Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

متلازمة أفغانستان وأفول الإمبراطورية الأميركية

هل بدأت الولايات المتحدة فقدان "المكانة المتفوقة" حول العالم؟

جنود أفغان يتجولون في قاعدة عسكرية أميركية تم تسليمها عام 2020 في منطقة أتشين (غيتي)

مع الانسحاب الأميركي المرتبك والقلق من أفغانستان، ارتفع التساؤل مرة أخرى عن مصير الحضور الأميركي حول العالم، وهل ما يجري هو بداية مرحلة الأفول الإمبراطوري، أم نهاية الهيمنة الأميركية، تلك التي سادت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبلغت أوجها في نهاية الثمانينيات، حين تفكك الاتحاد السوفيتي، ووقتها بشر الرئيس الأميركي جورج بوش الأب، بما سماه "النظام العالمي الجديد"، والذي لم يكن سوى بسط أميركا لقوتها ونفوذها حول العالم برمته، لا سيما وأن نجم الصين لم يكن قد علا بعد.

لكن هذا الانفراد بمقدرات الكون، من الواضح أنه لم يتجاوز العقود الثلاثة، ما يعني أننا أمام أقصر إمبراطورية عمراً، مقارنة بإمبراطوريات دامت من قبل مئات السنين كالفارسية والرومانية، والعثمانية والبريطانية وغيرها.

ترى هل من علاقة عضوية ما بين الانسحاب من أفغانستان، وبداية العودة الأميركية للتمترس وراء المحيطين، الأطلسي من الشرق والهادي من الغرب؟

المعروف أن أفغانستان هي مقبرة الإمبراطوريات، وأنه ما من قوة غازية خارجية استطاعت الانتصار عليها، لكنه في الحالة الأميركية، لا يمكن القطع بأن نهاية الهيمنة الأميركية موصول بذلك الانسحاب، بل ربما يكون الأمر على العكس من ذلك، أي أن الخلاص من عبء أفغانستان يحرر يد أميركا وكاهليها من أعباء جسيمة، لم تعد في حاجة إلى تحملها.

وفي كل الأحوال تبدو هناك وجهتا نظر متقابلتان، الأولى تقطع بأن خسارة المكانة الأميركية المتفوقة باتت بالفعل على الأبواب، الثانية ترى أن العالم سيحيا مع قرن آخر من الهيمنة الأميركية.

 في هذه السطور نحاول تقييم وجهة النظر الأولى، ولنا عودة في قراءة مقبلة مع أصحاب التيار الآخر.

فقدان الهيمنة العسكرية بداية الأفول

ترى هل يبدأ الأفول والتراجع القطبي من عند السياسة أم الاقتصاد؟ هناك من يرى أن الهيمنة تسقط بسقوط المقدرات العسكرية، وهو ما يحدثنا عنه المؤرخ الكبير، إدوار غيبون، في رؤيته لما جرى للإمبراطورية الرومانية، تلك التي سقطت على يد قبائل القوط.

 نفس الأمر يمكن أن ينسحب على الولايات المتحدة الأميركية التي تتراجع مقدراتها العسكرية، لا سيما بعدما فقدت العديد من علامات قوتها الضاربة مثل أسطول حاملات الطائرات.

نهار ثلاثاء 23 فبراير (شباط) الماضي، نشرت صحيفة "واشنطن بوست" تقريراً متخصصاً أشارت فيه إلى أن روسيا والصين تقومان على إنشاء أنظمة دفاعية معقدة باستخدام تكنولوجيا حديثة، فيما تتصرف الولايات المتحدة وفق مخططاتها الاعتيادية.

التقرير الذي نشرته الصحيفة الأميركية الكبيرة والمعروفة بقربها من صانع القرار في البيت الأبيض، صادر عن مركز الأمن الأميركي الجديد، ويحمل تقييماً لما وصلت إليه العمليات الأميركية العسكرية في الخارج، وكيف أنها باتت عند نقطة تحول، ففي الماضي كان من الصعب مواجهة حاملات الطائرات الأميركية بأي شكل من الأشكال، لكن الوضع تغير الآن جذرياً، فدول مثل روسيا والصين أجريتا خلال السنوات الأخيرة تحديثات مهمة في قواتها المسلحة تلغي التميز العسكري الأميركي.

