Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل هدف أميركا ضم سوريا إلى منتدى غاز شرق المتوسط؟

بايدن يرفع المساعدات للجيش اللبناني وإدارته تضغط بقوة لتأليف الحكومة

(من اليسار إلى اليمين) وزير البترول المصري طارق الملا ووزيرة الطاقة الأردنية هالة زواتي ووزير الطاقة اللبناني ريمون غجر ووزير النفط السوري بسام طعمة في مؤتمر صحافي مشترك في عمان (أ ف ب)

الاندفاع الأميركي الجديد لتقديم مساعدات إضافية للبنان، سواء للجيش اللبناني، أو لإعفائه من عقوبات قانون "قيصر" إزاء استجرار الكهرباء من الأردن، والغاز من مصر عبر سوريا، طرح الأسئلة ما إذا كانت واشنطن قررت تكثيف تدخلها للتشجيع على تأليف الحكومة الجديدة وإنهاء الفراغ الحكومي، أم أن ذلك جاء بسبب يأسها من تأليف الحكومة فيه، أم أنها تستبق المزيد من الانهيار في أوضاعه الحياتية، في شكل يهز الاستقرار في ظل فراغ تخشى من أن تملؤه إيران مقابل الانكفاء العربي عن البلد.

وفي رأي متابعين للموقف الأميركي، فإن الاحتمالات الثلاثة المذكورة أعلاه واردة معاً، وأن واشنطن تراقب تطورات الوضع الداخلي وتتصرف في شكل يمكنها من ملاقاة الاحتمالات كافة.

التدخل لتمويل إصلاح أنبوب الغاز العربي

في الأيام الأخيرة كانت لواشنطن مبادرات عدة حيال الأزمة اللبنانية تدرجت كالآتي:

-تدخلت لدى البنك الدولي من أجل تمويل إصلاح وصيانة خط أنبوب الغاز العربي الذي ينقل الغاز من مصر ويمر في الأراضي السورية وتحديداً في محافظة درعا، بعدما أكدت السلطات السورية للجانب اللبناني ألا إمكانيات مالية لديها لإعادة تأهيل الأنبوب، وكذلك لتمويل إصلاح شبكة نقل الكهرباء من الأردن. وتولت السفيرة الأميركية في بيروت دوروثي شيا شخصياً التواصل مع البنك الدولي لضمان هذا التمويل، قبل أسبوعين من ذهاب الوفد اللبناني الوزاري إلى دمشق في الرابع من سبتمبر (أيلول) للحصول على موافقتها على استجرار الكهرباء والغاز، أي أن واشنطن أسهمت في التمهيد لأن يكون جواب الجانب اللبناني للجانب السوري إيجابياً في ما يخص تمويل صيانة وتنظيف وإصلاح أنبوب الغاز، وشبكة الكهرباء. ولذلك كلف وزراء الطاقة في الأردن ومصر وسوريا ولبنان، الذين اجتمعوا في عمّان في الثامن من سبتمبر (أيلول) فرقاً فنية للكشف على الأنبوب، وشبكة الكهرباء، في ظل معلومات عن إمكان تجهيزه لضخ الغاز السائل بعد ثلاثة أسابيع.

وبات معروفاً أن التحضير الأميركي لهاتين الوسيلتين من أجل تأمين الكهرباء للبنان جاء قبل وبعد إعلان "حزب الله" عن أنه استقدم باخرة من المازوت لتوزيعها على مولدات المستشفيات المهددة بالتوقف عن استقبال المرضى نتيجة صعوبة حصولها على المازوت من أجل تشغيل مولدات الكهرباء الخاصة بها، ومتهماً أميركا بمحاصرة لبنان والتسبب في الأزمة الخانقة جراء فرضها العقوبات. فالجانب الأميركي، فضلاً عن أنه يريد قطع الطريق على مزيد من تدخل إيران في لبنان، يرى أن الحل الذي تقدمه الأخيرة قصير المدى، بينما الحل الذي سعت واشنطن له لإعفاء لبنان من عقوبات التعامل مع النظام السوري عبر تمرير الطاقة عبر أراضٍ يسيطر عليها، طويل المدى.

