Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

في "قضية نيرودا" التحري الشاب يبدأ مغامراته بالبحث عن ابنة الشاعر

أيّ سر همس به صاحب "النشيد الشامل" وهو على فراش الموت؟

الشاعر التشيلي بابلو نيرودا في مجسم كاريكاتوري (غيتي)

هناك شيء غامض إلى حد ما يجعل كثراً من الكتاب ومؤرخي الأدب يهتمون اهتماماً استثنائياً بالشاعر التشيلي بابلو نيرودا وحياته. فهذا المبدع والمناضل الذي عاش، منفياً حيناً ودبلوماسياً في أحيان أخرى، ومناضلاً تقدمياً شيوعياً على طريقته الخاصة غالباً، وهي طريقة "أكسبته" حذر ستالين والشيوعية الرسمية وجعلت فيديل كاسترو يصفه يوماً بأنه "عاهرة باهظة الكلفة بالنسبة إلينا"، وشاعراً كبيراً على الدوام، نيرودا هذا ومن دون أن تكون حياته تلك الدراما الكبيرة التي ترسمها أفلام عديدة حققت عن حياته وبعض منافيه، وكتب حاولت التوغل في سيكولوجيته حيناً، ومدعية له دوراً ستالينياً في اغتيال تروتسكي حيناً آخر، عاش حياة غنية عابقة بالألوان وتنقل فيها بين مناطق وبلدان كثيرة وتعرّف إلى كبار من العالم أبدوا فخرهم بدورهم لأنهم تعرفوا عليه. وهو وصف ذلك كله، ليس فقط في أشعاره ولكن بخاصة في كتاب ذكرياته "أذكر أنني قد عشت" الذي يعتبر في حد ذاته تحفة أدبية وكتاب مغامرات وربما أيضاً بياناً سياسياً.

لم يندم على شيء

في نهاية حياته، لم يذكر نيرودا أنه ندم يوماً على تلك الحياة التي عاشها. فقط حين حلت نهايته بعد أيام من الانقلاب الفاشي الذي أدارته وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بقيادة بينوشيت مطيحة بحكم الجبهة الشعبية وزعيمها الرئيس سلفادور أليندي، سيقول نيرودا إنه حزين لترك التشيلي فريسة لتلك الطغمة. وربما أسرّ لمقربين منه بأنه حزين لأنه لم يخلف ولداً يحمل اسمه. وهذا الحزن بالذات هو الذي سيلتقطه كاتب شاب من التشيلي بعد رحيل نيرودا في صيف عام 1973 بسنوات عديدة ليبني عليه واحداً من تلك الكتب التي اعتادت أن تحوز شعبية واسعة لمجرد أنها تجعل من نيرودا موضوعاً لها. والكتاب الذي صدر في عام 2008 حمل عنواناً بسيطاً هو "قضية نيرودا" ولسوف يتبين لنا بعد سطور لماذا كان العنوان خادعاً، بقدر ما كان الكتاب نفسه خادعاً بدوره. أما هنا فلنحاول تتبع ما الذي يقوله الكتاب لنصل إلى سؤال لا بد من طرحه في نهاية الأمر بالنظر الى أن كثراً من قرائه قد طرحوه: لو كان نيرودا حياً، كيف كان من شأنه أن ينظر إلى هذا الكتاب؟

على فراش موت بطيء

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تبدأ الحكاية، التي سنعرف بعد قليل لماذا نسميها حكاية، في شهر يونيو (حزيران) 1973 في مدينة فالباريزو التشيلية. وتحديداً في بيت الشاعر نيرودا الذي وهو على الرمق الأخير يعرف أنه يحتضر بفعل سرطان ينهشه نهشاً، ناهيك بأن الأوضاع السياسية في البلد ليست على ما يرام وأن ثمة نهاية سوداء ما، تقترب، يحس أنه لم يعد راغباً لا في القراءة ولا في الكتابة ولا حتى في الاهتمام بأحداث الكون الكبرى. كل ما كان يهمه في تلك اللحظات معرفة ما إذا كان ثمة ولد من صلبه لا يعرفه ويعيش في مكان ما من هذا العالم. وهو للبحث عن حقيقة الأمر يستدعي تحرياً شاباً يدعى كايتانو بروليه، ويكلفه بالبحث عن عشيقة سابقة له تدعى بياتريس دا بياكامونتي. والحقيقة أن تلك ستكون أول مهمة تحر يكلف بها بروليه الذي سيكلف بعد ذلك بتحريات كثيرة. لكنه عند ذلك كان في بداياته. وكان لقاؤه الأول مع بابلو نيرودا في حفل تعرف من خلاله الشاعر إلى مهارة التحري الشاب. ومن هنا، حين وجد أن عليه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة العثور على خلف له، اتصل بكايتانو بروليه. وأسرّ له باسم تلك العشيقة قائلاً إنه لا يعرف شيئاً عنها الآن ولا حتى أين تقيم. وأنه سيدفع له كل النفقات الضرورية ولو كلفه الأمر التنقل بين عدد من البلدان في أكثر من قارة، إذ إنه لم يعد يتذكر حتى أين كان لقاؤه بها. كل ما يتذكره أنها يمكن أن تكون الأم التي أنجبت له ابناً أو ابنة وحيدة وربته أو ربتها من دون أن تكلف نفسها عناء الاتصال به وإخباره.