بعد تقرير "واشنطن بوست"، جاءت مجلة "ناشيونال أنترست" الرصينة، لتفتح الجرح عينه مرة جديد، وبتفصيلات أكثر، وذلك من خلال ما أورده كاتب العمود، مارك كاتس، بشأن علامات الأفول المواكبة لانحدار الهيمنة الأميركية.

من بين النقاط التي تناولها كاتس عدم مقدرة أميركا إبقاء يدها فوق كل يد في العمليات العسكرية واسع النطاق وطويلة الأمد في أفغانستان والعراق.

إضافة إلى ذلك ردها الضعيف على روسيا، في أحداث عام 2008 في جورجيا و2014 في أوكرانيا، ناهيك عن فشلها في منع الصين من تعزيز قوتها، وتأكيد هيمنتها في بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي.

وفي كشف الحساب أيضاً تنازل واشنطن لموسكو وطهران وأنقرة، عن تسوية النزاعات في الشرق الأوسط، في سوريا واليمن، وكذلك في ليبيا بشمال أفريقيا.

نجحت روسيا في إنشاء نظام دفاع جوي في بحر البلطيق، كفيل بردع السفن الحربية الأميركية.

أما الصين، فقد أنشأت نظاماً متكاملاً يدخل فيه أيضاً أحدث الصواريخ "أرض - جو"، والصواريخ المجنحة المضادة للسفن، والغواصات والطرادات الصاروخية والطائرات، لتكون بذلك قد أنشأت نظاماً يحمي من التهديدات البحرية وذا قدرة لإبقاء العدو على مسافة كافية من المناطق الإستراتيجية المهمة.

بريجنسكي ونهاية الهيمنة الأميركية

حديث الأفول في واقع الأمر ليس وليد اليوم، وغير مواكب للانسحاب من أفغانستان، فالقضية شغلت عقول كبار الساسة الأميركيين، وفي مقدمهم حكيم أميركا ومستشار الأمن القومي في زمن إدارة جيمي كارتر البولندي الأصل، زيجينو بريجنسكي.

 في عام 2016، أي قبل وفاته بعام، كتب بريجنسكي ورقة مطولة عن نهاية الأحادية الأميركية، جاء فيها: "بحكم أن حقبة هيمنتها العالمية قد ولت، فإن الولايات المتحدة بحاجة إلى أخذ زمام المبادرة في إعادة تنظيم هندسة القوة العالمية".

يذهب بريجنسكي إلى أن الولايات المتحدة ما زالت الكيان الأقوى اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، إلا أنها وفقاً للتحولات الجيوبوليتيكية المعقدة في التوازنات الإقليمية، لم تعد القوة الإمبراطورية على الصعيد العالمي.

يعتقد بريجنسكي أنه لم تكن هناك يوماً قوة عالمية "مهيمنة" حتى بروز أميركا على الساحة العالمية، فقد كانت بريطانيا العظمى الإمبراطورية قريبة من أن تكون قوة مهيمنة ، إلا أن الحرب العالمية الأولى والثانية لم تفلسها اقتصادياً وحسب، لكنها دفعت لظهور قوى إقليمية منافسة، فالواقع العالمي الجديد الحاسم، بعد الحربين العالميتين، كان ظهور أميركا في المشهد بوصفها اللاعب الأغنى والأقوى عسكرياً في الوقت ذاته، وخلال القرن العشرين ما من قوة أخرى استطاعت أن تقترب من أن تكون كذلك.

 لكن على الرغم من هذا الوضع غير المسبوق، فإن بريجنسكي يعترف بأن تلك الحقبة في طور النهاية اليوم، ويبقى هناك ما يشغله حقاً... ماذا عن ذلك؟

الهزيمة العسكرية ومخاوف الفوضى العالمية

ولأن بريجنسكي أحد أهم العقول الإستراتيجية في القرن العشرين، منذ عمله مستشاراً للأمن القومي، وشغله عدة مناصب كمستشار وأكاديمي في مؤسسات عدة منها مجلس العلاقات الخارجية، والمجلس الأطلسي، والوقف الوطني للديمقراطية، والأكاديمية الأميركية للفنون والعلوم، فإن الرجل قادر على أن يضع يده على مواطن الخطر والضعف التي يمكن أن تحيق بالعالم من جراء أي انكسار عسكري أميركي.

تتبدى مخاوف بريجنسكي من عند أنظمة التسليح الجديدة، تلك التي يمكن أن توفر لبعض الدول، ما أطلق عليه، العناق النووي، وربما تتفوق بعضها على الولايات المتحدة.