والأرقام التي أذيعت بعد اجتماع عمان أن وصول الغاز المصري عبر سوريا سيشغل في مرحلة أولى معملاً لإنتاج الطاقة في شمال لبنان بكمية 450 ميغاوات، تكفي لزيادة التغذية بالكهرباء لأكثر من أربع ساعات يومياً. وهي أقل كلفة على الدولة والمواطن في لبنان من المازوت للمولدات الخاصة، ويجري البحث بنقل الغاز من الشمال إلى الوسط وجنوب لبنان لتشغيل معامل أخرى على الغاز لاحقاً.

بايدن يأمر بأموال إضافية لتعزيز رواتب الجيش؟

-الرئيس الأميركي جو بايدن أعلن في السابع من سبتمبر عن تفويض وزير خارجيته أنتوني بلينكن بسحب مبلغ 47 مليون دولار لتقديم "مساعدات فورية" للقوات المسلحة اللبنانية وفق قانون المساعدة الخارجية الأميركي، وجاء في بيان للبيت الأبيض، حمل توقيع بايدن، أنه يفوض استناداً إلى هذا القانون بلينكن بسحب ما يصل إلى 25 مليون دولار من السلع والخدمات من مخزون وموارد أي وكالة تابعة للولايات المتحدة لتقديم المساعدة الفورية للقوات المسلحة اللبنانية، كما منح بايدن وزير خارجيته سلطة إنفاق ما يصل إلى 22 مليون دولار، بموجب القانون نفسه، من المواد والخدمات الدفاعية من وزارة الدفاع لتقديم المساعدة الفورية للقوات المسلحة اللبنانية، طالباً إليه "تقديم الإخطار المناسب إلى الكونغرس لتنفيذ هذا القرار".

ويضاف هذا المبلغ إلى المبالغ التي تنفقها واشنطن على مساعدة الجيش اللبناني والقوى الأمنية الأخرى، وإلى 100 مليون دولار أعلن بايدن عن تقديمها في مؤتمر باريس "لمساعدة لبنان والشعب اللبناني"، الذي ترأسه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والأمم المتحدة، في الرابع من أغسطس (آب). وبدا واضحاً أن إقرار هذه المساعدة جاء بعد زيارة استكشافية قام بها في الأول من سبتمبر، وفد من لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، لنقل صورة عن حاجة لبنان وخصوصاً الجيش، للمساعدة، لا سيما لتحسين رواتب العسكريين التي انخفضت قيمتها إلى الحضيض بعد انهيار سعر العملة اللبنانية قياساً إلى الدولار بنسبة 90 في المئة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولم يخف السيناتور كريس مورفي رئيس الوفد ألا بد من بحث تأمين رواتب العسكريين، ولم تستبعد مصادر سياسية أن يكون جزء من المبلغ الذي أعلنه بايدن وفوض بلينكن بصرفه، مبلغاً نقدياً يصرف للجنود والضباط اللبنانيين، إضافة إلى تزويد القوات المسلحة بالمواد الغذائية وقطع الغيار لبعض الآليات، إلا أن الآلية النهائية لتوزيع المساعدة الأخيرة هذه لم تحدد بعد.

وتأتي هذه المساعدة الإضافية للجيش في إطار قناعة لدى المسؤولين في الخارجية والبنتاغون بأن دعم المؤسسة العسكرية وصمودها يحول دون السيطرة الكاملة لـ"حزب الله" على الساحة اللبنانية، في ظل الاضطرابات التي تحصل جراء تدهور الأحوال المعيشية، ويمكن الجيش والقوى الأمنية من تأمين حد أدنى من الاستقرار. وكان السيناتور مورفي واضحاً حين قال، إنه لا يعقل أن تكون رواتب "حزب الله" أكثر من رواتب الجيش اللبناني، ولعل هذا ما يفسر صفة العجلة في بيان البيت الأبيض، والذي تضمن عبارة "فورية" في حديثه عن مساعدة القوات المسلحة.

