وجاءت أيام الصحوة

المرور بمرحلة تيار الإسلام السياسي كان لابد منها في ظل الظروف الموضوعية آنذاك

عرفت السعودية في ثمانينات القرن الماضي انتشار أشرطة صوتية  لخطابات من وصفوا بالصحويين (مصدر الصورة : تويتر)

في يوليو (تموز) من عام 1956، قام الرئيس المصري جمال عبدالناصر (1918 ــ 1970)، وفي الذكرى الرابعة لثورة يوليو، بإلقاء خطاب أمم فيه قناة السويس، مما أدى إلى حملة عسكرية ثلاثية (فرنسية، وبريطانية، وإسرائيلية) على السويس وبقية مدن القناة المصرية، فيما عرف بالعدوان الثلاثي، وذلك في يوم 29 أكتوبر (تشرين الأول) من نفس العام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

انتهت الحملة بانسحاب الدول الثلاث من الأراضي المصرية بعد الإنذار السوفيتي في 7/11/1956، وخرج عبد الناصر منتصرا سياسيا وبطلا من أبطال التاريخ العربي المعاصر. بعد هذا الانتصار السياسي، أخذت أيديولوجيا القومية العربية تنشتر انتشار النار في الهشيم في العالم العربي، خلال فترة الخمسينيات والستينيات، وهي الأيديولوجية التي كان يبشر بها عبدالناصر، الذي تحول إلى شخصية كاريزمية منذ ذلك التاريخ. ومن "المحيط الهادر، إلى الخليج الثائر" كما كانت الدعاية الناصرية تبشر آنذاك، ومن لم يكن قوميا ناصريا في تلك الفترة، كان يعتبر غير منسجم مع هذه الموجة.

كانت هنالك أحزاب وتيارات قومية حتى قبل ثورة يوليو (البعث والقوميين العرب مثلا)، ولكن الناصرية بعد 1965 كانت هي التيار الجارف لدى جماهير العرب.

بدأ انحسار القومية العربية مع هزيمة يونيو (حزيران) عام 1967، وكانت شهادة وفاتها هي وفاة شخصيتها الكاريزمية جمال عبد الناصر، في 28/9/1970، وأخذ العرب طريقهم في البحث عن أيديولوجية جديدة تحل محلها، إذ يبدو أن العرب غير قادرين على العيش دون أيديولوجية قادرة على حل مغاليق كل أمر.

خلال هذه الفترة، أي منذ هزيمة 1967، أخذ الإسلام السياسي يتنامى في العالم العربي كبديل للقومية العربية المنهارة عمليا، رغم وجود منظرين لها هنا وهناك، ولكن ليس بذات الزخم الذي كان قبل 1967، وأيام زعامة عبد الناصر.

بدأت مقولة إن ما جرى ويجري هو نتيجة البعد عن الدين، وأنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وأن الإسلام هو الحل في النهاية وغيرها من مقولات وجدت أذنا صاغية وعقلا متقبلا لها لدى جماهير ونخب مشروخة الذات، كسيرة الفؤاد بعد الهزيمة. والحقيقة أن الهزيمة لم تكن إلا القشة التي قصمت ظهر البعير، لقد تبين من خلال أسباب نقد الهزيمة أنها لم تكن عسكرية وحسب، بل حضارية وسياسية بحيث يمكن مقارنتها بتلك الصدمة الحضارية التي أصيب بها العرب حين غزا نابليون بونابرت (1769 ــ 1821) مصر عام 1798، وأدى ذلك إلى إثارة سؤال لا يزال قائما لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟

كان من ضمن الإجابات عن هذا السؤال هو البعد عن الإسلام، ولكن تلك الإجابات في جلها كانت معرفية وبحثية، ولم تكن أيديولوجية كما حدث في أعقاب هزيمة 1967، مع استثناء فكر جماعة الاخوان المسلمين في مصر التي تأسست عام 1928.
خلال سبعينيات القرن العشرين، كانت "الإسلاموية"، أو لنقل الإسلام السياسي أو الإسلام الحزبي، خاصة في السعودية ومصر، تطبخ على نار هادئة.
ففي مصر مثلا، كانت أيديولوجية الإخوان المسلمين ذات انتشار واسع منذ الأربعينيات، ساعد على ذلك تقديمها بين "شهداء على مذبح النضال أو الجهاد"، مثل اغتيال المؤسس عام 1949، وإعدام عدد من المتهمين في حادثة المنشية عام 1954، ثم جاء إعدام سيد قطب (1906 ــ 1966) ليقدم على أنه سيد الشهداء، ومسيح حركة الإخوان المسلمين، وليمنح فكر الجماعة زخما جديدا في مصر وبقية العالم العربي.

ومما لا شك فيه أن الإخوان كانوا ملاحقين في مصر، فيما اضطرهم إلى ترك مصر والاستقرار في بلاد أخرى، وخاصة السعودية، التي كانت تعتبرهم سندا لها حيث كان الإخوان يدعمون الدولة السعودية، وكانت الدولة السعودية تعتبرهم صدى لشرعيتها القائمة على الإسلام.
والحقيقة أن السعودية في ظل الحرب الباردة بين السعودية ومصر الناصرية، كانت قد شرعت أبوابها للإخوان المسلمين منذ ستينيات القرن الماضي.