هنا كان بريجنسكي استشرافياً إلى أبعد حد ومد، وقد رأى من بعيد أمرين:

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 الأول: هو صحوة روسيا القومية، والتي ترجمت في الأعوام الأخيرة في سلسلة من الابتكارات العسكرية الفائقة الخطورة، مثل الأسلحة الفرط صوتية، والصواريخ النووية الجهنمية من عينة "سارامات" القادر على حمل عشرة رؤوس نووية، كفيلة بإحداث دمار عالمي.

 الثاني: هو توجهات الصين الشعبية على صعيد القوى غير التقليدية، فقد اكتشفت الأقمار الصناعية الأميركية، ما يشبه سوراً صينياً جديداً، لكن هذه المرة تحت الأرض، وبه عيون تتسع لصواريخ نووية.

 كان هذا هو الجدار النووي الذي تحلم به الصين، جدار نووي يصل إلى عشرة آلاف رأس، أي أكثر مما تمتلكه الولايات المتحدة نفسها من رؤوس.

ومن دون الخوض في تفاصيل تخمينية، فإن اكتساب بعض الدول غير المتوقع للقدرة على هزيمة التفوق العسكري الأميركي يعني نهاية الدور الأميركي العالمي... لكن ما النتيجة المتوقعة؟

يخلص بريجنسكي إلى أن الفوضى العالمية يمكنها أن تدب حول الكرة الأرضية، وربما تحتاج إلى عقود طوال حتى تعرف الخليقة بدايات الاستقرار، وهذا هو السبب الذي يستدعي قيام أميركا بصياغة سياسة هدفها تحويل أحد الخصمين اللدودين المهددين، روسيا والصين، على الأقل إلى شريك في السعي إلى استقرار إقليمي ثم لاحقاً على مستوى عالمي أوسع.

هل جاءت قراءة بريجنسكي لتدق جرس إنذار للولايات المتحدة، الدولة التي لا يمكن الاستغناء عنها؟

خلاصة الحديث المطول للرجل الحكيم، تتمحور حول ضرورة نجاح الولايات المتحدة في احتواء الدولة الأقل قابلية للتنبؤ بتصرفاتها، والتي هي الخصم الذي يرجح أن يتمادى ضد الولايات المتحدة، وقد حدد بريجنسكي تلك الدولة في الوقت الراهن وهي روسيا، لكن على المدى الأبعد فتح الباب لأن تكون الصين.

وبما أن السنوات العشرين المقبلة قد تكون المرحلة الأخيرة من الاصطفافات أو التحالفات السياسة الأكثر تقليدية والتي ألفناها وتطورنا عبرها بأريحية، لذا فإن الاستجابة السياسية الأميركية تحتاج لأن ترسم وتشكل الآن.

تدفعنا ورقة بريجنسكي للتساؤل ومن جديد هل الأفول ونهاية الهيمنة موصولان بفكرة الدولة التي يمكن أم لا يمكن الاستغناء عنها؟

لماذا يتراجع النفوذ الأميركي عالمياً؟

خلال حملته الانتخابية، قال حاكم أركنساس الشاب، بيل كلينتون، إنه ينوي أن يجعل من الولايات المتحدة الأمة التي لا يمكن الاستغناء عنها، مضيفاً أنها ستكون الأمة التي ترغب كل دول العالم في عقد الصفقات معها وتلجأ إليها بحثاً عن الحلول.

بعد ذلك بسنوات كررها باراك أوباما عام 2007 في حملته الانتخابية، فهل تحقق هذا الهدف بالفعل للولايات المتحدة؟

الحال يغني عن السؤال، والسؤال طرحه، ولي نصر، عميد معهد "بول. أتش. نيتز" للدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جون هوبكنز الأميركية في واشنطن، والذي عمل مستشاراً للسفير ريتشارد هولبروك المبعوث الخاص للرئيس باراك أوباما إلى أفغانستان وباكستان، وعضو مجلس العلاقات الخارجية الأميركي.

 في مؤلفه الشهير: "الأمة التي يمكن الاستغناء عنها"، يتساءل نصر "لماذا وعلى الرغم من كل هذه القدرات والإمكانيات يتراجع النفوذ الأميركي حول العالم؟

الجواب عنده يكمن في الكيفية التي مارست بها أميركا قدراتها وإمكانياتها، وكيف تمت إدارة هذه القدرات. كما يكمن الجواب أيضاً في التصور الذي ترى فيه أميركا دورها الحالي والمستقبلي.

