Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تشكيل الحكومة اللبنانية بين المواجهة الأميركية الإيرانية والعقد الداخلية

وفد من لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي يزور بيروت متهماً "حزب الله" بإبقاء البلاد في أزمة

السيناتور الأميركي كريس مورفي من مطار بيروت: "ليس هناك من دولة مانحة قدمت مساعدات للبنان بقدر أميركا" (رويترز)

شكلت وقائع زيارة وفد لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، برئاسة السيناتور كريس مورفي، السريعة إلى بيروت في الأول من سبتمبر (أيلول) مرة أخرى محطة في مسار خضوع لبنان لمجريات الصراع الأميركي الإيراني على الصعيد الإقليمي، بموازاة التأزم السياسي الذي يكبّل لبنان ويحول دون إنهاء الفراغ الحكومي فيه الممتد منذ 10 أغسطس (آب) 2020، لا سيما أن هذا التأزم شهد ذروة جديدة بفعل سجال بين رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي لأول مرة منذ تكليف الأول قبل أكثر من شهر بتأليف الحكومة.

غداة مغادرة الوفد الأميركي بيروت، تبادل الرئيسان عبر بيانين للمكتب الإعلامي لكل منهما الاتهامات مواربة، بالتسبب في عرقلة ولادة الحكومة، بعد 24 ساعة من إشاعة أجواء من التفاؤل بأنها ستتشكل نهاية الأسبوع. فالرئيس عون أبلغ وفد مجلس الشيوخ في لقائه معه بعد أن شدد أعضاؤه على أهمية تأليف الحكومة من أجل تلقي مساعدات واشنطن والمجتمع الدولي، بأن تأليفها "قطع شوطاً كبيراً وأن كثيراً من العقبات قد ذللت، معرباً عن أمله في أن تُشكل الحكومة هذا الأسبوع". وهو ما دفع الوفد الأميركي إلى إعلان تفاؤله مما سمعه من عون ورئيس البرلمان نبيه بري وميقاتي بقرب "نهاية الأزمة السياسية".

إلا أن مصادر سياسية اطلعت على جانب من لقاءي الوفد مع كل من بري وميقاتي أبلغت "اندبندنت عربية" بأن الأول أكد للوفد أنه يفترض أن تنتهي اتصالات هذا الأسبوع إلى قيام الحكومة، وأنه قدم كل التسهيلات المطلوبة من قبله، وأمل ألا تُقوض فرصة التأليف من فريق الرئاسة، بينما شرح الثاني ما يعتبره معاناته مع مطالب رئيس الجمهورية.

وفي وقت أعلن السيناتور مورفي في مؤتمر صحافي عقده في المطار، ليل الأربعاء، قبيل مغادرة الوفد إلى إسرائيل، أنه فهم من عون أن الحكومة قد ترى النور بعودة الوفد إلى الولايات المتحدة، انقلب التفاؤل تشاؤماً، وقذف بولادتها أسابيع أخرى إلى الأمام، كما قال مصدر نيابي مواكب لجهود ميقاتي من أجل إنجازها، على الرغم من جهود عدد من الوسطاء بينهم المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، لمعالجة نقاط عالقة في توزيع بعض الحقائب المهمة، وفي تسمية بعض الوزراء.

تبادل الاتهامات بين عون وميقاتي

وعادت أسباب الخلاف إلى العناوين إياها التي كانت ظهرت إبان تكليف زعيم "المستقبل" سعد الحريري قبل اعتذاره: رفض ميقاتي وأكثرية القوى والزعامات السياسية حصول الرئيس عون على الثلث المعطل للحؤول دون تحكمه مع صهره رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل بالحكومة وقراراتها، في وقت يصر هو على تسمية وزيرين مسيحيين إضافيين على حصته بثمانية وزراء في تشكيلة من 24 وزيراً، فيحصل من خلال تسميتهما، بحجة أن من حقه اختيار الوزراء المسيحيين، على أكثر من الثلث زائداً واحداً، على الرغم من نفيه أنه يريد الثلث المعطل منذ أشهر، الذي كرره في بيان صدر عنه بعد ظهر الثاني من سبتمبر، معتبراً أن اتهامه بذلك "شماعة".