وهم الذين وجدوها فرصة للهيمنة على مراكز ومؤسسات التنشئة الاجتماعية، من مدارس وجامعات ومساجد ومواقع القرار التعليمي، فبدأت مناهج التعليم تبشر بفكرهم وأخذت الأنشطة الثقافية والدعوية تصطبغ بلونهم، ومن خلالهم انبثقت عدة تيارات إسلاموية أخرى، كالسرورية مثلا التي كان مؤسسها محمد سرور زين العابدين إخوانيا ولكنه انشق عنهم، وكذلك السلفية الجهادية التي جاءت نتيجة تلاقح بين منهج السلفية السعودية التقليدية المسالمة منذ هزيمة "إخوان من طاع الله" في معركة السبلة عام 1929، والفكر الإخواني وما تفرع عنه من تيارات منشقة.
 كانت كل هذه التيارات تنمو بشكل مضطرد داخل دهاليز المجتمع السعودي، حتى أتت تلك الأحداث التي أججت هذه التيارات وطرحها المتطرف، فهيمنت بشكل شبه كامل على المجتمع خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات، فيما عرف باسم "الصحوة الإسلامية".
ثلاثة أحداث كان لها الأثر الأكبر في انتشار وهيمنة الصحوة، وهي انتصار الثورة الإيرانية والغزو السوفييتي لأفغانستان، واحتلال الحرم المكي من قبل جهيمان العتيبي وجماعته، وكلها حدثت في عام واحد، 1979.
ففي 1/2/1979، عاد آية الله الخميني (1902 ــ 1989) إلى طهران قادما من فرنسا، وفي الحادي عشر من نفس الشهر انهار النظام الشاهنشاهي وقامت الجمهورية الإسلامية التي أقصت كل التيارات السياسية الإيرانية التي شاركت فيها، وانفرد ملالي قم في السلطة.

 كانت طائفية السلطة الجديدة في طهران واضحة منذ البداية وبنص الدستور اللاحق ويمكن القول أن هذا شأن إيراني داخلي، ولكن ما هو غير داخلي هو طرح إيران الجديد نفسها على أنها تمثل المستضعفين من المسلمين في العالم، وعزمها على تصدير ثورتها إلى بقية ديار المسلمين فالعداء السافر للسعودية تحديدا، ناهيك عن "الشيطان الأكبر" أي الولايات المتحدة.

هنا استنفرت السعودية وهي التي تقوم شرعيتها السياسية على السلفية، وتطرح نفسها كممثل للمسلمين في العالم حيث أنها هي من يحتضن الحرمين الشريفين، ومن هنا بدأت المواجهة بين الطرفين على من سيمثل الإسلام أكثر، وزاد من حدتها احتلال جهيمان للحرم المكي الشريف في 20/11/1979 (الأول من محرم 1400 للهجرة)، مبشرا بظهور المهدي، ومحرما لكل مظاهر التحديث التي كانت تجري على قدم وساق ومن هنا ندرك لماذا تبنت المملكة "الصحوة" رسميا، فقد كانت أي الصحوة ورقة سياسية لابد منها في تلك الظروف، وخاصة بعد الغزو السوفييتي لأفغانستان في نهاية ذلك العام المليء بالأحداث المصيرية.

فقد أدى ذلك الغزو ( بداية من 14/12/1979، وحتى 15/2/1989)، وما تبعه من مقاومة أفغانية إلى تأجيج المشاعر في كل عالم الإسلام، أن أيام الجهاد قد عادت، وأن عصر الفتوحات قد بعث من جديد، وكانت الرواية الخارقة عن مكرمات المجاهدين في أفغانستان وخاصة تلك التي كانت يرويها عبد الله عزام (1941 – 1989) في كتابه "آيات الرحمن في جهاد الأفغان" في عقول وأفئدة مشرعة الأبواب لقبولها، رغم مخالفتها لكل تفكير سليم وكانت عودة هؤلاء "المجاهدين" إلى السعودية بعد انسحاب القوات السوفييتية من أفغانستان، هي مرحلة الخطر الحقيقي، حيث تحولت أفكار الجهاد إلى إرهاب في الداخل (أحداث 1995، 2003 مثلا)، وهنا بدأت الدولة تنتبه لأخطار الصحوة بدءاً من أحداث نيويورك عام 2001، ولكن الوقت لم يكن مناسبا لاجتثاث الصحوة من جذورها، كما هو واضح من فكرة الدولة في ذلك الحين.

وكانت بداية التخلص من الصحوة وآثارها، هو قرار وزارة الداخلية السعودية في 7/3/ 2014 اعتبار جماعة الاخوان المسلمين جماعة إرهابية، وهي الجماعة التي انبثقت عنها كافة التيارات الإسلاموية المتطرفة ومن ثم الإرهابية أما الاجتثاث الفعلي للصحوة فقد بدأ مع مجيء محمد بن سلمان لولاية العهد في السعودية وجهوده لبناء سعودية جديدة.

الخلاصة لحديث يبدو أنه طال: كانت الصحوة والمرور بها مرحلة لابد منها في ظل الظروف الموضوعية آنذاك (الثورة الإيرانية، والغزو السوفييتي لأفغانستان واحتلال الحرم)، والظروف النفسية للجماهير العربية عامة بعد هزيمة 1967، وانكسارات الذات العربية بشكل عام.
لقد انحسرت الموجة القومية عن أرض يباب، فكان لابد أن يحل محلها موجة أيديولوجية جديدة، فكانت الإسلاموية والصحوة بكل أبعادها، خاصة وأن الظروف الإقليمية والدولية (الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي) كانت تسمح، بل وتشجع على ذلك، ولكن هذا حديث آخر.

المزيد من آراء