نصر كأميركي يرى أن قيادة العالم قد بدأت تفلت من قبضة الأميركيين، لا بسبب الخمول الاقتصادي الذي عانت منه البلاد، أخيراً، وإنما السبب الحقيقي هو عدم اليقين من حقيقة الدور الأميركي في قضايا الكوكب البارزة.

يقول نصر: "لقد دأبت الولايات المتحدة على سلوك مسلك عسكري واتخاذ مقاربات عسكرية في مفاصل سياستها الخارجية، الأمر الذي حطم سمعتنا عند الحلفاء والأصدقاء على حد سواء. والآن أضفت ملامح التضارب والتناقض في طريقتنا لملاحقة مصالحنا الشكوك حول جدارتنا بقيادة العالم.

عبارات نصر ولي تفتح الطريق لتساؤلات عميقة حول الدور السلبي الذي تسبب فيه الرئيس الأميركي، باراك أوباما، ذلك الذي تجرأ زيفاً على الأمل، وفضل القيادة من وراء الكواليس، فهل كان أوباما أحد الأسباب التي عجلت بالأفول الإمبراطوري؟

يمكن أن يكون ذلك كذلك، فقد كان الهدف الأميركي خلال ثماني سنوات من إدارته تنحصر في تكبد أقل التكاليف، وأن تكون في أضيق حالات التماس مع المشكلات، وأن تفعل القليل فقط، وأن تترك خلفها القليل فقط من البصمات.

 كان على الأميركيين إذن أن يتوقعوا تأثيراً أقل، وأن يستعدوا ليكونوا على غير صلة بمخرجات ونتائج الحلول والعواقب التي ستنتج في النهاية، وألا يكترثوا إن كانت هذه النتائج تتضمن عواقب وخيمة وكوارث كبرى أم نتائج مقبولة.

هنا تبدو المعادلة طبيعية... إذا كنت ستفعل القليل، فعليك أن تتوقع نتائج لا تراعي مصالحك إلا قليلاً أيضاً.

هذا يعني أن أميركا انتقلت من مرحلة "القيادة في كل مكان"، إلى مرحلة "لا مكان للقيادة"، خلال عقد من الزمن. هذه كانت الخاتمة المفاجئة لعقد طويل من الغزوات في الشرقين الأدنى والأوسط.

فوكوياما... أميركا لن تسترجع هيمنتها

حين انقضت ولايتا باراك أوباما، وصل إلى البيت الأبيض دونالد ترمب حاملاً شعار، "أميركا عظيمة" مرة أخرى.

كانت رؤية ترمب تميل جهة تيار الانعزاليين، بمعنى أولئك الذين يرون أن الولايات المتحدة ليست شرطي العالم أو دركه، وأنه قد حان وقت انسحابها من الحروب التي كلفتها الدم والمال، سواء كان الانسحاب من أفغانستان، أو من الشرق الأوسط الذي لا توجد فيه إلا الرمال والموت ، كما قال ذات مرة في إحدى خطبه.

هل كان الانسحاب صنواً للفشل الأميركي في الترويج للنموذج الرأسمالي الأميركي، ذاك الذي اعتبره ذات مرة المفكر السياسي الأميركي الجنسية، الياباني الأصل، فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ ومشتهى الأجيال، إن جاز التعبير؟

لم يكن فوكوياما بعيداً عن الحوار الدائر حول الهيمنة الأميركية ومآلاتها بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان، فقد نشرت مجلة "ذا إيكونوميست" مقالاً للمفكر الأميركي الإشكالي، ضمن سلسلة مقالات حول مستقبل القوة الأميركية، وفي هذا المقال يتحدث فوكوياما عن الاستقطاب في المجتمع الأميركي كمفسر لتراجع السياسة والمكانة العالمية للولايات المتحدة.

يقطع فوكوياما بأن أميركا بالغت في تقديرها لكفاءة قوتها العسكرية، من أجل إحداث تغيرات سياسية جوهرية، ولم تقدر أهمية نموذجها الاقتصادي الحر في التأثير على الاقتصاد العالمي. انتهى العقد بتورط القوات الأميركية في حربين، وأزمة اقتصادية عالمية، زادت من حدة عدم المساواة، التي أحدثتها العولمة تحت القيادة الأميركية. في تلك الفترة كانت الأحادية القطبية قد بدأت في التراجع، وبدأ العالم في التحول إلى حالة طبيعية من تعدد الأقطاب مع اكتساب الصين وروسيا والهند وأوروبا، ومراكز أخرى في العالم، مزيداً من القوى.