فيكتوريا نولن تستعجل تأليف الحكومة

-واشنطن رفدت تحركها على خطي إعفاء لبنان من عقوبات "قيصر" جراء الحصول على الكهرباء والغاز من الأنبوب العربي عبر سوريا، ولدعم صمود الجيش، بتحرك سياسي، يحض على تسريع تشكيل الحكومة اللبنانية برئاسة نجيب ميقاتي، لم يقتصر هذه المرة على اتصالات السفيرة الأميركية دوروثي شيا التي لا تنفك مطالبة رئيس الجمهورية ميشال عون بإنهاء الفراغ الحكومي، إذ تأكد أن مساعدة وزير الخارجية بالإنابة فيكتوريا نولن (التي حلت مكان السفير ديفيد هيل) أجرت اتصالين هاتفيين بكل من عون وميقاتي، قبل أيام، لإبلاغهما أنه لم يعد مقبولاً استمرار الفراغ الحكومي في البلد الذي تحتاج أزماته المتشعبة إلى قرارات من السلطة لإصلاح ماليته، حتى يتمكن من استقبال مساعدات خارجية للنهوض من أزمته، واطلعت نولن من ميقاتي على وجهة نظره في شأن تفاصيل العراقيل التي يواجهها من فريق عون.

وترافق اتصال نولن بعون وميقاتي مع اتصال أجراه الرئيس الفرنسي مع الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي داعياً إياه إلى الدفع من أجل تأليف حكومة في لبنان، فكان جواب الأخير أن بلاده تؤيد قيام حكومة تنهض بلبنان من أزمته، إلا أن معظم الأوساط السياسية المعنية بتسريع إنهاء الفراغ الحكومي في لبنان رأت أن الجانب الإيراني لن يبذل أي جهد لتليين شروط حليف "حزب الله" الرئيس عون وصهره النائب جبران باسيل، وسط تزايد القناعة بأن الحزب يترك لحليفه أن يضع الشروط التي تمنع قيام الحكومة الجديدة نظراً إلى ارتياحه لأداء عون إلى جانبه في التعاطي مع الوضع الإقليمي.

وفي رأي متابعين للموقف الأميركي، فإنه على الرغم من أن إدارة بايدن كانت قررت التجاوب مع مطالبتها بإيلاء الأزمة اللبنانية اهتماماً أكبر سواء من نواب وشيوخ أميركيين، بعضهم من أصل لبناني، ومن الفاتيكان، وبعض الزعماء العرب، فإنها فضلت البقاء خلف المبادرة الفرنسية ومساندتها من دون القيام بتحرك منفرد، لكن الخطوات الأخيرة تؤشر، حسب بعض المتابعين للسياسة الأميركية حيال لبنان، إلى رفع  مستوى الانخراط في الأزمة اللبنانية، والسبب هو تصاعد القلق من اهتزاز الاستقرار الأمني، ومن تصعيد إيران تحركاتها لتعزيز نفوذها عبر "حزب الله"، في سياق الضغوط  المتبادلة على الصعيد الإقليمي، بسبب تباعد المواقف حول المفاوضات من أجل العودة إلى الاتفاق على النووي في فيينا، وحول رفع العقوبات الأميركية عن طهران لا سيما في مجال تصدير نفطها.

أسئلة لبنانية حول فك الحصار على سوريا

في مقابل استمرار الغموض حول إمكان تأليف الحكومة وتراجع حظوظ ولادتها في الأيام الأخيرة، طرح بعض الأوساط المعارضة لـ"حزب الله" وتحالفه مع النظام السوري الأسئلة، في شأن خلفيات التوجه الأميركي لإعفاء لبنان من عقوبات "قيصر" على التعامل مع سوريا، وحول قبولها نوعاً من التطبيع اللبناني الرسمي مع بشار الأسد في وقت ترفض واشنطن تعامل دول عربية معه، وسبق أن اعترضت على تطبيع العلاقة اللبنانية - السورية.

