Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تيس ستيمسون بين الصراع على الرجل والصراع معه

 "حصاد القلوب المفطورة" رواية جريمة على الطريقة الأميركية الواقعية

الروائية الاميركية تيس ستيمسون (صفحة الكاتبة على فيسبوك)

الصراع على الرجل هو محور الأحداث في رواية "حصاد القلوب المفطورة"، الصادرة عن الدار العربية للعلوم- ناشرون، بتعريب إسماعيل كاظم، وتأليف الروائية والصحافية الأميركية تيس ستيمسون. وهو صراع يشعله الرجل، وتنخرط فيه مجموعة من النساء، بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، وتسقط فيه ضحايا، وتأكل ناره الرجل الذي أشعله. ويحدُث في فضاء مكاني عام، يتراوح بين لندن وبرايتون وسواهما، وخاص، يتوزع على البيت والمقهى والمطعم والحانة والمكتب والفندق وغيرها. ولا يتعدى زمن الأحداث فيه الأسابيع السبعة.

 الرجل في الصراع هو أندرو بيج، المذيع التلفزيوني ذو الوجه الوسيم والمظهر الأنيق والطول الفارع والشعر الداكن، الذي يخفي خلف هذه المظاهر وحشاً يظهر إلى العلن، بين فينة وأخرى، ليمارس سحره على بعض النساء الجميلات، ويحولهن إلى ضحايا. أما طرفا الصراع المباشران فهما: لويز روبرتس، الأستاذة الجامعية والصحافية المرموقة، التي ترتبط به بعلاقة زوجية، حتى إذا ما وضعت مولودها الثاني، يُغادرها من دون سابق إنذار، وتؤول العلاقة بينهما إلى الطلاق. وكارول بيج، الفتاة الجميلة العاملة في مجال الإعلانات، التي يرتبط معها بعلاقة غرامية، تتمخض عن جنين، وتُفضي بهما إلى الزواج. وهكذا، يتموضع الرجل اللعوب بين زوجة مطلقة، هي أمٌّ لطفلين، لا تزال تحبه، وتسعى إلى استعادته بكل ما أُوتيت من وسائل، وزوجة عشيقة تحبه بدورها، تخشى من عودته إلى الزوجة الأولى، وتبذل كل ما في وسعها للاحتفاظ به، ما يشكل موضوعاً لصراعٍ بين المرأتين، الطليقة والعشيقة، يتخذ تمظهرات شتى، وتُستخدَم فيه أسلحة كثيرة، وينخرط فيه آخرون، ويتحول من صراع على الرجل إلى صراع معه، ويتمخض عن نتائج وخيمة وحصاد مُرٍّ.

 أعطاب بنيوية

 لكلٍّ من الشخصيات الثلاث المذكورة أعلاه أعطابها البنيوية التي تحدد خياراتها، وتؤثر في مساراتها، وتُسهم في صنع مصائرها؛ فأندرو، المتحدر من أبٍ مهندس وأمٍّ أمينة مكتبة، يفقد والديه، في مطلع شبابه، ويعيش وحدة قاتلة، ما يفسر حاجته إلى الانتماء إلى أسرة، من جهة، وانخراطه في علاقات غرامية متعددة، من جهة ثانية، في محاولة منه، واعية أو غير واعية، للتعويض عن دفء أُسَري مفقود وحرمانٍ عاطفي مزمن. ولويز، المتحدرة من أسرة متوسطة، يُحدِث فيها موت أخيها البكر ديدي في حادثة سير عطباً كبيراً، فتُصاب بمتلازمة "التدهور الوظيفي للنظام" التي تتمظهر في محاولة لفت أنظار الآخرين وإثارة اهتمامهم بكل السبل المتاحة، حتى أنها لا تتورّع عن طعن نفسها للمحافظة على علاقتها بأستاذها الجامعي روجر لويسون، ويأتي رحيل أندرو المفاجئ عنها ليفاقم من هذه الحالة المَرَضية. وكارول، المتحدرة من أسرة متواضعة، لأبٍ يدأب على التحرش الجنسي بها ويموت في الحادية عشرة من عمرها، وأمٍّ تعجز عن وضع حدٍّ له وتحاول الانتحار وينتهي بها المطاف في دار رعاية، تحاول أن تتحرر من ماضيها بالتفاني في دراستها وبانتحال خلفية اجتماعية راقية. ولعل هذا ما يفسر إغواءها أندرو الذي يكبرها بعشرين عاماً، فهو يمثل الأبوَّة البديلة في بعدها العاطفي، ويشكل تمسكها بها قشة النجاة لبلوغ الضفة الأخرى.

تثير الدعوة التي توجهها سيليا روبرتس، والدة لويز، إلى صهرها السابق أندرو وزوجته كارول، للمشاركة في اليوبيل الذهبي لزواجها، تعجب كثيرين، لا سيما أنها تنكأ جراح ابنتها لويز التي استغرقت أربع سنوات لتتجاوز مفاعيل طلاقها منه. وتذكي أُوار صراع قديم أوشك أن يخمد. وهو صراع تعدت تمظهراته البيت إلى العمل، وانخرط فيه إلى جانب لويز كلٌّ من: زوجة شقيقها الطبيبة مين بولوك، وأمها سيليا روبرتس، وصديقتها تينا ماردوخ، ومديرها في العمل باتريك تاتشر. وانخرط فيه إلى جانب كارول صديقتها أنجي لارك، وأمها روث كلارك، ومساعدها في العمل أي. جي. واستُخدِمت فيه أسلحة شتى؛ فلويز تقوم بالتنمّر على ضرّتها، وتقبل دعوة أندرو للإقامة المؤقتة في بيتها، وتقبل عرض العمل في الوكالة نفسها، وتهاجمها في منزلها، وتحور الوقائع للإيقاع بها، وتنبش في ماضيها، وتتهمها بقتل زوجهما المشترك، من جهة، وكارول تعيّرها باضطرابها النفسي، وتتسبب في فسخ عقد عملها مع الجامعة، وتُسمّم قطها، وتَشي بها للشرطة، وتتهمها بقتل زوجهما المشترك أيضاً، من جهة ثانية.