لكن ليس هذا هو سبب تراجع قوة أميركا، وإنما السبب في الداخل، والإمبراطوريات الكبرى تخفق من داخلها، قبل أن يصيبها العطب من الخارج.

يرى فوكوياما أن التحدي الأعظم لمكانة الولايات المتحدة العالمية، ينبع من الداخل، فالاستقطاب في المجتمع الأميركي عميق، وأصبح تقريباً من المستحيل الوصول إلى إجماع على أي شيء. هذا الاستقطاب بدا حول قضايا تقليدية، مثل: الضرائب والإجهاض، ومنذ ذلك تفاقم إلى صراع حول الهوية الثقافية. مطالبة الجماعات التي تشعر بأنها مهمشة من قبل النخبة بالاعتراف بها.

 قبل ثلاثين عاماً اعتبر فوكوياما أن "صراع الهوية" هو كعب أخيل للديمقراطية الحديثة. كان من الطبيعي أن يدفع وجود تهديد خارجي المواطنين للتعاضد من أجل الوصول إلى استجابة مشتركة، غير أن أزمة كوفيد-19 على العكس، أدت إلى تعميق الانقسامات في المجتمع الأميركي، مع قواعد التباعد الاجتماعي وارتداء الأقنعة، والآن التطعيمات التي ينظر إليها كـ"أداة" تخدم أجندات سياسية بدلاً من كونها وسيلة للحفاظ على الصحة العامة.

فوكوياما لا يوفر الحروب الأميركية من أسباب الحالة الأميركية الراهنة، وعنده أنه طوال الحرب الباردة، وحتى أوائل القرن الحادي والعشرين، كان هناك إجماع قوي من النخبة في أميركا حول الحفاظ على موقع قيادي في السياسة العالمية. أدت الحروب الطاحنة التي لا نهاية لها في أفغانستان والعراق إلى عدم قدرة الأميركيين على تحديد أهمية التدخلات الأميركية من عدمها، ليس فقط في الأماكن الصعبة مثل الشرق الأوسط ولكن حول التدخل الدولي بشكل عام.

يتوقف فوكوياما عندما أطلقنا عليه، "متلازمة أفغانستان"، ويرى أن أكبر هزيمة سياسية لإدارة الرئيس جو بايدن خلال الأشهر السبعة التي قضاها في الحكم، هو الفشل في التخطيط السليم لمنع سقوط أفغانستان السريع، على الرغم من اعتقاده أن قرار الانسحاب، كان سليماً.

والخلاصة عند رجل، نهاية التاريخ، هي أنه على الأغلب لن تسترجع أميركا هيمنتها، ولا ينبغي لها أن تطمح لذلك... هل من مخاطر معينة في تشخيص فوكوياما؟

عن أكلاف الغياب الأميركي حول البسيطة

في نهاية طرحه يشدد فوكوياما على أن ما يجب أن تطمح إليه الولايات المتحدة في الوقت الراهن هو الحفاظ على نظام عالمي يحترم القيم الديمقراطية من خلال معرفة غايتها، واستعادة شعورها بالهوية الوطنية.

 هنا التحدي عال وكبير، إذ لم يعد لأميركا كثير من المصداقية كي تحمل بشارة الديمقراطية، وإن كان الرئيس بايدن يخطط لعقد مؤتمر قريب في واشنطن عن تلك القيمة الخلاقة، ولا يعرف نتيجة دعوته حتى الساعة، أو إن كان المدعوون سيلبون الدعوة من منطلق التقدير للدمقرطة أم لتجنب غضبة العم سام.

فيما الإشكالية الأميركية الحقيقية ففي الداخل حيث الروح الأميركية منقسمة على ذاتها، والصراع العرقي أو الطبقي آخذ في التزايد والتمايز.

هل لحظة الانسحاب الأميركي من أفغانستان المكافئ الموضوعي لانسحاب بريطانيا من السويس عام 1956 وبداية أفول الإمبراطورية التي لم تكن لتغيب عنها الشمس؟

المزيد من تقارير