جهود تحر شاب

وينطلق التحري في مهمته التي يستغرق الحديث عنها بتنقلاته خلالها والصعوبات التي يعيشها بالتوازي مع المصاعب التي تعيشها التشيلي نفسها خلال تلك الأشهر الانقلابية. وكان من الواضح لبروليه أنه يعيش سباقاً محموماً مع الزمن، إذ إن كل المؤشرات كانت تدل على أن أيام نيرودا باتت معدودة، وسيكون نوعاً من أعجوبة لو أن التحري توصل ولو إلى طرف خيط ما قبل أن يفارق نيرودا الحياة، هو الذي لا يريد أن يفارقها إلا وقد غمرته طمأنينة أن يعثر حقاً على ذرية له. ولكن سيكون من سوء حظ نيرودا أن يرحل قبل أن يحصل على الجواب الذي كان من شأنه أن يدفع غالياً ليعرفه. وطبعاً ليس من مهماتنا هنا أن نقول ما هي النتيجة التي توصل إليها التحري. ففي نهاية الأمر، لا بد من التنبيه إلى ما لم يبد واضحاً أول الأمر وهو أن ما نحن بصدده هنا ليس جزءاً من السيرة الحقيقية لبابلو نيرودا. بل إننا في صدد رواية تحر متخيلة كتبها روبرتو آمبويرو مبتكر واحدة من شخصيات التحري الأكثر شهرة في أميركا اللاتينية منذ سنوات. غير أن ما لا بد من الإشارة إليه هنا هو أن آمبويرو يعترف بأنه إنما توجه إلى كتابة الرواية البوليسية، في الأصل، انطلاقاً من حلم كان يداعبه في صباه المبكر. وكان حلماً له علاقة مباشرة بنيرودا. وسواء كان هذا الحلم صحيحاً أو من ابتكار مخيلة الكاتب الذي تبيع رواياته اليوم بمئات ألوف النسخ ما إن تنزل إلى الأسواق، فإن الحكاية تبدو في حد ذاتها جديرة بأن تروى.

لقاء من بعيد

ففي سنواته المبكرة كان روبرتو آمبويرو يقيم مع عائلته في منزل عند شاطئ فالباريزو يطل على الفيلا التي يقيم فيها نيرودا. وكان لا يفوته أن يتأمله في كل وقت وهو جالس قبالة البحر فيسأل نفسه: هل لدى الشاعر أولاد؟ وأين هم؟ فهو أبداً لم يلاحظ وجود صغار في البيت الرائع الفسيح. ولاحقاً حين تقدم به الشباب صار يعرف الكثير عن نيرودا إلى درجة أنه كان قد قرر أن تكون روايته الأولى عنه حين يخوض معترك الكتابة. لكنه أجل ذلك بأمل أن يكون تحريه الذي ابتكره قد نضج بحيث يمكنه أن يكون نداً للكاتب الكبير. ومن هنا كانت "قضية نيرودا" سابع رواية يكتبها من بطولة كايتانو بروليه، وإن كان قد جعل المغامرة التي ترويها أولى مغامرات التحري لمجرد أن يجعل من حواراته مع الشاعر نوعاً من مدرسة له في الكتابة، وأن يهمس في أذنه وهو يطلقه للبحث عن عشيقته السابقة، عبارة لا يمكن أن تأتي على لسان أحد غير نيرودا الحقيقي "إن الأدب وحده يمكنه أن يعلمك كيف تصبح تحرياً". وذلك انطلاقاً من فكرة نيرودية أخرى فحواها أن الكتب وحدها يمكنها أن تعطي الإجابات على كل أسئلة الوجود أكانت تتعلق بمسائل غاية في الضخامة أو بأمور غاية في الصغر.

"لمَ لم يجربني؟"

لسنا ندري حتى الآن ما إذا كانت السينما قد تلقفت هذه الرواية لتحولها فيلماً، وكذلك لا نرى في أنفسنا القدرة على الإجابة على السؤال التكهني الذي طرحناه أول هذا الكلام عما كان من شأن رأي نيرودا في هذه الرواية أن يكون لو أنه لا يزال حياً بيننا، لكننا نفترض أنه كان من شأنه أن يسر هو الذي أُثر عنه أنه حتى حين شتمه كاسترو تلك الشتيمة الكبرى وتناهى خبرها إليه قهقه من الضحك واكتفى بأن قال: كان عليه أن يجربني!

المزيد من ثقافة