 تحول نوعي

 خلال تمظهرات الصراع المتعاقبة، تنتاب كلاًّ من المرأتين المتصارعتين موجات من المشاعر المتضاربة، يختلط فيها الحب والكره والشك والحذر والغيرة والحسد والحقد وغيرها، وتكتشف كلٌّ منهما أن أندرو يتلاعب بها، يخون ويكذب، ويُقيم علاقات غرامية متعددة، ولا يتورَّع الوحش الذي فيه عن ممارسة الجنس مع ابنته بيلا وصديقتها تايلر، والتسبب في حملِ كل منهما، الأمر الذي يحدث تحوّلاً نوعياً في شخصيتي لويز وكارول؛ فتتحرر الأولى من رغبتها في استعادته، وتكتشف سخف المعركة التي خاضتها ضد الثانية. وتتحرر الثانية من رغبتها في الاحتفاظ به، وتقرر بتشجيع من أمها المقيمة في دار الرعاية تخليص ابنته من شره، لعلهما تتحرران من عقدة قديمة، وتثأران بقتل أندرو من الأب الذي كان يغتصب ابنته، ولو بعد سنوات طويلة. وإذ تغتنم كارول حفل اليوبيل الذهبي وإقامتها مع أندرو في منزل منعزل على الشاطئ لتنفيذ قرارها، فتخلص الضحايا من شرور الرجل الوحش، وتعجز عن التنفيذ، تقوم سيليا روبرتس، والدة لويز، بذلك، ما يفسر إصرارها على دعوته إلى الحفل. وهكذا، تلتقي المتصارعات على مصلحة واحدة، وتُجمع كل من سيليا ولويز وكارول وروث وبيلا وتايلر ومين على التخلص من أندرو وشروره، ويؤدي تقاذف المسؤوليات بينهن إلى تجهيل الفاعل، ويتحول الصراع على الرجل إلى صراع معه، يدفع فيه ثمن ما ارتكبت يداه.

 تبدأ "حصاد القلوب المحطّمة" من النهاية، وتتخذ مساراً دائرياً يتقاطع فيه الفصلان الأول والثالث والأربعون، في تصوير أندرو غارقاً في دمه في بيت منعزلٍ على الشاطئ، وحوله كارول ولويز، وقد تلطخت كلٌّ منهما بالدماء. وبين الفصلين واحد وأربعون فصلاً تتعاقب، على مدى سبعة أسابيع، في نوع من العد العكسي، وتشكل مقدمات للنتيجة التي تبدأ بها الرواية وتؤول إليها. على أن فصلَيْن آخرَيْن تفصلهما عن الفصول الأخرى فجوة خمسة أشهر يشكلان ذيلاً للرواية تُحدّد فيه مصير لويز وكارول، وتعترف فيه سيليا بفعلتها والأسباب التي حدت بها إلى القيام بها.

توزع ستيمسون الفصول الخمسة والأربعين في روايتها على أربعة رواة مشاركين، يمثل كلٌّ منهم سلكاً روائياً، يطول أو يقصر حسب أهمية الراوي ومقتضيات الروي. فَتُسند إلى كلٍّ من طرفي الصراع، لويز وكارول، عشرين فصلاً وتعدل بينهما، وتُكلف مين روي أربعة فصول، وتترك لسيليا فصل الختام الذي تعترف فيه بفعلتها، وكيفية تنفيذها، وأسباب قيامها بها. على أن العلاقة بين الفصول المختلفة تقوم على التعاقب الخطّي بين فصول السلك الواحد، من جهة، وتقوم على التناوب بين فصول الأسلاك المختلفة، من جهة ثانية، ما يتيح للخطاب الروائي فرصة الجمع بين الاستمرارية الفصلية والتنوع السلكي، في آن.

 إلى هذا التنوع السلكي، ثمة تنوع زمني ونمطي في الخطاب الروائي، يمثله اثنا عشر محضر تحقيق مع اثني عشر شاهداً أو مُشتَبَهاً فيه في ارتكاب الجريمة، تتوزع بين الفصول الخمسة والأربعين بوتيرة معينة. ويتمظهر التنوع الزمني في أن المحاضر تعقب الجريمة بينما يسبقها واحد وأربعون فصلاً ويتزامن معها فصلان اثنان ويليها فصلان. ويتمظهر التنوع النمطي في الفارق بين النمط السردي الطاغي على الفصول والنمط الحواري في محاضر التحقيق. وعلى الرغم من هذا التنوع الزمني النمطي الذي تضفيه محاضر التحقيق على الخطاب، فإنها لا تضيف شيئاً إلى الحكاية باستثناء تحديد موقع المحقق معه من الصراع الدائر بين المرأتين، ما يجعلها مقحمة على السياق الحكائي، وجودها لا ينفع وحذفها لا يُضر.

 بهذا الخطاب الروائي، تقول ستيمسون التبعات المترتبة على الصراع بين النساء، أياً كان موضوعه، من جهة، وتقول عائدات التضامن بينهن، من جهة ثانية. في الحالة الأولى، تدفع المرأة الأثمان الباهظة بأشكال مختلفة. في الحالة الثانية، تجني ثمار التضامن، وتتخلص من الشرور المتربصة بها، وتأخذ مصيرها بيدها.

المزيد من ثقافة