ميقاتي قال في بيانه إن "البعض مصر على تحويل عملية تشكيل الحكومة إلى بازار سياسي وإعلامي مفتوح على شتى التسريبات والأقاويل والأكاذيب، في محاولة واضحة لإبعاد تهمة التعطيل عنه وإلصاقها بالآخرين". وعون شدد على أنه لا يريد، "لا بصورة مباشرة ولا بصورة غير مباشرة، الثلث الضامن"، ودعا إلى "عدم إلصاق تهمة التعطيل بمقام الرئاسة الأولى ولا بشخص الرئيس، للتعمية على أهداف خاصّة مضلِّلة". في وقت صوّب البيان الرئاسي على مواقف نادي رؤساء الحكومات السابقين، داعياً إلى "التوقّف عن اعتماد لعبة التذاكي السياسي والخبث الموازي للدهاء، من خلال التغطية على مشاكل داخلية لدى هذا الفريق أو ذاك....".

تعثر الحكومة والمنازلة الأميركية الإيرانية

وكان بري اتهم الفريق الرئاسي بالسعي للحصول على الثلث المعطل في الحكومة من دون أن يسميه في خطابه في 31 أغسطس، في ذكرى إخفاء مؤسس حركة "أمل" الإمام موسى الصدر في ليبيا منذ عام 1978.

لم يقتنع أي من الأوساط السياسية بالأسباب الداخلية لهذا التأزم، بعد أن كان القصر الرئاسي أشاع أجواء التفاؤل، الذي بقيت مصادر ميقاتي حذرة تجاهه. واعتبر مراقبون أن خلفية التصعيد والعودة بتشكيل الحكومة إلى المربع الأول تعود إلى حسابات خارجية، على خلفية الكباش الأميركي الإيراني في المنطقة، إذ إن القوى السياسية المعارضة للنفوذ الإيراني في لبنان عبر تحالف "حزب الله" وعون و"التيار الحر" تتهم الحزب بأنه يقف وراء الشروط التعجيزية التي يطرحها الفريق الرئاسي في عملية تأليف الحكومة، وأن هذا التحالف نجح في إغراق المبادرات كافة لإنهاء الفراغ الحكومي بتفاصيل المطالب الفئوية والطائفية اللبنانية، ومطالبة عون بحقوق المسيحيين وممارسة صلاحياته بضمان شراكتهم في السلطة، لإبقاء الأزمة السياسية ورقة في إطار التفاوض المؤجل بين واشنطن وطهران، سواء في فيينا على النووي أو في شأن اشتراط إدارة الرئيس جو بايدن وعدد من الدول الغربية البحث في الحد من برنامج إيران للصواريخ الباليستية، وتمددها الإقليمي، من أجل رفع العقوبات عنها، الأمر الذي يرفضه المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.

فالجانبان الأميركي والإيراني يخوضان منازلة في لبنان كما في سائر ساحات الإقليم، كان آخر مظاهرها في لبنان إعلان "حزب الله" استيراد بواخر المازوت والبنزين من إيران عبر تجار لبنانيين موالين له، وقرب وصول أول باخرة إلى سوريا لتفريغ حمولتها ونقلها إلى لبنان بالصهاريج. وتحدى الأمين العام للحزب حسن نصر الله الجانبين الأميركي والإسرائيلي بمنع وصول الباخرة، في اختبار لسعي طهران إلى خرق العقوبات المفروضة على تصدير النفط الإيراني، مطالباً الولايات المتحدة باستثناء لبنان من تلك العقوبات، نظراً إلى حاجة البلد الملحة إلى المحروقات، في ظل الضائقة المالية التي يعيشها. وهو ما دفع الوفد الأميركي إلى القول في مؤتمره الصحافي إن مجيء النفط الإيراني يعرض لبنان للعقوبات.