ومع أن بعض المراقبين يعتقدون أن زيارة وفد وزاري لبناني ليست تطبيعاً مع النظام، وأن هدفها تقني حول استجرار الكهرباء الأردنية والغاز المصري، فإن "قوى الممانعة" وجدت في إتمامها بموافقة الرئيس عون ورئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب، انتصاراً لها ولمطالبتها بالانفتاح على الأسد. وفي المقابل، يرى معارضون للحزب وللدور السوري في لبنان أن زيارة الوفد الوزاري ليست الأولى كما قيل، لأنه سبق لوزراء في الحكومات المتعاقبة السابقة، ينتمون إلى قوى حليفة لدمشق، أن زاروا العاصمة السورية.

ضم سوريا لـ"منتدى شرق المتوسط للغاز"

ويستنتج بعض المتابعين لموقف واشنطن أن الأنبوب الذي طلبت سوريا حصة من الغاز الذي سينقله إلى لبنان (وستحصل عليه كوسيلة لمواجهة أزمتها) سيقود إلى حل لمشكلة نقص المحروقات في سوريا نفسها، أي أن الحديث يدور حول معالجة أزمة لبنان بينما الحل هو لمشكلة سوريا.

إلا أن هناك أبعاداً أكثر أهمية في مسألة نقل الغاز والكهرباء عبر سوريا، إضافة إلى معالجة أزمة الأخيرة في تأمين هاتين السلعتين. وهناك حديث عن دبلوماسية الأنابيب بين دول عدة، وأحد هذه الأبعاد أن استقدام الغاز إلى لبنان عبر الأنبوب العربي قد يعني أن بدء استخراج الغاز من البلوك الرقم 9 في البحر والعائد إلى لبنان سيتأجل أكثر مما هو مؤجل، وسط نزاع على بعض مساحته مع إسرائيل، وفي ظل تجميد مفاوضات ترسيم الحدود البحرية مع الأخيرة، والتي كانت رعتها واشنطن، وبذلك، قد يصبح الغاز العربي بديلاً عن الغاز اللبناني.

أما البعد الآخر الذي يفسر الاندفاع الأميركي لتأمين الغطاء لإعادة تفعيل الأنبوب العربي عبر سوريا، فهو التمهيد لإدخال سوريا في ما يسمى "منتدى شرق المتوسط للغاز" الذي مقره مصر، وتأسس عام 2019 ثم تشكل في سبتمبر 2020، ويضم إليها كلاً من: الأردن، وإسرائيل، وقبرص، واليونان، وإيطاليا، وفلسطين، وانضمت إليه فرنسا في يوليو (تموز) الماضي، ووافق الأعضاء على عضوية مراقب للبنك الدولي والاتحاد الأوروبي. ولم يدخل لبنان في هذا المنتدى لوجود إسرائيل فيه، في وقت لم يبحث الأمر مع سوريا خصوصاً إبان تصاعد الحرب فيها، وتنظر الدول الغربية إلى هذا المنتدى على أنه إطار إقليمي للتعاون يمكن أن يعزز فرص السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، وبين الأخيرة وعدد من الدول العربية.

وفي شأن سوريا (وبالتالي لبنان)، فإن خط الغاز العربي الذي ينطلق من بورسعيد في مصر، مربوط انطلاقاً من منطقة العريش في سيناء، بأنبوب إسرائيلي ينطلق من عسقلان، وهو أمر قد يؤدي إذا جرى تقدم بين دول المنتدى إلى تصدير الغاز الإسرائيلي، كما أنه جرى الترويج قبل أشهر إلى إمكان تجديد المفاوضات بين الجانبين السوري والإسرائيلي.