركزي بالنسبة إلى المدينة، تحيط به مجموعة منشآت عامة وتجارية ودينية.

جاء الفوروم التراجاني ملبياً للتصميم الشمولي الذي طلبه الإمبراطور، فهو يتكون من أربعة أقسام، الأول "الميدان" وهو ساحة واسعة تتوسط الفوروم مرصوفة بكتل من الرخام الأبيض، تحيط بها من الجانبين أعمدة تشكل أروقة، يقع خلف كل رواق بناء نصف دائري ذو أعمدة ويحتوي على الحوانيت، وفي وسط هذه الساحة تمثال فروسية كبير لتراجان.

 أما القسم الثاني، فـ"مجمع أسواق" كبير يحتوي على عدد من المحلات التجارية، والثالث "بازيليك أولبيا" التي كانت تشتهر بسقفها البرونزي، وبجانبها مكتبتان يونانية ولاتينية بينهما ميدان صغير، ويتوسّطهما "عمود تراجان"، والقسم الأخير يحتوي على معبد تراجان.

مُبتكر الحلول

جاءت فكرة بناء مجمع الأسواق حلاً لمعضلة واجهها أبولودور أثناء بناء الفوروم، فرضها عليه وجود "رابية الكوريناليس"، في الجهة الشرقية من الأرض، خرج منها أبولودور بحل جمالي وعملي لمنع انهيار أطراف الرابية من خلال بناء سوق معقد التكوين على شكل قوس متدرجة في الارتفاع، يحتوي على مئات واجهات المتاجر (tabernae) وكتلة من الأبنية السكنية والمكاتب الحكومية، شكلت خلفية معمارية مبتكرة للفوروم التراجاني.

مثّلت السوق ثورة في مجال البناء في تلك الفترة، وهي تقابل في المعدل الحديث فكرة مركز التسوق (المول)، وقد استُخدمت في بناءها مادة "الكونكريت" التي تتمتع بالمرونة والخفة إلى جانب المتانة، والمصفحة بألواح الآجر، كما استُخدم حجر الترافرتين لتأطير الأبواب والنوافذ والمقولبات.

مُهندس الانتصارات

جاء العمود التراجاني، الذي بناه أبولودور للاحتفال بانتصارات تراجان في داسيا، على شكل مئذنة أسطوانية تتألف من 20 أسطوانة رخامية ضخمة مكدسة فوق بعضها البعض، وصنعه من الرخام الإيطالي الأبيض (كارارا) الذي استخدمه مايكل أنجلو لاحقاً في تمثال ديفيد الشهير. استخدم أبولودور في بنائه أسلوباً غير مسبوق في تصميم النصب التذكارية، وقد اتّبعه كثيرون من بعده في قسطنطينة وألمانيا وفرنسا.

يميز تصميمه الخارجي إفريز ملتف منحوت على شكل نقوش حلزونية، مستوحى من المنحوتات الآشورية، تبدأ من الأسفل وتسرد قصة انتصار تراجان في داسيا، عبر مشاهد لجنود يحتفلون ومن خلفهم جسر الدانوب، يحوي بداخله درجاً لولبياً يوصل إلى منصة المشاهدة في الأعلى، ونجد تراجان حاضراً رمزياً بتمثال برونزي، متوجاً للعمود، وقد صُممت الغرفة في قاعدة العمود لتكون بمثابة قبر تراجان، حيث دُفن رماده فيها، ليمثل العمود بذلك قصة تراجان، الذي يظل على الأرض مع شعبه، بينما فتوحاته تصعد معه إلى الجنة. عام 1588، استبدل البابا سيكتوس الخامس تمثال تراجان المثبت في أعلى العمود بتمثال القديس بطرس.