"حزب الله" يكسب نفطياً ومورفي يتهمه بـ"الكذب"

وترى أوساط سياسية متعددة بما فيها المعارضة للتحالف الحاكم الحالي أن "حزب الله" حقق مكسباً سياسياً ولو رمزياً حيال الدول الغربية في لبنان بتحديه العقوبات الأميركية واستقدامه النفط من إيران، على الرغم من أن الكمية التي يأتي بها لن تحل أزمة المحروقات. إلا أن وفد مجلس الشيوخ الأميركي رأى أن النفط الإيراني ليس حلاً للبنان لأنه قصير المدى، في وقت تعمل واشنطن على حل بعيد المدى، باستثناء لبنان من العقوبات حول استجرار الغاز المصري عبر الأردن والأراضي السورية، لتشغيل معامل الطاقة اللبنانية. ووصف عضو الوفد السيناتور ريتشارد بلومنتال "حزب الله" بأنه سرطان متفشٍّ يجب استئصاله، وشدد على أنه "لا ينبغي للبنان الاعتماد على إيران لحل أزماته خصوصاً في باخرة الفيول".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وشدد السيناتور مورفي في مقابلة تلفزيونية جرى بثها ليل الثاني من سبتمبر على محطة "أل بي سي آي" اللبنانية، على أن الخطوة الأولى المطلوبة، حتى للحلول القصيرة المدى، هي في تشكيل الحكومة، متهماً "حزب الله" بإبقاء لبنان في أزمة، واصفاً اتهامه الولايات المتحدة بأنها سبب الأزمة بفعل الحظر الذي تمارسه على استيراد النفط والعقوبات بأنها "كذبة خلقها من يريد إبقاء لبنان في أزمة متواصلة". وأضاف، "ليس هناك من دولة مانحة قدمت مساعدات للبنان بقدر أميركا، لا سيما للجيش والقوات المسلحة والأمنية، ولدعم المشاريع الصغيرة، وبعد انفجار المرفأ". وأشار مورفي إلى ما وصفه "النشاطات الشائنة لإيران في المنطقة ومنها لبنان"، وفي وقت كان مورفي تحدث عن أن السياسيين المتهمين بالفساد قد يخضعون للعقوبات وفق قانون "ماغنيتسكي" الأميركي خلال مؤتمره الصحافي، عاد فاستبعد في مقابلته التلفزيونية "فرض عقوبات وشيكة على المسؤولين اللبنانيين راهناً".

وكانت أوساط سياسية رأت أن الرئيس عون استقبل الوفد الأميركي بالتبشير بقرب تأليف الحكومة، تجنباً لعقوبات سبق أن تبلغ بتحذيرات في شأنها، وبأن واشنطن ستشترك مع الاتحاد الأوروبي في فرضها على معرقلي تأليف الحكومة، وقد تشمل رموزاً من فريقه السياسي.

أجور الجيش ورواتب "حزب الله" والانتخابات

إلا أن النقطتين البارزتين اللتين تناولهما أعضاء مجلس الشيخ الأميركي هما:

