Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل الإنسان حر؟ (الجزء العاشر)

اهتم برتراند راسل بهذه المسألة من منطلق الفردانية وتحقيق ذاتية الفرد

لم ير برتراند راسل بديلا للحرية الفردية تجاه الفكر الجمعي في أي من النظريات السياسية (أ ف ب)

في الحلقة التاسعة، سردنا رؤية هنري برغسون المغايرة في مفهوم الحرية، فالقرار الحر ينبع من الروح بأكملها، وأن الفعل الحر ثمرة تقدم داخلي تلقائي يقترن بالأنا الأساسي، وبذلك، فإن الحرية هي مجموع تاريخ الشخص وذاكرته، إنها تعبير لأفعاله التي تتماهى مع الأنا فحسب، ومن هنا، نقد مفهوم الحرية عند كانط، لأنه يمتد إلى عالم خارجي.

راسل (1872-1970)

اهتم برتراند راسل بمسألة الحرية من منطلق الفردانية وتحقيق ذاتية الفرد، فهو المؤهل لفعل الخير في هذا العالم، وأن التطور الحر في تنمية الفرد يجب أن يكون الهدف الأسمى لأي نظام سياسي يفترض فيه أن يعيد تنظيم العالم، إلا أن راسل مثل هيغل، لم يقدم تعريفاً واضحاً ومحدداً إلى مفهوم الحرية، وأخذ بالمفهوم التقليدي السائد، ومع ذلك، فهو يرى أن الحرية هي الحق لأكبر عدد ممكن من الناس بأن يفعلوا ما يشاؤون، ما دام ذلك لا يتعارض مع حرية الآخرين بأن يفعلوا الشيء نفسه.

وبحسب قول راسل، فإننا نتعلم أننا أحرار ليس على أساس العلاقات الاجتماعية، وإنما من خلال هذه العلاقات بين الناس، فالذي لا يتعاون مع الآخرين ويخضع نفسه للتجاوب معهم بتقبل الالتزامات والمسؤوليات، فإنه فرد فوضوي لا يحبذ العمل الجمعي، ومن أجل أن يتفادى الإنسان الآثار الشريرة الناجمة عن هذه العلاقات الاجتماعية، عليه استبعادها كلها والعودة إلى مجتمع أكثر حرية وأقل تعرضاً للقيود والأعراف الاجتماعية، كما يمكن للإنسان أن يحقق الحرية والسعادة من خلال التصرف الفردي، و"لا أظن أن البشر العاديين يمكن أن يكونوا سعداء من دون منافسة، لأن المنافسة كانت، منذ نشأة الإنسان، الدافع إلى الأنشطة الأكثر جدية". (السلطة والفرد، طبعة إنجليزية).

وفي كتابه "دروب الحرية" 1918، الذي يعرض فيه نظرته النقدية السياسية إلى الفوضوية والاشتراكية والنقابية، وما يتصل بمفهوم الحرية والمشاكل الأكثر إلحاحاً في المستقبل، والدور الذي يمكن أن تؤديه هذه الحركات في المساهمة والبناء بعد الحرب. (الطبعة الإنجليزية).

وكذلك بالنسبة إلى مقالاته "الحرية والجامعات" و"التفكير الحر والدعاية الرسمية" و"ما الذي أؤمن به؟" وغيرها، التي يدافع فيها عن الحرية، إذ يهدف راسل إلى تبيان أهمية الحرية الفردية من جهة، وإلى الخطورة من القوى القمعية للحريات من جهة أخرى، خصوصاً القوى التي تدعي أنها تدافع عن الحرية، بينما هي في الحقيقة سلبية ومتناقضة ومتصارعة، لذلك علينا أخذ الحيطة والحذر منها، كما كان الصراع بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، فكلاهما رفع شعارات جذابة كاذبة، فالشيوعيون ادعوا أنهم حرروا الناس من القمع الاقتصادي الرأسمالي، لكنهم على أرض الواقع استعبدوهم تماماً لمصلحة الحزب والدولة وبعض المتنفذين، أما الليبراليون (الأحرار) فزعموا أن الناس أحرار كلياً في خياراتهم الاقتصادية والسياسية، بيد أنهم استعبدوا الناس اقتصادياً وسياسياً لمصلحة أصحاب النفوذ والثروة والسلطة، وهنا، تجد أن هاتين القوتين متشابهتان في قمع الناس، وتقفان على طرفي الصراع مع ما فيهما من تناقضات تجاه بعضهما بعضاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من ذلك، فإن راسل الذي أولى عناية خاصة بالحرية الفردية في الممارسة والتعبير والنقاش، لكنه يساري في السياسية، واشتراكي في الاقتصاد، من دون أن يرى أي تناقض في الجمع بين هذه الأفكار المتنافرة، بل يعتقد أن تبنيها وصياغتها في بوتقة واحدة هو المعنى الحقيقي في الدفاع عن الحرية. والنهج الذي سار عليه، أن أزاح الليبرالية الاقتصادية لتعارضها الواضح مع الحرية جراء تطور الرأسمالية عما كانت عليه في الماضي، وكذلك أبعد الهجوم على حرية التعبير والديمقراطية من طرف اليساريين، لتعارضها مع الحرية أيضاً، وأخذ من الجانبين كل ما يتعلق في مصطلح الحرية، فالمهم عنده الدفاع عن الحرية لا الانتماء إلى جهة سياسية معينة.

ولذلك لم يرَ راسل بديلاً للحرية الفردية تجاه الفكر الجمعي في أي من النظريات السياسية، لا سيما التي تذوب الفردانية في فكرها وممارساتها، مثل الشيوعية والفاشية والنازية. وعلى الرغم من أن راسل اشتراكي النزعة، لكنه يقف إلى جانب الفوضويين الذين يركزون بشدة على الفردية، فالحرية إنما هي حرية الفرد في الاختيار لكل ما يناسبه في حياته دينياً ومهنياً وسياسياً... إلخ.

ومع هذا، بحسب تصور راسل، لا توجد هناك عقيدة بعينها يمكن أن ننطلق منها في مواجهة أعداء الحرية، فالليبرالية والماركسية والاشتراكية وغيرها لا تضمن لنا المسعى نحو الحرية، بل إنها استخدمت عقائدها بفعالية لقمع الحرية باسم الحرية ذاتها. في حين أن الحرية قيمة ثابتة، وليس الحزب السياسي أو المذهب الديني هو الثابت والمقدس، هذا ما يؤمن به راسل، ويؤكد ألا ننحاز لطغيان جهة تريد أن تحكمنا باسم الحرية.

وفي مقالته "الحرية والجامعات" 1940، التي وضح فيها "أن الحرية لا يمكن أن توجد بشكل فعال حيث يُفهم أنها لا تعني أكثر من اختلافات التسامح حول الأمور ذات الأهمية الصغيرة"، إذ يبين دور الحرية في مواجهة الاستبداد، خصوصاً إذا اشتد طغيان الأكثرية في المجتمع الديمقراطي، فسوف يشكل تهديداً حقيقياً إلى الحرية. فالحرية الأكاديمية لها ميزتها الخاصة في حياة المجتمعات، إذ إنها من المصادر المهمة في التقدم والتحرر وتشجيع قيم الحوار، وبذلك لا يجوز تقييم الأساتذة بحسب لونهم أو دينهم أو توجههم السياسي، بل وفق خبرتهم وقدرتهم في الموضوع الذي يختصون فيه، إلا أن خصوم الحرية الجامعية يضعون اعتبارات أخرى، إذ يرون على المدرس ألا يحمل أفكاراً تناقض سياسة السلطة. وتطرق راسل إلى أوضاع ونقاط كثيرة جرت في هذا السياق، لكن السبب الرئيس الذي دفع راسل إلى كتابة هذه المقالة، ليس فقط إيمانه القوي بالدفاع عن الحرية، بل إن جامعة نيويورك طردته من التدريس فيها بقرار قضائي، بدعوى أنه فاسد أخلاقياً، إذ يحث الناس علناً على التحرر من القيود القانونية والاجتماعية المفروضة على الحياة الشخصية.

صفوة القول، إن مجمل مفهوم راسل للحرية قد استمده من أفكار ديفيد هيوم وجون ستيوارت ميل والمنهج الليبرالي نفسه الذي ارتبط به أباً عن جد، لذلك كانت الفردانية هي العصب النابض في نظرته إلى مشكلة الحرية. أما الذين يقولون إن راسل لم يتبحر جيداً في نظريات علم الاجتماع السابقة عليه، لذا لم يتمكن من تقديم تعريف دقيق إلى مصطلح الحرية، فلا أظن هذا القول صائب، فعقلية كبيرة مثل راسل لا تفوته مثل هذه الإحاطة، كما أن الحياة الطويلة التي عاشها، والتطورات الفكرية التي مرّ فيها، كان باستطاعته تدارك ما فاته، لكن هي هكذا نظرته إلى الحرية، فهو يؤمن بحرية الفرد ويجمع لها ما ينميها ويطورها وفق المعطيات والمتغيرات الحياتية والاجتماعية، حتى أنه كان يقود الاحتجاجات في لندن مطلع ستينيات القرن الماضي، المناهضة إلى السلاح النووي خوفاً على مستقبل الإنسانية وحريتها.

المزيد من آراء