- إعلان مورفي أنهم سينقلون إلى واشنطن "توصيات لدعم تدريب الجيش عند الحدود ودعمه في الرواتب". وعلمت "اندبندنت عربية" في هذا المجال أن هناك بحثاً في الكونغرس الأميركي منذ مدة، بناء على توصيات من "البنتاغون" و"الخارجية"، في تقديم دعم مالي للجيش من أجل تحسين رواتب العسكريين التي فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها بسبب انخفاض سعر الليرة اللبنانية قياساً إلى الدولار، بالإضافة إلى الدعم الذي يتلقاه الجيش بالعتاد وقطع الغيار والمواد الغذائية من دول حليفة لأميركا. وعليه، فإن الدافع الرئيس لزيارة الوفد هو استطلاع أوضاع الجيش، ومدى فعاليته في حفظ الاستقرار في ظل الاضطراب الذي يمر به البلد، وللتأكد من أنه لا يخضع لنفوذ "حزب الله"، الأمر الذي يتوجس منه بعض أعضاء الكونغرس. ولذلك حرص أعضاء الوفد على امتداح العمل الذي تقوم به المؤسسة العسكرية واعتبارها، كما قال السيناتور كريس فان هولن، "قصة نجاح لمؤسسة غير طائفية". أما مورفي فقال، "علينا ابتكار بعض الطرق من أجل زيادة أجور الجيش اللبناني، ومن غير المقبول أن يتقاضى الجنود أجوراً أقل من أجور (حزب الله)"، ورأى أن دعم الجيش "يصب في مصلحة أمننا القومي".

- أعضاء الوفد شددوا على ضرورة إجراء الانتخابات النيابية المنتظرة في ربيع 2022 في موعدها. وهي نقطة باتت لازمة في الأدبيات السياسية الدولية قاطبة تجاه لبنان، وصولاً إلى نزع الذرائع لاحتمال تأجيلها بالاستعداد لتقديم المساعدة اللوجستية وربما تمويل كلفتها، نظراً إلى وجود تقديرات بأن "حزب الله" وعون قد يفضلان عدم حصولها إذا كانت ستعدل في الأكثرية الحالية التي يتمتعان بها في البرلمان، خصوصاً أن البرلمان المقبل سينتخب رئيس الجمهورية المقبل بانتهاء ولاية الرئيس عون في 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2022.

"حر ونزيه"

وقال مورفي في هذا السياق إن البحث تطرق إلى دور وزارتي الداخلية والعدل المعنيتين بهذا الاستحقاق الانتخابي، كي يكون "حراً ونزيهاً". ولم يخف الوفد الأميركي بأن بلاده تتعاطى مع القيادات الحالية الموجودة من أجل تنفيذ الإصلاحات وأن الانتخابات يفترض أن تأتي بقيادة جديدة للبلاد.

عكست اهتمامات الوفد الأميركي استمرار سياسة دعم الجيش على الرغم من التساؤلات في الكونغرس عند بعض النواب والشيوخ، حول مدى استعداده للحد من نفوذ "حزب الله"، في وقت قالت مصادر مطلعة على لقاء عون بالوفد إنه أشار إلى أن "الحزب" على الرغم من سلاحه لا يقوض الاستقرار في البلد.

في وقت يتنازع الجانبان الأميركي والإيراني النفوذ في لبنان كما لم يحصل سابقاً على الصعيد السياسي، فإن الانطباع لدى بعض الوسط السياسي المسيحي المعارض للرئيس عون وفريقه هو أن التزامه التحالف مع "حزب الله" سيقود إلى المزيد من الخطوات التي تؤشر إلى أخذ لبنان أكثر نحو محور الممانعة، ومنها الانفتاح على النظام السوري من أجل طلب تسهيلات نقل الغاز المصري واستجرار الكهرباء من الأردن، وفتح الحدود مع الأخير لتمرير البضائع اللبنانية غير المحظورة إلى دول الخليج.

ويلفت بعض السياسيين إلى دلالة اتصال رئيس "التيار الوطني الحر"، جبران باسيل، الذي وضعته وزارة الخزانة الأميركية على لائحة العقوبات وفق قانون "ماغنيتسكي" للفساد، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بوزير الخارجية الإيراني حسين عبد الأمير اللهيان لتهنئته بتوليه الوزارة، غداة مغادرة وفد مجلس الشيوخ الأميركي بيروت. فاللهيان جرى تعيينه في حكومة الرئيس إبراهيم رئيسي قبل أسبوعين، لكن باسيل اختار توقيت الاتصال به مع مغادرة الوفد الأميركي للدلالة على توجهات فريقه في السياسة الإقليمية.